منهج الإسلام في تقرير الأخوة، ووحدة الأمة

منهج الإسلام في تقرير الأخوة، ووحدة الأمة .. ينطلق من عقيدة التوحيد الصحيحة الأصلية، ما يندرج تحتها من مبادئ وقيم تضبط الفكر ورؤية الكون والحياة

منهج الإسلام في تقرير الأخوة، ووحدة الأمة

انتهج الإسلام في تقرير الأخوة وبنائها منهجًا تربويًا فريدًا، ينطلق من عقيدة التوحيد الصحيحة الأصلية، ما يندرج تحتها من مبادئ وقيم تضبط الفكر ورؤية الكون والحياة. . .، في ضوء العبودية الخالصة للَّه عز وجل وما ينجم عنها من آثار إيجابية تنعكس على سلوك الفرد، وسلامة الأمة، إلى جانب نظم الإسلام الشرعية وأخلاقياته السامية التي عنت بالأخوة ووحدة الأمة غاية العناية، أمرًا بها، وحثًا عليها، وحرصًا على كل ما يجعلها راسخة في سلوك الفرد، وبناء الأمة، ومن جانب آخر النهي عن كل ما يمسها، أو يصدع بنيانها، أو يضعف تأثيرها من الاعتداد بالروابط المنافية لها، أو المواقف التي تجافيها والأخلاق التي تصادمها. . .، وتفصيل ذلك في الآتي:

أولًا: جعل العقيدة آصرة تلك الأخوة دون غيرها من الأواصر الأخرى، كآصرة النسب أو القبيلة أو اللغة أو التاريخ أو المناهج المتنوعة، والمصالح المختلفة، مع أن الإسلام لم ينكر تلك الأواصر أو يلغها ما دامت في المسلك الفطري السليم، من حيث صلة الرحم، وحقوق القرابة والجوار ونحو ذلك، وإذا كان قد ركز على آصرة العقيدة، والرابطة القائمة على أساسها فهو إنما ميزة هذه (الأخوة الإيمانية عن غيرها ورفع من شأنها؛ لأنها أخوة مستمدة من عناصر روحية لا تدانيها في التقارب أي علاقة أخرى) ، أما لو اجتمعت الآصرتان معًا فإن ذلك أبعد أثرًا وأعمق في التقارب؛ والإسلام يقر ذلك ولا ينكره، ولعل في سؤال نبي اللَّه موسى عليه السلام ربه أن يشد عضده بأخيه هارون عليه السلام ما يؤكد هذا ، بل إن الإسلام حينما أطلق على رابطة العقيدة مسمى الأخوة إنما فعل ذلك إقرارًا بمكانتها الغريزية، وما تقتضيه من العصبية والحمية من الأخ لأخيه في الدم والنسب ، ولكنه أراد أن تكون تلك الرابطة مشدودة بعقيدة الإسلام وشريعته في المقام الأول، قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، (وأخوة الإيمان أوثق روابط النفوس، وأمتن عرا القلوب، وأسمى صلات العقول والأرواح) ؛ لأنها ترتكز على عقيدة التوحيد الخالص للَّه، (ووحدة العقيدة هي ملاك ذلك كله؛ لأنها هي التي تزود القلوب برصيد الحب الخالص، وروح الأخوة الصادقة، وتسل من النفوس ما يعلق بها من أوضار الحقد، وتطهرها من شوائب التنافر، وتصوغ الإنسانية صياغة فريدة، قوامها التناصح والتآزر، وجوهرها الإخلاص والوفاء، بحيث يحب المؤمن لأخيه ما يحب لنفسه، ويسعى لخيره وما يصلح شأنه، سعيه لذاته وصلاح أمره) .
أما إذا ارتكزت الأخوة على عصبية النسب، وحمية الجاهلية جنسية كانت أو إقليمية فإنها تكون (وليدة نزعات خاصة لا تعرف غير الجنس أو الإقليم، ولا تمت في أكثر أحوالها إلى القلب، ولا إلى الصالح العام،

وبها يذوي الضمير العالمي، وينكمش الروح الإنساني، وينسى الرحم العام، الذي يقضي بالتعاون العام، والسلام العام، ويقضي بالحدب الشديد على المصالح العامة، ثم تجعل من أفراد الإنسان أو جماعاته حيوانات غابية مفترسة، تفتك قويها بضعيفها، ويأكل كبيرها صغيرها) .
إن تميز الأمة الإسلامية يقوم على مبدأ الأخوة ووحدة الأمة الذي أعلنه رسول الهدى -صلى اللَّه عليه وسلم- بقوله: “أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند اللَّه أتقاكم، ليس لعربي على أعجمي فضل إلا بالتقوى” .
قال أبو الحسن الندوي: (هذا الإعلان يتضمن إعلانين، هما الدعامتان اللتان يقوم عليهما الأمن والسلام، وعليهما قام السلام في كل مكان وزمان، هما وحدة الربوبية والوحدة البشرية، فالإنسان أخو الإنسان من جهتين، والإنسان أخو الإنسان مرتين: مرة، وهي أساس؛ لأن الرب واحد، ومرة ثانية لأن الأب واحد، قال تعالى {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]، وقال جل شأنه: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}

[الحجرات: 13] ويقول الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: “إن اللَّه قد أذهب عنكم عُبِّيَةَ الجاهلية وتعاظمها بآبائها، فالناس رجلان: برٌّ تقي كريم على اللَّه، وفاجر شقي هين على اللَّه، والناس بنو آدم، وخلق اللَّه آدم من تراب” ؛ لذلك كان الدين الإسلامي حقًا مشاعًا وثروة مشتركة لجميع الأمم والشعوب والعناصر والأجناس، والأسر والبيوت والبلاد والأوطان، ليس فيه احتكار مثل احتكار بني لاوي من اليهود، أو البراهمة من الهنود، لا يتميز فيها شعب عن شعب، ولا نسل عن نسل، وليس الاعتماد فيها على العرق والدم، بل الاعتماد فيها على الحرص والشوق، وحسن التلقي وزيادة التقدير والتفوق في الجهاد والاجتهاد) .
إن هذه الرابطة التي قررها الإسلام وأعلنها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مشدودة بالعقيدة والإيمان؛ ولذلك فإن من لوازمها الولاء للَّه وللرسول وللمؤمنين، قال تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} [المائدة: 55]، وقال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71]، فالمسلم مطالب (بأن يكون ولاؤه القلبي والعملي لإخوانه في الدين) ، ومقتضى ذلك الحب في اللَّه، قال تعالى: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [الأنفال: 63]، قال ابن مسعود -رضي اللَّه عنه-: (نزلت هذه الآية في المتحابين في اللَّه) ، وقال الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: “ثلاث من كن فيه

وجد حلاوة الإيمان: أن يكون اللَّه ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا للَّه، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه اللَّه منه كما يكره أن يقذف في النار” ، ومن لوازم مبدأ الأخوة في الإسلام من جانب آخر مما تقتضيه العقيدة ويوجبه الإيمان البغض من أجل اللَّه والبراء من أعدائه وأعداء رسوله وأعداء المؤمنين، قال تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة: 22]، قال بعض المفسرين: (لا يجتمع هذا وهذا، فلا يكون العبد مؤمنًا باللَّه واليوم الآخر حقيقة، إلا كان عاملًا على مقتضى إيمانه ولوازمه، من محبة من قام بالإيمان وموالاته، وبغض من لم يقم به ومعاداته، ولو كان أقرب الناس إليه، وهذا هو الإيمان على الحقيقة الذي وجدت ثمرته) .
والآيات والأحاديث مستفيضة في هذا المضمار تؤكد الحب في اللَّه ولوازمه والبغض في اللَّه ولوازمه ومقتضياته، وكلها يدور حول وحدة العقيدة كقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ} [التوبة: 23] وقوله تعالى في النهي عن موالاة اليهود والنصارى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51] وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ} [الممتحنة: 1]، فكل هذه الآيات

وما جاء على نحو منها من الأحاديث والآيات الأخرى تبني شخصية الأمة المسلمة بناء متميزًا تجعل الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة من مقوماته، وتأمر بالترابط والتماسك والالتفاف حول عقيدة التوحيد الخالص للَّه، وتنهى عن التفرق والاختلاف والذوبان في شخصيات الآخرين، وبلغ ذلك أن نهى اللَّه عن اتخاذ البطانة من دون المؤمنين قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا} [آل عمران: 118]، (فوضح لعباده المؤمنين الأمور الموجبة للبراءة من اتخاذهم بطانة بأنهم لا يألونكم خبالًا: أي هم حريصون غير مقصرين، في إيصال الضرر بكم. . .) .
ومع هذا التحذير وإظهار الشخصية المتميزة فإن اللَّه عز وجل جعل من خصائصها أيضًا الانفتاح على الآخرين والإيجابية في التعامل وتبادل البر، لا أن تكون شخصية منغلقة متعصبة، قال تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8]، لذلك أنه لما (نزلت. . . الآيات الكريمات المهيجة على عداوة الكافرين، وقعت من المؤمنين كل موقع، وقاموا بها أتم القيام، وتأثموا من صلة بعض أقاربهم المشركين، وظنوا أن ذلك داخل فيما نهى اللَّه عنه، فأخبرهم اللَّه أن ذلك لا يدخل في المحرم. . .) ، وإنما (نهاكم اللَّه أن تولوهم بالنصرة والمودة، بالقول والفعل، وأما بركم وإحسانكم

الذي ليس بتولٍّ للمشركين، فلم ينهكم اللَّه عنه، بل ذلك داخل في عموم الأمر بالإحسان إلى الأقارب وغيرهم، من الآدميين وغيرهم) .
ثانيًا: ومما انتهجه الإسلام في تحقيق الأخوة وبناء وحدة الأمة ما أوجبه على عباده من عبادات يؤدونها في جماعة، وأخلاق يتعاملون بها في علاقاتهم الخاصة والعامة، ومقتضيات تفضي إليها الأخوة من التناصر، والتراحم، والتعاون والمناصحة.
أما العبادات فإن الإسلام حث على صلاة الجماعة، وفيها يلتقي المؤمنون المجاورون لكل مسجد في مسجدهم خمس مرات لأداء الفروض الخمسة من الفجر إلى العشاء، ويجمعهم لقاء أكبر يتم في كل أسبوع مرة لأداء صلاة الجمعة والاستماع لخطبتيها، ثم يجتمعون في عيد الفطر وفي عيد الأضحى، ويجتمعون لصلاة الاستسقاء وصلاة الخسوف وصلاة الكسوف ونحو ذلك.
وفي هذه اللقاءات التي تتكرر يوميًا وأسبوعيًا وفي العيدين ونحوها مما أشير إليه تتجلى الأخوة ووحدة الأمة في أسمى معانيها، حيث تتضح الغاية من تلك الاجتماعات وهي عبادة اللَّه والخضوع له والتذلل بين يديه يلتقي من أجلها المؤمنون في بيت من بيوت اللَّه يتقدمهم إمام يأتمون به، رمزًا لوحدة لغاية ووحدة الهدف، ويصطفون من خلفه في نسق ونظام متجهين لرب واحد، وقبلة واحدة، وعلى منهج واحد ، اتباعًا لنبيهم

محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- إمام الأمة وقدوتها الذي قال: “وصلوا كما رأيتموني أصلي” والذي حث على صلاة الجماعة وقال بشأنها: “تفضل صلاة الجميع صلاة أحدكم وحده، بخمسة وعشرين جزءًا. . . ” .
ولا يتسع المقام هنا لاستقصاء ما ورد من الحث على تلك اللقاءات، ولا ما تنطوي عليه من الفوائد والحكم التي تتميز بها الأمة الإسلامية على سائر الأمم الأخرى، والتي تعد -في الحقيقة- من نعم اللَّه على هذه الأمة وعلى نبينا محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- كما قال تعالى: {وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113]، وكما قال: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [النحل: 18]، ويكفي أن ينوه هنا بما يتصل بالأخوة وما تعكسه تلك اللقاءات من وحدة في القول والعمل والقصد والنية، وما ينجم عن هذه اللقاءات من تعارف وتآلف في ظل طهر الضمير ونقاء السريرة وغذاء النفس الذي تصقله العبادة بما فيها من دعاء وذكر وغذاء روحي يرتوي منه المؤمنون في تلك اللقاءات إذا هم أدوها على الوجه الشرعي الصحيح .
فالصلاة أولًا تنهى عن الفحشاء والمنكر، قال تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا

تَصْنَعُونَ} [العنكبوت: 45]، والصلاة وسائر العبادات في الإسلام تصقل نفوس المسلمين، وتحقق فيهم معنى الأخوة والوحدة في أجمل صورة؛ لأنها تشد (آصرة الأخوة في الدين في تفاعلها العميق مع وجدان المؤمن على هدى وبصيرة ومحبة وتعاون، ومشاركة في المثل العليا، فإذا الكثرة المتفرقة وحدة مجتمعة، وإذا النفوس في ألقها وصفائها كالمرايا المتقابلة، تنعكس صور بعضها في بعض وتذوب الفوارق مهما عظمت) ، فيظهر المسلمون صفًا واحدًا لا فرق بين غني وفقير، ولا رئيس ومرؤوس، ولا سيد وعبد، ولا صغير ولا كبير، الكل سواسية كأسنان المشط تجمعهم الطاعة والإيمان والانقياد للَّه، ثم إن لهذه الأخوة والوحدة في الدين والعبادة امتدادًا في الاهتمام بالشؤون الخاصة، فعلى سبيل المثال حينما يندُّ عن هذا النسق بعض المسلمين، فإن الأخوة الإسلامية توجب عليهم التساؤل عن سبب ذلك والتعامل مع كل حالة بما يناسبها من الحقوق والواجبات .
وعلى هذا فإن الاجتماع للصلوات والشعائر الإسلامية الأخرى كالعيدين وغيرهما وكذلك صوم رمضان وحج بيت اللَّه الحرام وما يلازمهما من مبادئ وقيم وتعاليم، إن ذلك كله يحقق معنى الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة وآفاقها الكبرى التي تتجلى في صور كثيرة تؤكد كلها تميُّز الأمة الإسلامية.
وأما الأخلاق التي أوجبها الإسلام على أمته أو حث عليها أو ندب

إليها فإنها من الكثرة بمكان منها ما دعا الإسلام إلى التحلي به كالصدق والأمانة والعدالة والرحمة والصبر، ومنها ما نهى عنه وحذر منه مثل الحسد والحقد والغل والغضب ونحو ذلك.
فأما الصدق فقد أوجب الإسلام على كل مسلم أن يتحلى بهذه الصفة في اعتقاه، وفي قوله وفي فعله، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119]، وقال الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: “عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر” ، والبر في الإسلام يتناول (كافة وجوه الخير التي يمكن أن يقوم بها إنسان بدءًا من المعتقدات والمعاملات بين الناس ونهاية بالواجبات والأخلاقيات الدينية والدنيوية وما يتصل بحياة الإنسان في أسرته وعشيرته وقومه وفي المجتمع الدولي) ، ويتبين من قوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} [البقرة: 177]: أن مفهوم البر يربط بين العقيدة والشريعة في الإسلام ويربطهما بالأخلاق (حين يمتزج كمال العقيدة بكمال الأخلاق ويرتبط القول بالعمل، ويتصل الشكل بالمضمون ويتزاوج المعنى بالمبنى ليصبح

البر واجبًا معلومًا، وعمل الخير فريضة مقدسة، تستوي عندها إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والوفاء بالعهود والصبر عند الشدائد كأنها محطات التقاء بين الواجبات والأخلاقيات تصبح الأخلاقيات معها كالواجبات سواء بسواء) ، وهنا تأتي حقيقة الصدق ومنزلته حيث ختمت هذه الآية العظيمة بقول الحق تبارك وتعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177]، (أي: المتصفون بما ذكر، من العقائد الحسنة، والأعمال التي هي آثار الإيمان، وبرهانه ونوره، والأخلاق التي هي جمال الإنسان، وحقيقة الإنسانية، فأولئك الذي صدقوا في إيمانهم؛ لأن أعمالهم صدقت إيمانهم) ، فإذا اتصف أفراد المسلمين بصفة الصدق على هذا النحو، وبهذا المفهوم الشامل فإنَّ أخوَّة الإسلام ووحدة أمته ستقوم على أساس متين يسهم في قوتها مع غيره من الأسس الأخلاقية الأخرى.
أمَّا الأمانة فإنها كذلك من الأسس الأخلاقية المهمة في بناء الأخوَّة الإسلامية ووحدة الأمَّة، والنصوص الشرعية من الكتاب والسنة تتضافر في الأمر بها والنهي عما يقابلها كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ. . .} [النساء: 85] وقال تعالى في وصف المؤمنين: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المؤمنون: 8]، وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: 27]، وقال الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: “لا إيمان لمن لا أمانة له”، من حديث أنس -رضي اللَّه عنه- قال: ما خطبنا نبي اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلا قال: “لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له” ، ويتسع مفهوم

الأمانة ليشمل ما دعا إليه قول اللَّه عز وجل: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72].
جاء في تفسيرها بأنها: (امتثال الأوامر، واجتناب المحارم في حال السر والخفية كحال العلانية. . .) ، وأن اللَّه عز وجل: (عرضها على المخلوقات العظيمة. . . عرض تخيير لا تحتيم، وإنك إن قمت بها وأديتها، على وجهها، فلك الثواب، وإن لم تقومي بها ولم تؤديها فعليك العقاب، “فأبين أن يحملنها وأشفقن منها”. . .
خوفًا أن لا يقمن بما حملن لا عصيانًا لربهن، ولا زهدًا في ثوابه، وعرضها على الإنسان على ذلك الشرط المذكور، فقبلها وحملها مع ظلمه وجهله، وحمل هذا الحمل الثقيل، فانقسم الناس -بحسب قيامهم بها وعدمه- إلى ثلاثة أقسام: مثافقون قاموا بها ظاهرًا لا باطنًا، ومشركون تركوها ظاهرًا وباطنًا، ومؤمنون قائمون بها ظاهرًا وباطنًا) .
وعلى هذا فالأمانة هي (باختصار الأخلاق؛ لأن الأخلاق في مجملها الصدق في الأقوال كلها والعمل الصالح في السلوك كلَّه) ، ولذلك قال الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: “آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم” ، ويدخل في الأمانة أداء

ما أوجبه اللَّه على الإنسان من حقوق اللَّه تعالى، وحقوق لعباده، وحقوق لنفس الإنسان ذاته، وما ينبغي التوجيه إليه والتأكيد عليه هنا من معنى الأمانة هو تعامل الفرد المسلم مع أخيه، ثم تعامل الأمة بعضها مع بعضها الآخر ومع غيرها من المجتمعات البشرية والأمم الأخرى، والضابط في ذلك هو؛ أن يتعامل الإنسان مع غيره بمثل ما يحب أن يعاملوه به من النصح والصدق والإخلاص والوفاء في شتى ميادين الحياة ومجالات التعامل الإنساني إلا أن هناك فرقًا يتميز به المسلم وتتميز به الأمة الإسلامية في التعامل مع الآخرين وهو أن الإسلام ينهى عن خيانة الذين يخوننا، أي: أن اقتراف جريمة الخيانة من قبل الآخرين لا يسوغ لنا خيانتهم، فالخيانة ليست من الاعتداءات التي تقابل بالمثل) .
وعن هذا المعنى قال الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: “أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك” ، وهذا مما امتازت به الأمة الإسلامية عن غيرها من الأمم، فإن اليهود على سبيل المثال كانوا يقولون: {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} [آل عمران: 75] (أي: لا حرج عليهم في خيانة العرب، ولكن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-

كذبهم وقال: “كذب أعداء اللَّه، ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي هاتين إلَّا الأمانة فإنها مؤداة للبر والفاجر” .
وعلى هذا فإن الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة ترتكز على أساس متين آخر هو الأمانة بهذا المفهوم الإيجابي الخير كفضيلة من الفضائل الأخلاقية المهمة لقيام حياة الأمة بعامة والناحيتين الاجتماعية والاقتصادية بخاصة .
وأما العدالة فقد حرص الإسلام على تحقيقها بين أفراد الأمة على نمط (يقوم على الموازنة بين الحقوق والواجبات، والفطرة والجهد، وما إلى ذلك من عناصر الموازنة التي يرتب الشارع عليها حكمه العادل ومساواته المحسوبة، وليست المراسلة إرسالًا يعتمد على ظواهر الأشياء) .
وهناك معنى آخر للعدل والعدالة تنطلق من ذات الفرد المسلم ومن ذاتية الأمة الإسلامية، وهو (أن يأخذ المرء ويدع طبقًا لمبادئ الإسلام) ، وعند

ذلك يحقق المسلم العدل في ذاته ويتخلق به في تعامله مع إخوانه فتقوم الأخوة الإسلامية، ووحدة الأمة على أساس من العدل في الأخذ والعطاء وتحديد المواقف، قال اللَّه تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [الأنعام: 152] وقال جل شأنه: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90]، وقال أيضًا: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 135]، قال بعض المفسرين في تفسيرها: (كونوا في كل أحوالكم قائمين بالقسط الذي هو العدل في حقوق اللَّه، وحقوق عباده، فالقسط في حقوق اللَّه أن لا يستعان بنعمه على معصيته، بل تصرف في طاعته، والقسط في حقوق الآدميين أن تؤدي جميع الحقوق التي عليك كما تطلب حقوقك، فتؤدي النفقات الواجبة، والديون، وتعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به من الأخلاق والمكافأة، وغير ذلك، ومن أعظم أنواع القسط، القسط في المقالات والقائلين، فلا يحكم لأحد القولين، أو أحد المتنازعين، لانتسابه أو ميله لأحدهما بل يجعل وجهته العدل بينهما، ومن القسط أداء الشهادة التي عندك على أي وجه كان، حتى على الأحباب، بل على النفس) .
وأما الرحمة فهي (أثر من آثار الإيمان، يبعثها الطمع في رحمة اللَّه -وهي تعد فضيلة من فضائل الإنسان- وتدفع إليها العواطف النبيلة والإحساس الإنساني الشريف، وقد وصف اللَّه بها نفسه، وتفضل بها على خلقه، فقال تعالى: {مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: 54]، واللَّه يحب من عباده أن يكونوا رحماء فيما

بينهم، فيعطف كبيرهم على صغيرهم، ويوقر صغيرهم كبيرهم، يواسي غنيهم فقيرهم، ويعين قويهم ضعيفهم، ويرشد عالمهم جاهلهم، ويهدي حكيمهم سفيههم، ويرى المحكوم رحمة الحاكم به، كما يرى الأبناء رحمة الآباء، والتلاميذ رحمة المعلمين، والمرضى رحمة الأطباء، أولئك هم الذين يرحمهم اللَّه، ويعطف عليهم، ويسعدهم بحسن لقائه، وينجيهم من فتنة الحياة والممات “الراحمون يرحمهم الرحمن” ، وكما أوجب اللَّه على الإنسان أن يرحم أخاه الإنسان أوجب عليه أن يرحم الحيوان ، فالرحمة تشمل في قلب المؤمن سائر خلق اللَّه من حيوان وطير ونحوها إلا الفواسق .
وقد وردت أقوال كثيرة للرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى جانب ما ورد في القرآن الكريم كلها تحث على الرحمة، وتبين أهميتها، وأنها من أجل نعم اللَّه،

قال الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: “جعل اللَّه الرحمة في مئة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءًا، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه” ، ومن لطف اللَّه وكرمه أن رحمته سبقت غضبه كما في الحديث: “إن اللَّه كتب كتابًا قبل أن يخلق الخلق: أن رحمتي سبقت غضبي” ، ولذلك ورد أيضًا في الحديث الشريف: “لو يعلم الكافر ما عند اللَّه من الرحمة ما قنط من جنته أحدٌ” ، وقد بين اللَّه عز وجل أن رحمته وسعت كل شيء، وأنه يختص بها من يشاء، وأنه سيكتبها لعباده المؤمنين كما في قوله تعالى: {وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156]، وقال تعالى: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا} [فاطر: 2]، ولئن كانت الرحمة بهذا الشمول والعمق والتأثير فإن ما يتعلق منها بالأخوة الإسلامية يتمثل في ذلك القلب النابض بالحب والرأفة والحدب على غيره الذي يكتنفه كل مسلم.
ومن هنا تكون لَبِناتُ الأمة الإسلامية سليمة الطوية مرهفة الحس تتعاطف وتتألف وقدوتها في ذلك، وفي كل خلق كريم سيد الأنبياء وخاتم المرسلين -صلى اللَّه عليه وسلم- فقد (كان رحيمًا في كل المواطن، وكانت عيناه تفيضان بالدموع عندما يفيض قلبه بالرحمة، وقد يسمع صوت بكائه عليه الصلاة والسلام، ولم يفقد الرحمة حتى في المواقف التي يضطهد فيها، يضيق

عليه أهل مكة الخناق هو وأصحابه، بل يؤذونه ويعذبون أصحابه فيقول: “اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون” ، وفي يوم الفتح صنع بمن حاربه السنين الطويلة ووقف في وجه الدعوة وقتل أصحابه فعل بهم كما فعل يوسف بإخوته عندما قال: {قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 92]. وقال: “اذهبوا فأنتم الطلقاء” ، وكانت رحمته -صلى اللَّه عليه وسلم- تسع جميع الناس، ويحس بها كل الناس الضعفاء والأقوياء على حد سواء ، وعندما طلب منه أن يدعو على المشركين قال: “إني لم أبعث لعانًا، وإنما بعثت رحمة” .
وبهذه الرحمة وما تفعله من آثار وما تتصل به من صفات الجلال والكمال أنشأ الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- الأمة الإسلامية، (فالرحمة مبادرة إنسانية. . . توطد مشاعر الإخاء الإنساني. . . وهي التعبير الخلقي العملي عن تعاطف الإنسان مع أخيه الإنسان حين يواجه المرض أو الألم أو حين يقع في

المآزق والملمات. . والإنسان الرحيم يبادر إلى هذا وذاك تحدده الرغبة في كشف العذاب عنه أو تخفيفه عن كاهله) .
وقد تقتضي الرحمة ضروبًا أخرى من التعامل يفرضها العدل أو تدعو إليها مقتضيات الحكمة، منها ما يكون على مستوى الفرد ومنها ما يكون على مستوى الأمة.
فأما الأول فمثاله إلزام الوالد والده والأخ أخاه بما يشق عليه لنفعه ومصلحته كأن (يكرهه على التأدب بالعلم والعمل، ويشق عليه في ذلك بالضرب وغيره، ويمنعه شهواته التي تعود بضرره، ومتى أهمل ذلك من ولده كان لقلة رحمته به، وإن ظن أنه يرحمه، ويرفهه ويريحه، فهذه رحمة مقرونة بجهل) .
وأما على مستوى الأمة فإن ذلك يتمثل في عدم رحمة الظالمين ومن صدر في حقه حكم شرعي لارتكابه جريمة من الجرائم، فلا يجوز أن تحول الرحمة بينه وبين ما يستحق من العذاب؛ لأن البواعث الإنسانية وراء العمل الرحيم لا تنبعث ولا تتحرك لرؤية كل عذاب، ولكنما تتحرك فقط عند رؤية الأبرياء والرحماء يتعذبون، فتجاوز العدل بالانتهاك أو باعتداء يكشف عن العلاقة الدفينة بين فضيلة الرحمة وفضيلة العدل، ويبين بوضوح أن الذي لا يعرف وجه العدل لا بد أن يخطئ في الرحمة، فيميل إلى الرحمة بالظالمين والمعتدين الذين لا يستحقونها) .
ومما انتهجه الإسلام في بناء الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة وضمان

استمرارها وسلامتها الأمر بالصبر والحث عليه لأهميته في حياة الأمة كركيزة من ركائز المجتمع الإسلامي السليم، وتتسع دائرة الصبر في الإسلام على مستوى الفرد والأمة ليشمل أنواعًا عديدة منها، الصبر على طاعة اللَّه، والصبر عن معاصيه والصبر على البلايا والمصائب والشدائد، أي الصبر في البأساء والضراء ، كما قال تعالى: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ} [البقرة: 177]، وقال بعض المفسرين: (في البأساء: الفقر، والضراء: المرض، وحين البأساء: القتال) .
وفي قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155]، ما يدل على المصاعب التي قد تواجه المجتمع الإسلامي ابتلاءً من اللَّه، وأن الصبر فضيلة ينبغي على المسلم وعلى الأمة الإسلامية التذرع بها لمواجهة تلك المصاعب والأعباء وبالصبر يتحقق لها الفلاح والنجاح، حيث جاءت البشارة للصابرين في نهاية الآية في آيات أخرى كثيرة كقوله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 5 – 6].
ومما تفرد به الإسلام وتميزت به الأمة الإسلامية أن الصبر مأمور به بصفة مستمرة ومؤكدة كما في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200] فالمصابرة كما ذكر المفسرون: (انتقال من الأدنى إلى الأعلى، فالصبر دون المصابرة) .

(والمصابرة هي الملازمة والاستمرار على ذلك) أي: (لزوم الصبر، الذي هو حبس النفس على ما تكرهه، من ترك المعاصي، ومن الصبر على المصائب، وعلى الأوامر على النفوس) ، والتي يأتي في قيمتها الصبر على مواجهة الإعداد والانتقال من الصبر والمصابرة إلى درجة المرابطة ، وهي الإقامة في الثغور استعدادًا لمواجهة الأعداء .
ومما يستفاد من ذلك أن الصبر بهذا المفهوم الإسلامي الأصيل يوجد في الأمة أفرادًا لهم (قدرات روحية وطاقات خلقية متميزة) ، وهذه الطاقات والقدرات تجعلهم قادرين على التضحية والفداء . . .، وإن ما تستوجبه الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة من حقوق وواجبات يكون من اليسر بمكان لدى تلك النفوس التي تدربت على الصبر، واعتادت عليه، وأصبح من المبادئ الأساسية في حسها وتصورها لإيمانها بقيمة الدين الذي تعتنقه والأمة التي تنتمي إليها؛ ولذلك (كان الرجلان من أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا التقيا لم يفترقا حتى يقرأ أحدهما على الآخرة سورة العصر، ثم يسلم أحدهما على الآخر) ، حيث إن التواصي بالصبر،

(ضرورة في جهاد النفس وجهاد الغير، والصبر على الأذى والمشقة. . . والتواصي بالصبر يضاعف المقدرة، بما يبعثه من إحساس بوحدة الهدف، ووحدة المتجه، تساند الجميع، وتزودهم بالحب والعزم والإصرار) .
هذه من أهم الأخلاق التي تعد بمثابة قاعدة راسخة يقوم عليها بناء الأخوة والوحدة في الإسلام، ويتصل بها جملة أخرى من مكارم الأخلاق وفضائل الأعمال أمر اللَّه -عز وجل- ورسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- بها وندبًا إليها وحثًا عليها مثل الوفاء والعفو والصفح والستر على المسلم وحفظ سره ونحو ذلك.
وهناك إلى جانب هذه الأخلاق والفضائل المأمور بها والمندوب إليها صفات وأخلاق مذمومة نهى اللَّه ورسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- عنها؛ منها البغض والحسد والتدبر والقطيعة والسخرية والاستهزاء وإساءة الظن والغيبة والنميمة والتجسس، والغضب، ونحو ذلك مما يفسد أواصر الأخوة ويهدم وحدة الأمة من مرذولات الأخلاق ومساوئ الأعمال.
وقد وردت في ذلك نصوص كثيرة من القرآن الكريم والسنة النبوية منها قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: “لا تباغضوا ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد اللَّه إخوانًا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث” ، وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: “إياكم

والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات، كما تأكل النار الحطب” ، وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: “سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر” ، وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: “لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به” ، وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: “وإذا غضب أحدكم فليسكت” ، وقد امتدح اللَّه -عز وجل- الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، وقرن الغضب بالإثم في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} [الشورى: 37] وقال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 133 – 134]، وقد بين الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: أن الغضب من الشيطان، وأن الشيطان خلق من نار، وأرشد إلى ما يطفئ حرارة الغضب وهو الوضوء، فالماء يطفئ النار، والوضوء

يطفئ الغضب، حيث قال -صلى اللَّه عليه وسلم-: “إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ” .
ومن هذه النصوص التي تنهى عن مساوئ الأخلاق وترشد للتي هي أقوم يتضح ذلك الحرص الأكيد على سلامة القلوب المؤمنة مما يكدر صفو الأخوة الإسلامية، وينحرف بالسلوك عن مقتضى الحب في اللَّه والاجتماع على ما يرضيه، وقد بلغ الأمر في الحرص على سلامة القلب وطهر النفس ونقاء الضمير أن أرشد للَّه سبحانه وتعالى عباده إلى نوع من الدعاء يركز على مكنون القلب وأعماق الوجدان، حيث قال تعالى حكاية عن أخوة الإسلام ووحدة أمته، وأنها تمتد في أعمق التاريخ لتصل ماضي الأمة بحاضرها ومستقبلها: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10]، قال بعض المفسرين: (والذين جاؤوا من بعدهم أي: من بعد المهاجرين والأنصار يقولون على وجه النصح لأنفسهم ولسائر المؤمنين: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، وهذا دعاء شامل لجميع المؤمنين، ومن السابقين، من الصحابة، ومن قبلهم ومن بعدهم، وهذا من فضائل الايمان أن المؤمنين ينتفع بعضهم ببعض، ويدعو بعضهم لبعض، بسبب المشاركة في الإيمان، المقتضي لعقد الأخوة بين المؤمنين التي من فروعها، أن يدعو بعضهم لبعض وأن يحب بعضهم بعضًا. . .) .
إلى أن قال: (ذكر اللَّه في هذا الدعاء نفي الغل عن القلب، الشامل

لقليله وكثيره الذي إذا انتفى، ثبت ضده، وهو المحبة بين المؤمنين والموالاة والنصح، ونحو ذلك مما هو من حقوق المؤمنين. . . ووصفهم بالإقرار بالذنوب، والاستغفار منها واستغفار بعضهم لبعض واجتهادهم في إزالة الغل والحقد لإخوانهم المؤمنين؛ لأن دعاءهم بذلك مستلزم لما ذكرنا ومتضمن لمحبة بعضهم بعضًا، وأن يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه وأن ينصح له حاضرًا وغائبًا حيًا وميتًا) .
وفي النهي عن سوء الظن بالمسلم والسخرية به واغتيابه ونحو ذلك مما لا يليق بآداب الأخوة وحقوقه، يقول تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: 11 – 12]، ففي هاتين الآيتين ما يؤكد على ضرورة صيانة الأخوة الإسلامية ووقايتها من (هذا السداسي الجاهلي، السخرية واللمز والنبز وسوء الظن والتجسس والغيبة. . . وبذلك ينغصون حياتهم وأخوتهم الإسلامية وترابطهم بقلق وإرجاف ومسالك سيئة. . . والآيتان تترابطان وتتساندان في تهذيب المجتمع ورسم المنهج القويم له، فالآية الأولى اختصت بعلاج مرض السخرية واللمز والنبز بالألقاب، والثانية بالظن والتجسس والغيبة، وتلك لبنات الشر وصورة الجهل والدمار، وكلها آخذ بعضها ببعض) ، على أن هناك حالات تستثنى من هذا النهي ذكرها

العلماء من فقهاء ومفسرين ومحدثين، وجعلوا لها ضوابط شرعية محددة، لا يتسع المجال لذكرها وهي مبسوطة في مظانها، والمراد هنا أن الإسلام أقام (سياجًا قويًا حول حرمات المسلمين فلا تحلل، وكراماتهم فلا ينال منها، وأعراضهم فلا تنتهك وحرياتهم الممنوحة لهم شرعًا فلا تقيد ولا تصادر) إلا في ضوء ما أباحه الشرع، واقتضته الضرورة، وهذا ما تتميز به الأخوة الإسلامية دون سائر الروابط والصلات والأواصر في المجتمعات الإنسانية الأخرى والأمم سوى الأمة الإسلامية المختارة.
وللأخوة الإسلامية ووحدة الأمة مقتضيات تعد بمثابة الثمار الحلوة لتلك الأسس الراسخة التي اعتمدت في بناء الأخوة الإسلامية على الأمر والنهي والحث والندب، الأمر بمكارم الأخلاق وفضائل الأعمال والحث عليها والندب إليها وإلى كل ما يتصل بها من عمل صالح وخير وفضيلة، والنهي عن مرذولات الأخلاق ومذموم الصفات وسفاسف الأمور وما يتصل بذلك من أقوال وأعمال ومشاعر وأحاسيس.

وأهم ما تقتضيه الأخوة الإسلامية:
أ- التناصر: وله في الإسلام صورٌ كثيرة يتداخل بعضها مع بعض في إطار ما تقتضيه الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة من التراحم والتعاون والتكافل، ويقتصر هنا على بعض تلك الصور مثل ما دلَّ عليه الحديث الشريف في قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: “المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه” وقوله

-صلى اللَّه عليه وسلم-: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه [أو قال لجاره] ما يحب لنفسه” وهذا الحديث يؤكد مع أحاديث أخرى كثيرة أن الأخوَّة الإسلامية تقتضي من المسلم (أن ينصر أخاه من أعدائه فلا يسلمه إليهم ولا كلمة “لا يسلمه” لا تقتصر على أن يسلم المسلم أخاه إلى عدوه بالمعنى الظاهر من هذه الكلمة، وإنَّما يتضح أنَّ لهذه الكلمة شمولًا واسعًا، وذلك أن لا يسلمه إلى اليأس، ولا يسلمه إلى التهلكة، ولا يسلمه إلى الخزي والعار، ولا يسلمه إلى التردي في مهاوي الفساد، كما تفيد أيضًا أن لا يسلمه إلى عدوه. . . وهذه من بعض معاني التناصر بين المسلمين، وكذلك يجب على المسلم أن لا يظلم أخاه المسلم) .
ويتجاوز التناصر في أخوة الإسلام ما يعهده الناس في الجاهلية من حمية جاهلية تقتضي الوقوف إلى جانب الأخ سواء كان ظالمًا أو مظلومًا، إلى نصرته على نفسه وإنقاذه من ذاته، فقد جاء الإسلام والعرب تقول: (أنصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا) فأقر هذا القول وقال الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-:

“أنصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا” ، وعندما سأل رجل الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- بقوله: أنصره إذا كان مظلومًا، أفرأيت إذا كان ظالمًا كيف أنصره؟ قال: “تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره” .
وهناك صورتان أخريان في التناصر تميز بها الإسلام، واختصت بها أخوته على سائر المبادئ والنظم والأعراف الأخرى:
الأولى: التدخل بين طائفتين من المؤمنين اقتتلوا بالصلح بينهما، وهذه الصورة بما ذكر فيها من تفصيلات وأحكام تعطي دلالة واضحة على مبدأ الأخوة الإسلامية وأصالته حيث أوجب الإسلام -بمقتضى أخوة الإسلام- على ولاة أمر المسلمين أن يتدخلوا بالصلح بين فريقين من المسلمين اقتتلوا، ولا ينتهي الأمر عند ذلك، بل أوجب متابعة الحدث والوقوف بجانب الحق ومن كان عليه من الفريقين حتى يحسم الأمر ويظهر الحق.
وللعلماء في ذلك آراء كثيرة تدل -فيما تدل عليه- أن الأخوة الإسلامية عميقة الدلالة قوية التأثير. . ففي قوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10 – 11]، أوجب اللَّه على الأمة الإسلامية (أن تقف موقف الأخوة الناصحة كما أمرها اللَّه، وتعيد العلاقات والأخوة الإسلامية ولوازمها بين فريقين اقتتلا أو اختلفا

بأي سبب من الأسباب وإن أدى ذلك إلى الوقوف إلى جانب الفريق المظلوم ومساندته على الفريق الظالم) .
ثم إن في تحديد موقف الأمة الإسلامية من الطائفة الباغية، أو الفريق المعتدي، تفصيلات وآراء كثيرة ذكرها العلماء تؤدي في نهاية الأمر إلى استخلاص النتيجة الآتية وهي: إن مما يترتب على الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة (أن يكون الحب والسلام والتعاون والوحدة هي الأصل في [الأمة الإسلامية]، وأن يكون الخلاف أو القتال هو الاستثناء الذي يجب أن يرد إلى الأصل فور وقوعه، وأن يستباح في سبيل تقريره قتال المؤمنين الآخرين للبغاة من إخوانهم ليردوهم إلى الصف، وليزيلوا هذا الخروج على الأصل والقاعدة وهو إجراء صارم حازم) .
أما الصورة الثانية فهي: درء ما يحيط بالأمة من الشر بالأخذ على يد الجاهل أو من يتسرب عن طريقه الشر، وإن كان لا يقصد ذلك، ولا يعلم به، ومما ورد في ذلك قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: “مثل القائم على حدود اللَّه والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسلفها، فكان الذين في أسفلها إذا أستقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا هذا خرقًا، ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا” .

في هذه الصورة والتي قبلها ما يميز التناصر في المجتمع الإسلامي وعلى مستوى الأمة الإسلامية، وأنه تناصر ذو مفهوم شامل واع يقدر المصلحة العليا للأمة، وهو بهذا المفهوم الفريد (أمر توجبه الأخوة الإيمانية، كما توجبه المصالح المشتركة للجميع) .
ب- التراحم: وهو من آثار الرحمة -التي سبق الكلام فيها- عندما تفيض قلوب المؤمنين بالرحمة التي تشربها قلب كل مؤمن منهم وأصبح مجتمع الأمة الإسلامية مجتمعًا متراحمًا متعاطفًا متجاذبًا كالجسد الواحد، وفي ذلك يقول الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” ، والنصوص الواردة من الكتاب والسنَّة مستفيضة وكلها (توضح للمسلمين أن وضعهم الصحيح المرضي عنه من ربهم هو أن يتراحموا ويتعاطفوا ويتكاتفوا ويتساندوا حتى يكونوا كالبنيان المرصوص) ، كما قال -صلى اللَّه عليه وسلم-: “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا” ، وقال أيضًا: “المسلمون كرجل واحد إن اشتكى عينه اشتكى كله، وإن اشتكى رأسه اشتكى كله” .
وبهذا التراحم وما يوجبه من تكافل ومحبة وتهاون ومناصحة، بل

وإيثار بين المسلمين (في غير إثم ولا مكروه) تظهر الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة في صورتها الناصعة وتؤتي ثمارها الطيبة على خير وجه .
ج- التعاون: (وقد أمر اللَّه تعالى به المؤمنين على وجه عام مطلق في كل خير، فقال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]، وقد جعل اللَّه تعالى له وجوهًا عملية محددة، منها :
– الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، (وبهذا المبدأ يكون المجتمع متضامنًا في حمل المسؤولية الاجتماعية) وملزمًا بتحقيق المعروف في ربوعه، ورفع المنكر عن طريق الوجوب، لا عن طريق كفالة الحق له -كما هو شأن الدساتير الوضعية- وهو وجوب ديني ومسؤولية يترتب عليها الثواب والعقاب) .
– التعاون في مجال الحياة الاجتماعية والمقصود بذلك (تعاون الناس في شؤون حياتهم، وما يعرض لهم من حاجات، وقد توسع فيه الإسلام حتى مده إلى الشؤون العاطفية، والنفسية وغيرهما، كالمبادأة بالهدية، وعيادة المريض، وصنع الطعام لأهل الميت، ورعاية اليتيم والمسكين وابن السبيل، وإكرام الضيف وتفقد الغائب، وتعهد الضعيف، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، وإقراء السلام ورده، والتكافل الاقتصادي على سعته جزء من هذا الباب) .

ومجالات التعاون كثيرة، ويضيق المجال عن التفصيل، ولكن يكتفى بالقول إن الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة بما تقتضيه من تعاون على البر والتقوى بعامة تشكل (شبكة من الروابط الاجتماعية تتبع تسلسلًا رائعًا في التكليف فعبادة اللَّه أولًا، فالإحسان للوالدين، ثم الإحسان لذي القربى، ثم اليتامى، فالمساكين فالجار القريب، ثم الجار الغريب، فالقرين فابن السبيل، علاقات تكون شبكة متآلفة تتصل بصلات اجتماعية بارَّة كلها متصل بحبل اللَّه) ، وإذا عمل كل مسلم على أداء ما أوجبه عليه الإسلام وندبه إليه في ضوء هذه (الصلات. . . التي تؤلف دعائم المجتمع المسلم) مع ما سبق ذكره من حقوق الأخوة الإسلامية وآدابها فإن الأمة الإسلامية تتميز على غيرها (بأنها أمة الأخوة في الدين) ، والوحدة في المنطلق والغاية والاتجاه والمسلك، ويقوم تميزها على أخوة الإسلام ووحدة أمته مع المقومات الأخرى وفي مقدمتها العقيدة والشريعة، فتكون بذلك خير أمة أخرجت للناس (بل إن الأخوة في الدين من أكبر نعم اللَّه على عباده المؤمنين، فبها صار المسلمون أمة واحدة بعد أن كانوا فرقًا وأحزابًا، وبها صار المسلمون أحبابًا في اللَّه بعد أن كانت العداوة بينهم وبين أسلافهم مما يتناقل أحاديثه الركبان، لقد امتن اللَّه على عباده المؤمنين بهذه الأخوة وما تقتضيه من محبة وتعاون وما تفضي إليه من

وحدة الأمة الإسلامية، حيث يقول سبحانه: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 103]،. . . ونعمة اللَّه في هذه الآية هي الإسلام واتباع محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-، فبه زالت العداوة والفرقة وحلت محلها المحبة والألفة والأخوة في الدين) .
د- المناصحة: قال الراغب الأصفهاني: (النصح: تحري فعل أو قول فيه صلاح صاحبه، قال تعالى: {لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: 79]، وقال: {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} [الأعرف: 21]، وهو من قولهم: نصحت له الود، أي: أخلصته، وناصح العسل: خالصه. . . وقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} [التحريم: 8]، إما الإخلاص، وإما الإحكام) . وقال ابن الأثير في معنى قول الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: “الدين النصيحة. . . للَّه ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم” : (نصيحة اللَّه: صحة الاعتقاد في وحدانيته، وإخلاص النية في عبادته والنصيحة لكتاب اللَّه: هو التصديق به والعمل بما فيه، ونصيحة رسوله: التصديق بنبوته ورسالته، والانقياد لما أمر به ونهى عنه، ونصيحة الأئمة: أن يطيعهم في الحق ولا يرى الخروج عليهم إذا جاروا، ونصيحة المسلمين: إرشادهم إلى مصالحهم) .
يتبين من ذلك أن المناصحة من النصح، وأن النصح يعني الإخلاص

والخلوص والإحكام، كما أنها تعني في إطار الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة، أن يحب المسلم لإخوانه (ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكره لنفسه، ويشفق عليهم، ويرحم صغيرهم، ويوقر كبيرهم، ويحزن لحزنهم ويفرح لفرحهم وإن ضر ذلك في دنياه، كرخص أسعارهم وإن كان في ذلك فوت ربح ما يبيع من تجارته، وكذلك يكره جميع ما يضرهم عامة، ويحب ما يصلحهم وألفتهم ودوام النعم عليهم، ونصرهم على عدوهم ودفع كل أذى ومكروه عنهم) .
ومما تعنيه المناصحة الإخلاص والصدق في الرأي لمن طلب المشورة وهي من حق المسلم على أخيه، كما قال الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: “حق المسلم على المسلم ست. . . ” إلى أن قال: “وإذا استنصحك فانصح له” ، ويبلغ الأمر بالنصح -بداعي الأخوة- درجة الذب عن عرض الأخ المسلم والنصح له في غيابه، وفي ذلك ورد عن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: “إن من حق المسلم على المسلم أن ينصح له إذا غاب” ، قال ابن رجب في معناه: (ومعنى ذلك أنه إذا ذكر في غيبته بالسوء أن ينصره ويرد عنه، وإذا رأى من يريد أذاه في غيبته كفه عن ذلك) .
وتعني المناصحة من جانب آخر إرشاد المسلمين لما فيه مصالحهم، (وتعليمهم أمور دينهم ودنياهم وستر عوراتهم، وسد خلاتهم ونصرتهم على أعدائهم والذب عنهم ومجانبة الغش والحسد لهم وسلامة الصدور والنصح للأمة. . . وكان السلف إذا أرادوا نصيحة أحد وعظوه سرًا حتى قال

بعضهم: من وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنما وبخه، وقال الفضيل بن عياض رحمه اللَّه: المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعير -وقال عبد العزيز بن أبي داود: كان من كان قبلكم إذا رأى الرجل من أخيه شيئًا يأمره في رفق فيؤجر في أمره ونهيه) .

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*