مقومات الاستخلاف بعامّة

مقومات الاستخلاف بعامّة ، مكن بيانها فيما يأتي.  أولًا: العلم. ثانيًا: التسخير، ويعني ذلك أن اللَّه سخر ما في الكون من مخلوقات على نحو يتمشَّى مع استخلاف الإنسان في الأرض

مقومات الاستخلاف بعامّة

من خلال مفهوم الاستخلاف وأهميته يتضح أنّه على نوعين اثنين، أحدهما: استخلاف عام لجميع البشر، والآخر: استخلاف خاص بالمؤمنين، و (نستطيع أن نُمَيِّز بين نوعين من أنواع الخلافة: خلافة كونيَّة يشترك فيها الناس جميعًا، وخلافة شرعيَّة خاصة بالمؤمنين وحدهم) ، فالخلافة الشرعية (هي التي ينبغي أن تمسك بزمام الخلافة الكونيَّة لتضبط حركتها، ولتوجهها إلى طريق الخير) .

ينبغي إجمال مقومات استخلاف الأُمَّة بعامَّة، ثُمَّ يعقبه مقومات استخلاف الأُمَّة الإسلاميَّة بخاصة، أمَّا مقومات الاستخلاف بعامَّة فيمكن بيانها فيما يأتي:

أولًا: العلم:

أساسه قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31]، قال ابن قيم الجوزية -في صدد حديثه عن قصَّة استخلاف آدم عليه السلام في الأرض وسؤال الملائكة ربهم بقولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة: 30]: (إنّه سبحانه أظهر فضل الخليفة عليهم بما خصَّه به من العلم الذي لم تعلمه الملائكة، وأمرهم بالسجود له تكريمًا له وتعظيمًا له، وإظهارًا لفضله، ثُمَّ إنّه سبحانه لما علم آدم ما علَّمه، ثُمَّ امتحن الملائكة بعلمه فلم يعلموه فأنبأهم به آدم، وكان في طي ذلك جوابًا لهم عن كون هذا الخليفة لا فائدة في جعله في الأرض فإنَّه يفسد فيها، ويسفك الدماء، فأراهم من فضله وعلمه خلاف ما كان ظنهم) .

وبهذا تتضح أهميَّة العلم في الاستخلاف، وأنَّه من مقومات الاستخلاف الرئيسية، وفي ذلك يقول أحد الباحثين: (أمَّا تحقيق السيادة فيقوم على ركيزتين، الأولى: وهبها اللَّه للإنسان فهي ركيزة ذاتية وتتمثل في الفاعلية الإنسانية، التي تعمل بترشيد من العلوم التجريبيَّة التي تمكن الإنسان من توسيع دائرة عمله، وتأكيد وترسيخ وتقوية فاعليته، فعلم الأسماء يدخل مقومًا أساسيًا في هذه الركيزة؛ لأنّ العلم التجريبي ليس سوى معرفة خصائص الأشياء، والقوانين التي تحكم العلاقات والتأثير بينها، فإذ عرف الإنسان طبيعة الشيء، أو الحي وخصائصه، وتأثيره وتأثره بغيره استطاع تسخيره له والانتفاع به، وتحقيق سيادته عليه، فالعلم التجريبي هو المؤهل الذاتي المحقق لسيادة الإنسان في الأرض) .

ومِمَّا يلحظ في قضية الاستخلاف من حيث المبدأ والتاريخ، أنَّ هذا النوع من العلم قد ينفك عن الخلافة الشرعيَّة، ويتأتى للأمم الكافرة، وتستطيع عن طريقه أن تحقق شيئًا من السيادة والعلو في الأرض، وبمعنى آخر أن تقيم حضارة بالمفهوم الوضعي، وقد وصف اللَّه بعض الناس بأنهم: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم: 7]، قال ابن عباس في تفسيرها: (يعني الكفار يعرفون عمران الدنيا وهم في أمر الدين جُهَّال) .

وقال بعض المفسرين: (إنَّما يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا فينظرون إلى الأسباب، ويجزمون بوقوع الأمر، الذي في رأيهم، انعقدت أسباب وجوده، ويتيقنون عدم الأمر الذي لم يشاهدوا له من الأسباب المقتضية لوجوده شيئًا، فهم واقفون مع الأسباب، غير ناظرين إلى مسببها، المتصرف فيها، {وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}، قد توجهت قلوبهم، وأهواؤهم، وإراداتهم إلى الدنيا، وشهواتها، وحكامها، فعملت لها، وسعت وأقبلت بها وأدبرت وغفلت عن الآخرة، ومن العجيب أن هذا القسم من الناس، قد بلغت بكثير منهم الفطنة والذكاء في ظاهر الدنيا، إلى أمر يحير العقول ويدهش الألباب، وأظهروا من العجائب الذريَّة، والكهربائية، والمراكب البرية والبحرية والهوائية، ما فاقوا به وبرزوا، وأعجبوا بعقولهم، ورأوا غيرهم عاجزًا عما أقدرهم اللَّه عليه) .

ويندرج تحت هذا النوع من العلم ما توصَّل إليه الإنسان في هذا العصر من (أنواع المعارف الإنسانية، سواء كان مصدرها العقل كالرياضيات، أم الحس والتجربة بالإضافة إلى العقل كالطب) . ولكنها مهدَّدة بصور عدّة من العقاب الإلهي إذا لم ترتبط بالإيمان باللَّه، والسير في طريقه المستقيم، قال تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ} [الأنعام: 6]، وقال تعالى: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت: 40]، وقال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 42 – 45]

فهذه الآيات تبين -بجلاء ووضوح – أنّ اللَّه عز وجل علم الإنسان، وبهذا العلم مكَّنه من استعمار الأرض وعمرانها وسيادته عليها وعلى كثير من المخلوقات الموجودة فيها حتى من بني جنسه، وأنّ هذا التمكين يُمثّل البلاء والامتحان، فإنْ أحسن وحقق عبوديته للَّه واستقام على الطريق المستقيم فاز في الدنيا والآخرة، وإن تنكب الطريق وظلم وطغى وبغى فإنَّه يصبح عرضة للعقاب التدريجي الذي يمثل الإنذار والدعوة لتصحيح المسار والعودة إلى صراط اللَّه المستقيم فإن حدث هذا تاب اللَّه عليه ومتعه إلى حين، وهذا ما حدث لقوم يونس عليه السلام، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (97) فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} [يونس: 96 – 98]، وإن استمر الإنسان في انحرافه ولم يتعظ تتابعت عليه الآيات، وكانت كل آية أكبر من أختها ، حتى يتم (الاستئصال التام كما حدث لقوم لوط وفرعون وغيرهم) .

ومن ذلك قول الحق تبارك وتعالى: {قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ} [النحل: 26]، وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ} [الروم: 9 – 10].

وقد يسلب اللَّه الأمَّة التي أخفقت في حمل الرسالة سلطانها ويصيبها بهيمنة أمة أخرى عليها ، كما حدث لبني إسرائيل، ولمشركي مكة، والفرس والروم، فإنَّ اللَّه سبحانه وتعالى استخلف الأُمَّة الإسلاميَّة فسادت وهيمنت بشرع اللَّه عليهم جميعًا، وإذا كانت الحضارة الغربيَّة وما يلتف حولها من أمم في العصر الراهن تتطلع للسيادة والهيمنة وذريعتها في ذلك العلم ومناهجه التجريبيَّة والتطبيقيَّة ونحوها، فإنَّها ستواجه المصير الذي آلت إليه الأمم من قبل؛ لأنَّها حصرت -في مسارها العام- (العلم فيما جاء عن طريق التجربة والخبرة الحسيَّة وحدها) ، وفصلت بين عالم الغيب وعالم الشهادة.

وعن ذلك يقول أحد المفكرين: (وعليه فإنَّ العلم باصطلاحهم محصور -مصدرًا- في التجربة، -وميدانًا- في المجال الرياضي

والطبيعي، وما يقبل موضوعه الخضوع للتجربة والاستقراء والمقاييس الكميَّة، وهذا التحديد لمفهوم العلم متولد من المذهب التجريبي في الفلسفة المعاصرة، الذي يتمثل في اتجاهات فلسفية، أبرزها الاتجاهان: الوضعي والماركسي، وقد أدى هذا المفهوم. . . إلى إنكار العلم فيما يتجاوز ميدان التجربة، وهو: عالم الطبيعة، وإنكار عالم ما وراء الطبيعة وكل ما كان مصدره الوحي الإلهي أو الشعور الأخلاقي من العلوم) ، وبذلك شقيت أمم الغرب ومن دار في فلكها بهذا العلم، وصرَّح نخبة من المفكرين الغربيين بإفلاس الحضارة الغربيَّة، وما أسموه بالانتحار العلمي .

يقول رجاء الجارودي: (إن حضارتنا تقوم على أسس خاطئة، فنحن في المرحلة الأخيرة من الحضارة التي لا تكاد تبدأ، ما زلنا لا نعرف أن نحدد لأنفسنا غايات حقيقيَّة، ولا نسيطر على وسائلنا، إن حضارتنا تقوم على هذه الموضوعات الثلاث:

تحيل الإنسان إلى العمل والاستهلاك.

تحيل الفكر إلى ذكاء.

تحيل اللانهائي إلى الكم) .

ثُمَّ يقرر: (إنَّها حضارة مؤهلة للانتحار، انتحار لفقدان الهدف، يشهد على ذلك ضروب الفرار إلى المخدرات، وانتحار المراهقين بأعداد أكبر في الأصقاع الأغنى، انتحار لإفراط الوسائل، يبرهن على ذلك مثلًا المنظور الجائز لنضوب المصادر الطبيعية والتلوث، وذلك نتيجة لازمة لتصور لا يرى في الطبيعة شيئًا آخر، سوى أنها مستودع ومعمل) ، أمّا الإسلام فإنَّه ينظر إلى العلم باعتباره يشتمل على (جميع أنواع المعارف الإنسانية، سواء كان مصدرها العقل -كالرياضيات- أم الحسّ والتجربة، بالإضافة إلى العقل -كالطب- أو النقل والسماع -كاللغة- أو الوحي والنقل -كعلوم الدين-) .

وعلى هذا فإنَّ الأُمَّة الإسلاميَّة هي الوارث الشرعي للخلافة، وهي الأحق بالاستخلاف، وما من شيء يحول دون ذلك إذا هي جدَّدت صلتها بدينها، وتلتزم صراط اللَّه المستقيم تحقيقًا لقوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [الحج: 78].

ثانيًا: التسخير:

وهو من المقومات العامَّة للاستخلاف في الأرض، ويعني ذلك أن اللَّه سخر ما في الكون من مخلوقات على نحو يتمشَّى مع استخلاف الإنسان في الأرض، قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الجاثية: 13]، وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ} [لقمان: 20] وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحج: 65]، وفي سورة النحل وردت ئلاث عشرة آية على التوالي تعرض (صورة جامعة للكون في شيء من التفصيل بذكر أقسامه الكبرى “عالم الأفلاك، عالم النبات، عالم الحيوان، إلخ” أوضحت ما سخره اللَّه للإنسان من منافع الطبيعة) ؛ (فللإنسان في الأنعام دفء ومنافع، وفي الخيل والبغال والحمير وسائل للركوب، وفي الشمس والقمر فوائد، والبحر يأكل من حيتانه، وتسير فيه السفن ليبتغي من فضل اللَّه، إنّ وصف الطبيعة بهذه الأوصاف، وعرض هذا الجانب النافع منها تحريضًا على استغلالها والانتفاع بها وتسليطًا للإنسان عليها بعد أن كان الإنسان يخاف من الطبيعة، بل يعبد بعض أجزائها) .

وإضافة لهذا التسخير فإنَّ موجودات الكون تشتمل على عنصر الجمال الذي هو من عناصر الحضارة ممَّا يؤكد قضية الاستخلاف، وأنَّ التسخير مقومٌ من مقوماته العامَّة، ثُمَّ إنّ اللَّه -عز وجل- (أودع في الأرض من المنافع، والمعادن، والأنهار، والعيون، والثمرات، والحبوب، والأقوات، وأصناف الحيوانات، وأمتعتها، والجبال، والجنان، والرياض، والمراكب البهيَّة، والصور البهيجة) (وأخبر عن منافعها، وأنه جعلها مهادًا وفراشًا وبساطًا وقرارًا وكفاتًا للأحياء والأموات) ، ما يتسق مع خلافة الإنسان وما يحتاج إليه ليحقق ذلك الاستخلاف، ويستوي في التمتع بهذا التسخير البر والفاجر، والتقي والشقي، ولكن النهاية للتقوى والمتقين والوراثة النهائية لعباد اللَّه الصالحين، وفي ذلك وردت آيات كثيرة منها -إضافة لما سبق- قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء: 105]، وقال تعالى على لسان نبيه موسى عليه السلام وهو يخاطب قومه في وقت كان فرعون يهددهم فيه بقتل الأبناء واستحياء النساء: {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128].

هذان المقومان: العلم والتسخير، هما أبرز مقومات الاستخلاف بعامَّة مع ما يقتضيانه من العقل والأجل وعوامل القوة المختلفة والوسائل والأساليب، كذلك الإرادة والعزم، وكل ذلك ونحوه هيأه اللَّه للإنسان وزوده به، في إطار الفرد وعلى صعيد الأُمَّة، والآيات الدّالة على ذلك من الكثرة بمكان، وكذلك الأحاديث والآثار، والوقائع التاريخية مِمَّا لا يتسمع هذا المجال لذكره ، ولكن تكفي الإشارة إلى أن العلم والتسخير هما الأساس في كل ذلك، وأنهما مرتبطان بالاستخلاف الكوني القدري الذي قد يرتفع الإنسان به إلى أحسن تقويم، أو يرتد به إلى أسفل سافلين.

وعن هذا قال أحد الباحثين: (بيَّن سبحانه أنَّ آثار الإنسان في الأرض تشتد، وأن قوته تزيد على الأشياء والأحياء، ويتمكن منها بالعلم، وأن الناس في المجتمعات التي تكون على درجة متقدمة في مجال السيادة بسبب زيادة حصيلتهم من العلم عادة أو غالبًا ما يفتنون وينحدرون في جانب الأخلاق، ويتسفلون في الجانب الإنساني، أي: جانب العبودية،

ومن ثمَّ تجري عليهم سنة فناء الحضارات بهذا السبب، ولا يغني تقدمهم في الجانب المادي عن ارتدادهم إلى أسفل سافلين في جانب العبودية، قال تعالى -مبينًا ذلك كله-: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (83) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ} [غافر: 82 – 85].
ويتضح لنا من قوله تعالى: {كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ} أن التقدم المدني والتقني والعمراني يحدث في جانب السيادة بسبب زيادة حصيلتهم في العلوم والخبرات، وقد فتنهم هذا كله فلم يستجيبوا لدعوة الرسل للسمو في جانب العبودية والارتفاع إلى أحسن تقويم، فحقَّت عليهم سنة اللَّه في فناء الحضارات) ، وما يقال عن العلم كمقوم للاستخلاف في مفهومه العام يقال عن المقوم الآخر، وهو التسخير.

 

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*