مصادر المال المأخوذ على القرب

مصادر المال

مصادر المال المأخوذ على القرب هو المطلب الثالث من المبحث الأول الذي بعنوان حقيقة المال وما يتعلق به من بحث أخذ المال على أعمال القرب

مصادر المال المأخوذ على القرب

المطلب الثّالث مصادر المال المأخوذ على القرب

وفيه فرعان:

الفرع الأوّل بيت المال

وفيه مسائل:

المسألة الأولى: التعريف ببيت المال:

أوَّلًا: بيت المال في اللُّغة:

هو المكان المعدّ لحفظ المال، خاصًا كان أو عامًا.

قال الراغب (1): أصل البيت: مأوى الإنسان باللّيل؛ لأنّه يقال: بات: أقام باللّيل، كما يقال: ظل بالنهار؛ ثمّ يقال للمسكن: بيت؛ من غير اعتبار اللّيل فيه.
وجمعه: أبيات، وبُيُوت، لكن البيوت بالمسكن أخص. وعُبِّر عن مكان الشيء بأنّه بيت” (2).

ثانيًا: بيت المال في الاصطلاح:

اختلف مفهوم بيت المال في صدر الإسلام، عن مفهومه في العصور الإسلامية اللاحقة؛ فقد استعمل مصطلح [بيت مال المسلمين]، أو [بيت مال الله] في صدر الإسلام للدلالة على المبنى والمكان الّذي تحفظ فيه الأموال العامة للدولة الإسلامية؛ وذلك من المنقولات كالفيء، وخمس الغنائم، ونحوهما، إلى أن تصرف في وجوهها، ثمّ اكتُفِي بكلمة [بيت المال]؛ للدلالة على ذلك، حتّى أصبح عند الإطلاق ينصرف إليه.

ثمّ تطور بعد ذلك مفهوم (بيت المال) في العصور الإسلامية اللاحقة، حتّى صار يُطلق على الجهة الّتي تملك المال العام للمسلمين، من النقود، والعروض، والأراضي، وغيرها.

والمراد بالمال العام: “هو كلّ مال ثبتت عليه اليد في بلاد المسلمين، ولم يتعين مالكه، بل هو لهم جميعًا” (1).

قال الماوردي: “كلّ مال استحقه المسلمون، ولم يتعين مالكه منهم فهو من حقوق بيت المال، فإذا قُبض صار بالقبض مضافًا إلى حقوق بيت المال أُدخل حرزه، أم لم يُدخل؛ وذلك لأنّ بيت المال عبارة عن الجهة لا عن المكان”.

ثمّ قال: “وكل حق وجب صرفه في مصالحع المسلمين فهو حق على بيت المال، فإذا صرف في جهته، صار مضافًا إلى الخراج من بيت المال، سواء خرج من حرزه، أو لم يخرج؛ لأنّ ما صار إلى عمال المسلمين، أو خرج من أيديهم فحكم بيت المال جارٍ عليه في دخله إليه وخرجه” (2).

وبناء على ما سبق يتضح لنا أن بيت المال له إطلاقان:

الإطلاق الأوّل: يطلق، ويراد به: المبنى، والمكان.

وعلى هذا فنهو “المكان الّذي توضع فيه، وتصرف منه الأموال العامة للدولة” (1).

وهذا كان في صدر الإسلام، كما سبق بيان ذلك (2).

الإطلاق الآخر: يطلق ويراد به: الجهة.

وعلى هذا يمكن تعريفه بأنّه: “هو الجهة الّتي تختص بكل ما يردّ إلى الدولة، أو يخرج منها ممّا يستحقه المسلمون من مال” (3).

وبيت المال بهذا الإطلاق الأخير، يُعد شخصية اعتبارية، ويعامل معاملة الشخص الطبيعي، من خلال ممثليه، فله ذمة مالية، بحيث تثبت له الحقوق، وعليه، وترفع الدعوى منه، وعليه، وقد كان يمثله في السابق إمام المسلمين، أو من يعهد إليه بذلك، وحاليًا يشبه وزارة المالية، أو الخزانة، ويمثله وزير المالية، أو من يعهد إليه (4).

المسألة الثّانيهَ: موارد بيت المال:

موارد بيت المال كثيرة، أجملها الماوردي بقوله: “كلّ مال استحقه المسلمون، ولم يتعين مالكه منهم فهو من حقوق بيت المال” (5).

وهذه الموارد على التفصيل هي:

أوَّلًا: الفيء:

وعرّفه العلماء بأنّه: “كلّ مال وصل من المشركين عفوًا من غير قتال، ولا بإيجاف خيل، ولا ركاب” (1).

والفيء يشمل أنواعًا كثيرة من المال منها ما ذكره ابن قدامة بقوله: “الفيء هو ما أخذ من مال مشرك لم يوجف عليه بخيل، ولا ركاب، كالذي تركوه فزعًا من المسلمين وهربوا، والجزية، وعشر أموال أهل دار الحرب، إذا دخلوا إلينا تجارًا، ونصف عشر تجارات أهل الذِّمَّة، وخراج الأرضين، ومال من مات من المشركين، ولا وارث له” (2).

ويلحق بالفيء كذلك:

ما صولح عليه الحربيون من مالٍ يؤدونه إلى المسلمين، ومال المرتدّ إذا قتل أو مات، ومال الزنديق، إذا قتل أو مات، فلا يورث مالهما، بل هو فيء – وللأحناف في مال المرتد تفصيل -، ومال الذمي – إذا مات ولا وارث له -، وما فضل عن وارثه فهو فيء كذلك (3).

 

ثانيًا: سهم الرسول – صلّى الله عليه وسلم – من الغنيمة:

وذلك بعد وفاته – صلّى الله عليه وسلم -، وهو المذكور في قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الأنفال: 41] (4).

ثالثًا: خمس الخارج من الأرض من المعادن من الذهب، والفضة، والحديد، وغيرها، وقيل مثلها المستخرج من البحر من لؤلؤ، وعنبر، وسواهما (1).

رابعًا: الهبات، والتبرعات، والوصايا الّتي تقدّم لبيت المال للجهاد، أو لغيره من المصالح العامة (2).

خامسًا: تركات المسلمين التي لا وارث لها، أو لها وارث لا يُردّ (3) عليه، وديات القتلى الذين لا أولياء لهم (4).

سادسًا: الاموال الضائعة الّتي لم يُعرف أصحابها من لقطة، أو وديعة، أو رهن، وما يوجد مع اللصوص، ممّا لا طالب له، فكل ذلك يورد إلى بيت المال (5).

قال القرافي (6): “الأموال المحرمة من الغصوب وغيرها، إذا علمت أربابها ردت إليهم، والا فهي من أموال بيت المال تصرف في مصارفه … ” (1).

سابعًا: زكاة الأموال الظاهرة: كالسوائم، والزروع، والثمار، من حقوق بيت المال- عند من يرى ذلك- (2).

المسألة الثّالثة: مصارف بيت المال:

ممّا سبق يتبين أن الأموال الّتي تأتي إلى بيت المال متنوعة المصادر، وهي كذلك متنوعة المصارف، فكثير منها لا يجوز صرفه في الوجوه الّتي تصرف فيها الأنواع الأخرى، ومن أجل ذلك احتاج العلماء إلى فصل أموال بيت المال بحسب مصارفها لأجل سهولة التصرف فيها.

وقد وردت نصوص كثيرة عن العلماء في فصل بعض أموال بيت المال عن بعض. ومن ذلك:

قال أبو يوسف (3): “لا ينبغي أن يُجمع مال الخراج إلى مال الصدقات، والعشور؛ لأنّ الخراج فيء لجميع المسلمين، والصدقات لمن سمى الله سبحانه وتعالي في كتابه” (4).

وقال الزيلعي (1) من الحنفية: “وعلى الإمام أن يجعل لكل نوع بيتًا يخصه، وله أن يستقرض من أحدها ليصرفه للآخر … ” (2).

وقد سلك الحنفية هذا المسلك، فقسموا موجودات بيت المال على أربعة بيوت، وهذالتقسيم، وإن لم نجده مصرحًا به في بقية المذاهب، إِلَّا أن قواعدهم لا تأباه، ويظهر ذلك من خلال كلامهم عن موارد بيت المال، ومصارفه (3).

وسأذكر تقسيمات الحنفية لموجودات بيت المال ومصارفها بإيجاز على النحو الآتي:

قسم الحنفية موجودات بيت المال إلى أربعة بيوت كالآتي:

 

البيت الأوّل: بيت الزَّكاة (4):

ونصيب هذا البيت من موارد بيت المال: زكاة السوائم، وعشور الأراضي الزكوية، والعشور الّتي تؤخذ من التجار المسلمين إذا مروا على العاشر، وزكاة الأموال الباطنة إن أخذها الإمام.

ومصرف هذا البيت: المصادر الثمانية الّتي نصّ عليها القرآن الكريم في قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ …} [التوبة: 60].

البيت الثّاني: بيت الأخماس:

وموارد هذا البيت: خمس الغنالْم المنقولة، وخمس ما يوجد من كنوز الجاهلية – عند من يرى أنّه ليس بزكاة -، وخمس أموال الفيء – عند من قال بتخميسه (1) – قال تعالى: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ …} [الحشر: 7].
ومصرف هذا البيت: سهم لله ورسوله، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل.

وقال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ …} [الأنفال: 41]

وكان السهم الأوّل منها لرسول الله – صلّى الله عليه وسلم – في حياته، ينفق منه على نفسه – صلّى الله عليه وسلم -، وعلى أزواجه، ويصرفه في مصالحه، ومصالح المسلمين، وبعد موته اختلف العلماء في هذا السهم لمن يكون، التصحيح من ذلك أنّه ينقل لبيت مال الفيء، ويصرف في مصالح المسلمين على رأي الإمام كأرزاق الجيش، وإعداد الكراع، والسلاح، وبناء الحصون، والقناطر، أرزاق القضاة، والأئمة، وما جرى هذا المجرى من وجوه المصالح (2).

 

البيت الثّالث: بيت الضوائع:

وموارد هذا البيت: هي الأموال الضائعة، ونحوها، من لقطة لا يُعرف صاحبها، أو مسروق لا يُعلم صاحبه، ونحوها، فتحفظ في هذا البيت محرزة لأصحابها، فإن حصل اليأس من معرفتهم صُرف في وجهه.

وذكر الزيلعي مصرف هذا البيت بقوله: “اللقيط الفقير، والفقراء الذين لا أولياء لهم، فيعطى منه نفقتهم، وأدويتهم، وكفنهم، وعقل جنايتهم” (1).
وحاصل مصرف هذا البيت كما ذكر ابن عابدين: “أن مصرفه العاجزون والفقراء … ” (2). جاء في الموسوعة: “ولم نعثر لغير الحنفية على تخصيص هذا النوع من الأنواع بمصرف خاص، فالظاهر أنّها عندهم تصرف في المصالح العامة كالفيء، وهو ما صرح به الماوردي، وأبو يعلى (3)، في مال من مات بلا وارث؛ وبناء على ذلك تكون البيوت عندهم ثلاثة، لا أربعة” (4).

 

البيت الرّابع: بيت الفيء:

وموارد هذا البيت كثيرة جدًا، وهي تشمل كلّ أنواع الفيء المتقدم ذكرها بالإضافة إلى سهم رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – من الأخماس، والأراضي الّتي غنِمها المسلمون على القول بعدم قسمتها، وأنّها ليست من الوقف المصطلح عليه، وخراج الأرض الّتي غنمها المسلمون، وخمس الخارج من الأرض من معدن، أو نفط، ونحو ذلك، وخمس الكنوز الّتي لم يعلم صاحبها، وتطاول عليها الزمن، ومال من مات بلا وارث من المسلمين، ودينه كذلك، والضرائب الموظفة على الرعية لا لغرض معين بشروطها، وضوابطها الشرعية، والهدايا إلى القضاة، والعمال، والإمام (1).

ويلحق بهذا البيت عند غير الحنفية: أموال بيت الضوائع السابق ذكرها.

 

مصارف هذا البيت:

مصارف هذا البيت هي المصالح العامة للمسلمين، فيكون تحت يد الإمام، يصرف منه بحسب نظره واجتهاده في المصلحة العامة، يدور معها حيث دارت. وهذا البيت هو المقصود عند الإطلاق؛ لأنّه المخصص للمصالح العامة، بخلاف غيره، فالحق فيه لجهات متعددة (2).

ومن المصالح الّتي تصرف فيها أموال هذا البيت:

1 – العطاء: وهو نصيب كلّ مسلم من بيت المال، سواء كان من أهل القتال، أم لا، وهو أحد قولي الحنابلة، قدمه صاحب المغني، قال: “وظاهر كلام أحمد، والخرقي (3) أن سائر النَّاس لهم حق في الفيء، غنيهم، وفقيرهم، ذكر أحمد الفيء فقال: “فيه حق لكل المسلمين، وهو بين الغني والفقير” (4).

وذهب بعض الحنابلة إلى أن أهل الفيء هم أهل الجهاد من المرابطين في الثغور، وجند المسلمين، ومن يقوم بمصالحهم (5).

2 – تكاليف الجهاد: وتشمل: الأسلحة، والمعدات، والتحصينات، وكافة

تكاليف الجهاد على اختلاف أنواعها (1).

3 – رواتب الموظفين: وهم الموظفون الذين يحتاج إليهم المسلمون، في أمورهم العامة من القضاة، والمحتسبين، ومن ينفذون الحدود، والمفتين، والأئمة، والمؤذنين، والمدرسين، ونحوهم، فكل من فرغ نفسه لعمل في مصلحة المسلمين، فيستحق الكفاية من بيت المال له، ولمن يعول. ويختلف ذلك باختلاف الأعصار والبلدان، ولاختلاف الأحوال والأسعار (2).

4 – القيام بشؤون فقراء المسلمين: ويشمل ذلك العجزة، واللقطاء، والمساجين، والفقراء الذين ليس لهم من ينفق عليهم، إلى غير ذلك من المصالح العامة للمسلمين (3).

5 – المصالح العامة لبلدان المسلمين: من إنشاء المساجد، والطرق، والجسور، والقناطر، والأنّهار، والمدارس، ونحو ذلك (4).
وبالنظر فيما ذكره الحنفية من تقسيمات بيت المال إلى أربعة بيوت، أو ثلاثة بيوت على ما هو الممكن عند الجمهور، نجد أن حاصل ذلك كله يرجع إلى قسمين لا ثالث لهما:

أوَّلًا: ما كان منصوصًا على مصارفه.

ثانيًا: ما ليس منصوصًا على مصارفه.

القسم الأوَّل: المنصوص على مصارفه:

هو القسم الّذي يشمل الزَّكاة الواجبة والصدقات المستحبة، وأربعة أخماس الفيء عند من قال بتخميسه، وأربعة أخماس خمس الغنيمة.

ومصارف هذه الأموال محددة بنص القرآن؛ وذلك كما يلي:

قال تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ …} [التوبة: 60].
فهذا مصرف الزَّكاة الواجبة.

وأمّا أربعة أخماس الفيء فهي منصوص على مصارفها في قوله تعالى: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ …} [الحشر: 7].

وأمّا أربعة أخماس خمس الغنيمة فمصرفه محدد بقوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ …} [الأنفال: 41]

 

والقسم الأخر: ما ليس منصوصًا على مصارفه:

وهذالقسم راجع إلى اجتهاد الإمام ونظره في المصلحة العامة، فتصرّفه فيها تصرف مصلحة يدور معها حيث دارت، وقد سبق الكلام على ذلك مفصلًا.
وموارد هذ”لقسم كلّ أنواع المال الّتي تقدّم ذكرها عدا المنصوص على مصارفه منها، وهي المتقدمة في القسم الأوّل.

المسألة الرّابعة: ضابط ما يؤخد من بيت المال:

تقدّم فيما سبقه تعريف الرزق، والعطاء، والفرق بينهما، حيث تبين أن بعض العلماء حاول التفريق بينهما إِلَّا أن عرف الاستعمال عند الفقهاء لم يفرق بينهما فنراهم يستعلمون لفظ “الرزق” بمعنى العطاء، و “العطاء” بمعنى الرزق، والذي يهمنا

هنا أن الرزق مضبوط معروف عند العلماء، وبقي أن نعرف متى يكون المأخوذ من بيت المال رزقًا، ومتى يكون أجرة، أو نحوها؟

أمّا ما يخص الرزق من بيت المال فأمره واضح قد بينه العلماء، ومن ذلك ما سبق بيانه في تعريف الرزق، وأنّه ما يرتبه الإمام من بيت المال، لمن يقوم بمصالح المسلمين، ويلزم كي يكون رزقًا ما يأتي:

1 – أن يكون العامل مسلمًا. أي: من أهل القربة.

2 – أن يكون العمل ممّا يختص المسلم بفعله دون الكافر؛ كالأذان، والإمامة، ونحوهما.

3 – أن يكون هذا العمل في مصالح المسلمين.

وهذا هو الّذي عناه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بقوله: “أمّا ما يؤخذ من بيت المال فليس عوضًا، وأجرة، بل رزق، للإعانة على الطّاعة، فمن عمل منهم لله أثيب، وما يأخذه فهو رزق للمعونة على الطّاعة” (1).

وعليه، فإذا اختلت الشروط السابقة بقي العمل مستحقًا بالأجرة.

فإنّه بالشرط الأوّل يخرج العامل غير المسلم. وبالثّاني ما لا يختص المسلم بفعله؛ كبناء الجسور، والقناطر، والمساجد، ونحوها، فإن هذه الأعمال يعملها المسلم والكافر. الثّالث ما لا يكون في مصالح المسلمين؛ فلا يؤخذ عليه الرزق من بيت المال.

ولهذا جاز للإمام الاستئجار على النفع الّذي لا يختص المسلم بفعله دون الكافر. قال شيخ الإسلام: “ومأخذ العلماء في عدم جواز الاستئجار على هذا النفع: أن هذه الأعمال يختص أن يكون فاعلها من أهل القرب بتعليم القرآن، والحديث،

والفقه، والإمامة، والأذان، لا يجوز أن يفعله كافر، ولا يفعله إِلَّا مسلم، بخلاف النفع الّذي يفعله المسلم والكافر كالبناء، والخياط، والنسج، ونحو ذلك، وإذا فعل العمل بالأجرة لم يبق عبادة لله، فإنّه يبقى مستحقًا بالعوض معمولًا لأجله، والعمل إذا عمل للعوض، لم يبق عبادة كالصناعات الّتي تعمل بالأجرة” (1).

وهذا ما صرح به ابن قدامة حيث قال: “وما لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة كتعليم الخط، والحساب، والشعر المباح، وأشباهه، وبناء المساجد، والقناطر جاز أخذ الأجر عليه؛ لأنّه يقع تارة قربة، وتارة غير قربة، فلم يمنع من الاستئجار لفعله؛ كغرس الأشجار، وبناء البيوت” (2).

وحينئذ يجوز للإمام الاستئجار على هذه الأعمال، ويكون ما يأخذه العامل أجرة لا رزقًا. قال شمس الدِّين الرملي: “يكفي الإمام لا غيره إنَّ استأجر من بيت المال أن يقول: استأجرتك كلّ شهر بكذا … ” (3).

ومما سبق يتضح أن ما يؤخذ من بيت المال تارة يكون رزقًا، وتارة يكون أجرة (4)؛ وذلك على حسب ما ذكر من ضوابط، وعلى ضوء ما نقل عن أهل العلم في ذلك.

الفرع الثّاني ما يؤخذ من غير بيت المال

من مصادر المال المأخوذ على القرب – عدا بيت المال – ما يكون من الأفراد، أو الهيئات، أو جهات البرّ المختلفة.

ومن المعلوم أنّه قد وجدت في هذا العصر جهات بر متعددة تقوم بجمع المال من أهل الخير على اختلاف أنواعه، ثمّ القيام بصرفه في مصارفه الشرعية المختلفة.

وهذه الجهات تتمثل في: الجمعيات الخيرية المتنوعة الّتي تعتني بمصالح المسلمين، وقضاء حوائجهم، سواء في داخل البلاد، أو خارجها، ومن هذه المؤسسات:

  1. جمعية البرّ السعودية.
  2. رابطة العالم الإسلامي.
  3. هيئة الإغاثة العالمية.
  4. الندوة العالمية للشباب الإسلامى.
  5. مؤسسة الحرمين الخيرية.
  6. الجماعة الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم.

وهناك غيرها الكثير، سواء أكانت هذه المؤسسات دائمة أم مؤقتة بحسب النوازل، والكوارث الّتي تحل بالمسلمين، ومثال ذلك:

* الهيئة العلّيا لجمع التبرعات لمسلمي البوسنة والهرسك. وغيرها من مؤسسات الخير (1).

وبما أن هذه المؤسسات تعدّ مصدرًا مهمًا من مصادر المال المأخوذ على أعمال القرب فكان لابد من تكييف عملها شرعًا، من حيث كونها مصدرًا، ومصرفًا للمال المأخوذ على أعمال القرب.

وسيكون التكييف الشرعي لعمل هذه المؤسسات من ناحيتين:

الناحية الأولى: من حيث كونها مصدرًا للمال المأخوذ على القرب.

الناحية الثّانية: من حيث كونها مصرفًا للمال المأخوذ على القرب.

وبيان ذلك تفصيلًا كالآتي: –

أولًا: تكييف عمل هذه المؤسسات من حيث كونها مصدرًا للمال:

تكييف عمل هذه المؤسسات مبني أساسًا على أنواع المال الوارد إليها، ولهذا كان من الضروري معرفة أنواع المال، وتكييف كلّ نوع على حدة.

والمال الوارد إلى هذه المؤسسات لا يخلو:

1 – أن يكون زكاة واجبة:

وهذه الزَّكاة، سواء أكانت زكاة أموال نقدية، أم عروض تجارة، أو نحوهما، منصوص على مصارفها من الشارع، فلا يجوز صرفها إِلَّا فيما نصّ عليه الشارع، وهم الأصناف الثمانية المذكورة في قوله تعالى:

{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [التوبة: 60].

وبناء على هذا، فإن عمل هذه المؤسسات في هذه الحالة هو القيام بتوزيع هذه الأموال في مصارفها نيابة عن أصحابها، فهم وكلاء عن أصحاب الأموال، ووجه تخريج ذلك على الوكالة ظاهر، فإن الوكالة هي استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النِّيابة، سواء أكان ذلك من حقوق الله، أم حقوق الآدميين (1)، وتنعقد الوكالة بكل قول، أو فعل دال عليها من حيث الإيجاب أو القبول، وسواء أكان القبول على الفور أم على التراخي، كما هو مقرر في باب الوكالة

قال ابن قدامة: “وأمّا العبادات، فما كان منها له تعلّق بالمال، كالزكاة، والصدقات، والمنذورات، والكفارات، جاز التوكيل في قبضها، وتفريقها، ويجوز للمخرِج التوكيل في إخراجها، ودفعها إلى مستحقِّها” .

وبالجملة فقد اتفق الفقهاء على أنّه يجوز التوكيل في أداء الزَّكاة إلى أصحابها، على تفاوت بينهم في بعض الشروط والضوابط .

2 –  أن يكون هذا المال وقفًا:

كأن يوقف بعض المحسنين عقارًا، أو نحوه على المؤسسة الخيرية المعينة، كجماعة تحفيظ القرآن الكريم، ونحوها، ينفق من غلة هذا الوقف على هذه الجهة المعينة.

فالإنفاق في هذه الحالة إنّما يكون على شرط الواقف، ما لم يخالف كتابًا ولا سنة، بلا خلاف، ونص الواقف كنص الشارع في الفهم والدلالة، لا في وجوب العمل (4).

والواقف في هذه الحالة، إمّا أن يكون قد جعل نظارة الوقف إلى هذه المؤسسة المعينة، أو عين للوقف ناظرًا،

ففي الحالة الأولى يكون عمل الجماعة هو عمل ناظر الوقف في القيام بشؤونه، وصرف غلته فيما عينه الواقف،

وفي الحالة الثّانية يكون عملها هو عمل الوكيل في تسلُّم غلة الوقف من الناظر، والقيام بصرفها إلى أربابها نيابة عنه (1).

3- أن يكون وصية:

إذا أوصى بشيء من ماله الثلث فما دونه لجهة بر معينة مؤسسة خيرية، أو جماعة خيرية لتحفيظ القرآن مثلًا نفذت الوصيَّة بشروطها المعروفة عند الفقهاء،

وتكون هذه الجهة بمنزلة الموصى إليه في تنفيذ هذه الوصيَّة، وصرفها إلى مستحقيها، وإذا عين الموصي وصيًا في حياته في تنفيذ وصيته بعد موته، وكانت الوصيَّة إلى جهة بر معينة – كما سبق -،

فإنّه يجوز للموصى إليه حينئذ أن يوصي إلى آخر، أو إلى الجهة الّتي عينها الموصي، سواء أذن له الموصي في حياته، أم لا،

فإن له أن يوكل غيره، أو يوصي إلى غيره فيما لا يباشره مثله، أو يعجز عنه، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد، وعليه أكثر أهل العلم (2).

وفي هذه الحالة فالجهة الموصى إليها تكون في حكم الموصى إليه، أو الوكيل في التصرف.

4 – أن يكون هبة، أو غيرها من التبرعات:

الهِبَة – كما هو معلوم – تمليك بلا عوض، فتدخل في ملك الموهوب له، إمّا بالقبض، وإما بالعقد على خلاف، فإذا دخلت في ملك الموهوب له جاز له التصرف فيها بشتى أنواع التصرفات الشرعية، كما يتصرف في ملكه تمامًا.

وعليه، فجهات البرّ المختلفة تتصرف فيما يوهب لها، في مصالحها المختلفة

والتي قامت من أجلها هذه الجهة (1).

ثانيًا: تكييف عمل هذه المؤسسات من حيث كونها مصرفًا للمال المأخوذ على القرب:

من المعلوم أن عمل هذه المؤسسات إنّما هو في مصالح المسلمين، وهي جهة قربة، فلا يخلو ما يُعطى منها من أن يكون رزقًا، أو أجرة، أو جعلًا، أو نحو ذلك،

فما يختص فاعله أن يكون مسلمًا، ويتعدى نفعه إلى المسلمين، فيكون ما يأخذ رزقًا للإعانة على الطّاعة،

وما لا يختص فاعله أن يكون مسلمًا كان ما يأخذه أجرة، وتجرى عليه أحكام الإجارات، إذا فعله غير المسلم، وإذا فعله المسلم على نيّة القربة كان حكمه حكم الّذي قبله.

وأمّا الجعل فجائز أن تجعل مثلًا جماعة التحفيظ جعلًا لمن يحفظ القرآن، أو جزءًا منه،

ويمكن القول إنَّ عمل هذه الهيئات كعمل بيت المال في الجملة، فيجرى عليها ما يجرى عليه من أحكام سواء بسواء فيما نحن بصدده.

أخذ المال على أعمال القُرَب

1 Trackbacks & Pingbacks

  1. خطة بحث أخذ المال على أعمال القرب - المكتبة العربية الكبرى

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*