مفهوم الأمَّة الإسلامية

مفهوم الأمَّة الإسلامية ، كل جماعة من الناس لها رؤية شاملة للإنسان والحياة والكون ينبثق عنها منهج متكامل يصبغها بصبغته، ويميزها بطابعه.

مفهوم الأمَّة الإسلامية

معنى الإسلام

يتكون مفهوم الأمَّة الإسلامية من:

الأمَّة: وسبق تعريفها بأنَّها: كل جماعة من الناس لها رؤية شاملة للإنسان والحياة والكون ينبثق عنها منهج متكامل يصبغها بصبغته، ويميزها بطابعه.
الإسلامية: نسبة إلى الإسلام.

ويطلق الإسلام ويراد به ثلاثة معانٍ:

الأول: الاستسلام والخضوع والانقياد لله جلَّ وعلا، ويدخل في ذلك جميع خلق اللَّه طوعًا وكرهًا، قال تعالى: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [آل عمران: 83]، (فكل العوالم مسلمة لله تعالى إنسها وجنّها وحيوانها وجمادها) ، وهذا المعنى داخل في الإرادة الكونية القدرية .
ويخص بنو آدم بالعهد الذي أخذه اللَّه عليهم، وفطرهم عليه، قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} [الأعراف: 172].

الثاني: الدين الحق الذي جاءت به جميع الأنبياء والرسل، قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13].
وقال تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ. . . وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 163 – 164].
كل الأنبياء والرسل جاؤوا بدين الإسلام من أولهم إلى آخرهم (وأولهم يبشر بآخرهم ويؤمن به وآخرهم يصدق بأولهم ويؤمن به) .
وفي هذا قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81)} [آل عمران: 81].
وجاء على لسان كل رسول ونبي الإقرار بالإسلام أو الوصية به أو الدعاء أن يكون هو وذريته من المسلمين، وللمثال على ذلك:
– ما ورد عن نوح -عليه السلام- بأنَّه قال: {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72)} [يونس: 72].
– ووصف إبراهيم -عليه السلام- بأنَّه: {كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: 67].
– ودعوته هو وابنه إسماعيل لهما ولبعض ذريتهما ووصيته لبنيه، قال تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً} [البقرة: 127، 128]،

وقال تعالى: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 132].
– وكرر هذه الوصية يعقوب لبنيه عند وفاته، قال تعالى: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 133].
– ومن دعوة يوسف -عليه السلام- قوله: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف: 101].
– وجاءت دعوة موسى -عليه السلام- لقومه: {يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ} [يونس: 84].
– وممَّا يؤكد ذلك إعلان فرعون عن إسلامه عندما أدركه الغرق، قال تعالى: {حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس: 90].
– وفي رسالة سليمان -عليه السلام- إلى بلقيس جاء: {أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل: 31].
– وعن إسلام عيسى -عليه السلام- ومن اتبعه من الحواريين، قال تعالى: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} [المائدة: 111].
وقد وردت أحاديث عديدة عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- تبين حقيقة دين الأنبياء وأنَّه الإسلام منها قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: “أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، ليس بيني وبينه نبي، والأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد” ، وقال جمهور العلماء: (معنى الحديث: أصل إيمانهم واحد

وشرائعهم مختلفة فإنَّهم متفقون في أصول التوحيد، وأمَّا فروع الشرائع فوقع فيها الاختلاف) .
يقول ابن تيمية: (الرسل دينهم واحد وإن تنوعت الشرعة والمنهاج والمنسك فإنَّ ذلك لا يمنع أن يكون الدين واحدًا كما لا يمنع ذلك في شرعة الرسول الواحد) .
الثالث: الإسلام هو الدين الذي بُعث به محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- وإليه تنسب أمَّة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-.
يقول ابن تيمية: (وقد تنازع النَّاس فيمن تقدَّم من أمَّة موسى وعيسى، هل هم مسلمون أم لا ؟ وهو نزاع لفظي، فإن الإسلام الخاص الذي

بعث اللَّه به محمدًا -صلى اللَّه عليه وسلم- المتضمن لشريعة القرآن: ليس عليه إلَّا أمة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-، والإسلام اليوم عند الانطلاق يتناول هذا، وأما الإسلام العام المتناول لكل شريعة بعث اللَّه بها نبياً فإنه يتناول إسلام كل أمة متبعة لنبي من الأنبياء) .
وقبل هذا عرف دين الإسلام الذي لا يقبل اللَّه غيره في دعوة كل رسول من الرسل، فقال: (وذلك إنما يكون بأن يطاع في كل وقت يفعل ما أمر به في ذلك الوقت) .
* * *

الإسلام إذا وصفت به الأمة
للإسلام إذا وصفت به الأمة أو أضيفت إليها معنيان:
أ – المعنى العام: وينتظم جميع الأديان السماوية، وتكون الأمة

المنسوبة إلى هذا الدين أمة واحدة كما في قوله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92].
ب- المعنى الخاص: وهو الدين الذي جاء به محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- عقيدة وشريعة أخلاقًا وهديًا، وينبثق هذا الدين من كتاب اللَّه ومن سنة رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- القوليَّة والفعلية والتقريرية، والأمة الملتزمة بهذا الهدي والمطبقة لتعاليمه والمتبعة للرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- هي الأمة الإسلامية تشترك مع أمة الرسل في معنى الإسلام العام، وتختص بمسمى الإسلامية أو المسلمة؛ ولذلك أسباب أهمها:
1 – كونها دعوة أبي الأنبياء إبراهيم -عليه السلام-: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} [البقرة: 128] هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى كونه سماها مسلمة: {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ} [الحج: 78].
وقد قال بعض المفسرين: (ألهم اللَّه إبراهيم اسم الإسلام ثم ادخره بعده للدين المحمدي، فنسي هذا الاسم بعد إبراهيم ولم يلقب به دين آخر؛ لأنَّ اللَّه أراد أن يكون الدين المحمدي إتمامًا للحنيفية دين إبراهيم) .
وعلي الرغم من وجاهة هذا التبرير إلا أنه ينبغي عدم إطلاق المحمدية على الإسلام أو المحمديين على المسلمين، وإنما يقال: المسلمون أو الأمة الإسلامية التزامًا بما ميَّزهم اللَّه به من مسمى؛ ولأن في ذلك متابعة للمستشرقين الذين يحرصون على إطلاق مسمى (المحمدية) و (المحمديون) على الإسلام والمسلمين، ولهم مقاصد معينة سيأتي الحديث عنها في موضع آخر .

2 – كونها آخر الأمم ورسولها خاتم الأنبياء وسيد المرسلين ورسالته هي خاتم الرسالات، وبها تمَّ صرح الإسلام والأمم: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنعام: 115].
ويقول الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: “مثلي ومثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى بيتًا، فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوبة، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين” .
لذلك ناسب أن تسمَّى أمته -صلى اللَّه عليه وسلم- المسلمة أو المسلمين أو الإسلامية؛ لأنه يتحقق فيها الآتي:
1 – كمال الخضوع والاستسلام باعتبارها تؤمن بمحمد -صلى اللَّه عليه وسلم- وما جاء به من كتاب وحكمة، وتؤمن بالكتب السابقة وجميع الأنبياء والمرسلين، قال تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 136]، وقال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285].
2 – كمال الدين الذي تعتقده والشريعة التي تنتهجها والرسالة التي تحملها والإسلام الذي تنتسب إليه هذه الأمة في معناها الخاص، يشتمل

على أفضل الأعمال والأقوال والمعتقدات، وهو في صورته التي جاء بها محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- قد بلغ ذروة التمام والكمال.
فكل صورة للإسلام في حياة أي أمَّة من الأمم السابقة تندرج تحته، قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة: 48]، قال ابن كثير في تفسيره (مهيمنًا) بعد أن أورد معاني عدة: (فهو أمين وشاهد وحاكم على كل كتاب قبله) . وهو يغني عمَّا سواه ولا يغني ما سواه عنه؛ لذلك اختصت الأمة التي تحقق عقيدته في وجودها وتطبق شريعته في حياتها وجميع شؤونها، وتحمل رسالته للعالمين أن تنسب إليه.
وعلي هذا فإن مصطلح الأمة الإسلامية يتحدد على النحو الآتي:
الأمة الإسلامية: جماعة المكلفين ومن في حكمهم الذين يدينون بعقيدة الإسلام، وما ينبثق عنها من تصور للكون والحياة والإنسان، ويطبقون شريعته وينشرون رسالته، ويصطبغون بصبغته في سلوكهم وعاداتهم ومظهرهم بما يميزهم عن غيرهم، وإمامهم في ذلك محمد بن عبد اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكتابهم القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفهم.
وأصل هذه الأمة ضارب في أعماق التاريخ من لدن كان الناس أمة واحدة على الحق وهو الإسلام توحدها عقيدة التوحيد والإيمان باللَّه، وتتواصل عبر التاريخ حتى تمثلت في الرسالة الخاتمة التي جاء بها محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- وستستمر حتى يأتي أمر اللَّه وهي على الحق، أمة واحدة من دون الناس لا يضرها من خذلها ظاهرة منتصرة، تُؤَمُّ وتُقْصَدُ لما تحمل من الحق والخير،

وتحمل لواء الدعوة إلى اللَّه لتكون كلمة اللَّه هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، ومجال دعوتها الأرض بجميع أقطارها والناس جميعًا مقصودون بهذه الدعوة أينما كانوا؛ لأنها رحمة للعالمين وسلم لهم.

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*