مفهوم الإيجابية الخيرة

مفهوم الإيجابية الخيرة هي تلك الخصيصة الأخرى من خصائص تميز الأمَّة الإسلاميَّة، وهي السِّمَة البيِّنة التي اتصفت بها الأُمَّة الإسلاميَّة

مفهوم الإيجابية الخيرة

تمهيد

الإيجابيَّة الخيِّرَة هي تلك الخصيصة الأخرى من خصائص تميز الأمَّة الإسلاميَّة، وهي السِّمَة البيِّنة التي اتصفت بها الأُمَّة الإسلاميَّة، تحقيقًا لقوله تعالى: {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون: 61]،

فالسبق والمسارعة من خصائص تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة، وليس ذلك السبق، وتلك المسارعة لذاتهما، وإنَّما هما في الحقيقة إيجابيَّة خيِّرَة اختصت بها الأُمَّة الإسلاميَّة لتحقق من خلالها الخير والسعادة للإنسانية قاطبة،

ولا تقتصر نظرتها في ذلك على العاجل فحسب في الدار الدنيا، بل تتجاوز نظرتها هذه الحياة الأولى إلى الحياة الآخرة، وتعمل للعاجلة والآجلة بهدي من قوله تعالى:

{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 77].

وتتجلى إيجابيَّة الأُمَّة الإسلاميَّة في جوانب كثيرة، سأتناول جانبين من أهم تلك الجوانب، ولكن قبل ذلك أبين مفهوم المسارعة والسبق.

مفهوم الإيجابية الخيرة

مفهوم المسارعة والسبق:

أ- المسارعة:

مشتقة من الفعل الثلاثي (سَرُع) يقال: (سَرُعَ، يَسْرُعُ سرعة وسِرْعًا، فهو سَرعٌ وسريعٌ، والأُنثى: سَرْعى) بمعنى (خَفَّ وعجل. تسرَّع بالأمر: بادر به. المتسرع: المبادر إلى الشر. المسرع: السَّريع إلى خير أو شر) .

والمسارعة فيها مبالغة ومفاعلة من السُّرعة، وتختلف عن العجلة، وعن الفرق بينهما قال الرازي: (فإن قيل: أليس العجلة مذمومة. . . “العجلة من الشيطان والتأني من الرحمن” فما الفرق بين السرعة وبين العجلة؟ قلنا: السرعة مخصوصة بأن يقدم ما ينبغي تقديمه، والعجلة مخصوصة بأن يقدم ما لا ينبغي تقديمه، فالمسارعة مخصوصة بفرط الرغبة فيما يتعلق بالدِّين؛ لأنَّ من رغب في الأمر آثر الفور على التراخي، قال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [آل عمران: 133]، وأيضًا العجلة ليست مذمومة على الإطلاق بدليل قوله تعالى: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [طه: 84]) .

كما أن المسارعة ليست ممدوحة على الإطلاق؛ فإن اللَّه عز وجل وصف بها الكفار والذين في قلوبهم مرض، وأنَّهم يسارعون كذلك في الكفر وفي الإثم والعدوان، مثل قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} [المائدة: 41] ، وقوله تعالى: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ} [المائدة: 52]، وكقوله تعالى: {وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [المائدة: 62].

والشاهد في هذه الآيات أنَّ صفة المسارعة قد تكون مذمومة كما أنَّها صفةٌ ممدوحة، والذي يحدد ذلك الغاية التي ترتبط هذه الصفة بها، فإن كانت في الخير والبر والمعروف، فهي صفة إيجابيَّة خيِّرة، وإن كانت المسارعة في الكفر والإثم والعدوان، وفيما نهى اللَّه عنه بعامَّة؛ فهي صفة ذمٍّ ونقيصة.

ب- السبق:

مشتقة من الفعل الثلاثي (سَبَقَ)، قال ابن فارس: (السين والباء والقاف أصل واحد صحيح يدل على التقدم، يقال: سَبَق يسبق سبقًا، فأمَّا السَّبْق فهو الخطر الذي يأخذه السَّابق) ، ولعل ابن فارس يريد بقوله: (الخطر الذي يأخذه الفارس) إمَّا القدر والمكانة وهو أحد معاني الخطر ، أو يريد بقوله هذا (ما يُجْعَلُ من المال رهنًا على المسابقة) .

وفي تفسير قوله تعالى: {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ}

[المؤمنون: 61]، قال بعض المفسرين: (ينافسون فيها، وقيل: يسابقون. . . {وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ}. . .: هم سابقون الناس لأجلها) .

ويُمكن القول أنَّ مفهوم المسارعة والسبق في ضوء هذه المعاني يشكل المضمون الحقيقي لخصيصة الإيجابيَّة الخيِّرة بصفتها إحدى خصائص تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة.

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*