مفهوم الربانيَّة

مفهوم الربانيَّة . نسبة إلى الرَّبِّ، وزيادة الألف والنون للمبالغة كما أشار إلى ذلك ابن الأثير -في النص آنف الذكر-، وللعلماء في ذلك أقوال كثيرة ولكنها تنصب على مَنْ وُصِفَ (بالرَّبَّاني) 

مفهوم الربانيَّة

تمهيد

الربانيَّة خصيصة من خصائص تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة، إذ هو تميُّزٌ يستند إلى دين اللَّه الموحى به إلى الرسول الخاتم محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو دين الإسلام: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19]، والإسلام صبغة اللَّه {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} [البقرة: 138].
قال القرطبي: (صبغة اللَّه أحسن صبغة، وهي الإسلام، فسمِّي الدين صبغة استعارة ومجازًا من حيث تظهر أعماله وسمته على المتدين، كما يظهر أثر الصبغ في الثوب) .

وقال أيضًا: (وأصل ذلك أن النصارى كانوا يصبغون أولادهم في الماء، وهو الذي يسمونه المعموديَّة [التعميد] ، ويقولون هذا تطهير. . . فإذا فعلوا ذلك قالوا: الآن صار نصرانيًّا حقًّا، فردَّ اللَّه تعالى ذلك عليهم بأن قال: {صِبْغَةَ اللَّهِ} أي: صبغة اللَّه أحسن صبغة وهي الإسلام. . .) .

يتضح من هذا أنَّ خصيصة الربَّانيَّة من أهم خصائص تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة، حيث إنَّ الأُمَّة إذا أضيف إليها الإسلام أو وصفت به فإنَّها تصطبغ به حتى يصبح الإسلام صبغتها الذي تظهر به وتتطهر بطهوره، ويظهر سمته عليها، وتحقق بذلك ذاتيَّة متميِّزَة، وبذا فإنَّ من أهم خصائص تميُّزها خصيصة الربانية.

مفهوم الربانيَّة

أ- معنى الربانية لغة:

الربانية في اللغة: مأخوذة من مادة (ربَّ)؛ قال ابن فارس: (الراء والباء يدل على أصول؛ فالأول: إصلاح الشيء والقيام عليه. .، والأصل الآخر: لزوم الشيء والإقامة عليه. .، والأصل الثالث: ضم الشيء إلى الشيء. . .) .

وقال الفيروزآبادي: (الرَّبَّاني: المتأله العارف باللَّه عز وجل. . . وفعلان يبنى من فَعِلَ كثيرًا، كعطشان، وسكران، ومن فَعَل قليلًا كنعسان، أو المنسوب إلى الرب؛ أي: اللَّه تعالى، فالرباني كقولهم: إلهي، ونونه كلحياني، أو هو لفظة سريانية. . .، وربَّ: جَمَعَ، وزاد، ولَزِمَ، وأقام) .

وقال الراغب الأصفهاني: (الرَّبُّ في الأصل: التربية؛ وهو إنشاء الشيء حالًا فحالًا إلى حد التَّمام، يقال: ربَّه، وربَّاه، وربِّيبَة. . . ولا يقال: الرَّبُّ مطلقًا إلَّا للَّه تعالى المتكفل بمصلحة الموجودات، نحو قوله: {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} [سبأ: 15]، وعلى هذا قوله تعالى: {وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا} [آل عمران: 80] أي: آلهة وتزعمون أنَّهُم الباري مسبب الأسباب، والمتولي لمصالح العباد، وبالإضافة يقال له ولغيره، نحو قوله: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 1]، {رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ} [الصافات: 126]، ويقال: ربُّ الدَّار، وربُّ الفرس: لصاحبهما،

وعلى ذلك قول اللَّه تعالى: {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ} [يوسف: 42] .

وقال ابن الأثير: (الرَّبُّ يطلق في اللغة على المالك، والسيد والمدبِّر والمربِّي والقيِّم والمنعم، ولا يطلق غير مضاف إلَّا على اللَّه تعالى، وإذا أطلق على غيره أضيف فيقال: ربُّ كذا. . . وفي حديث عليٍّ: “الناس ثلاثة؛ عالم ربَّاني. . . ” ، هو المنسوب إلى الرَّبّ بزيادة الألف والنون للمبالغة، وقيل: هو الربّ بمعنى التربية، كانوا يربون المتعلمين بصغار العلوم قبل كبارها، والربَّاني العالم الراسخ في العلم والدين، أو الذي يطلب بعلمه وجه اللَّه، وقيل: العالم العامل المعلِّم) .

ومِمَّا يستخلص من هذه النصوص التي وردت في معنى (ربَّ) و (الرَّبّ)، في معاجم اللغة ومعاجم القرآن الكريم والسنّة النبويَّة: أنّ الرَّبّ

يطلق على معانٍ عِدَّة منها: (المربِّي، والجامع، والمالك السيد المتصرف الحاكم، والكفيل المصلح المدبر) .

وكل هذه المعاني متحققة في الربانية بصفتها خصيصة من خصائص الأُمَّة الإسلاميَّة، فالرَّبُّ جَلَّ وعَلَا هو مربي هذه الأُمَّة المختارة، وهو المالك لها والسيد المتصرف في شؤونها، وهو الحاكم الكفيل المدبر المصلح لشأنها كله، وهي تستمد هذه المعاني كلها من كتاب اللَّه ومن سنة رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-، وتميُّزها تميُّز متصل بالوحي (القرآن والسنَّة) في المقام الأول.

ب- معنى الرَّبَّانيَّة اصطلاحًا:

الرَّبَّانيَّة نسبة إلى الرَّبِّ، وزيادة الألف والنون للمبالغة كما أشار إلى ذلك ابن الأثير -في النص آنف الذكر-، وللعلماء في ذلك أقوال كثيرة ولكنها تنصب على مَنْ وُصِفَ (بالرَّبَّاني) ، أمَّا الرَّبَّانيَّة في هذا المطلب فالمقصود بها: أنَّ تَميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة ذو صبغة إلهية ربَّانيَّة فهو تميُّزٌ ينبثق من الوحي (الكتاب والسنة) وعلى ذلك فالربَّانيَّة إحدى الخصائص التي يتصف بها تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة، من حيث المصدر، ومن حيث الهدف والغاية.

ويقتصر الحديث هنا عن القرآن الكريم والسنَّة النبوية المطهرة، باعتبارهما صَدَرَا عن اللَّه -عز وجل- كما قال تعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 4]، ومنهما انبثق تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة فأصبحت الرَّبَّانيَّة خصيصة لازمة من خصائص هذا التميُّز من حيث المصدر، أمَّا من حيث الهدف والغاية فالحديث عن هذا الجانب متداخل ومماثل للحديث عن العبوديَّة

بوصفها من أهداف تميّز الأُمَّة الإسلاميَّة، وهي الغاية من خلق الثقلين الجن والإنس، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، لذلك فإنَّ الحديث عن هذا الجانب سيكون في مطلب العبوديَّة لالتصاقه بها، ولما اقتضاه سياق البحث.

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*