موقف المستشرقين من الشريعة الإسلامية

موقف المستشرقين من الشريعة الإسلامية .. عرض نماذج من أقوال المستشرقين في دعوى تأثر الشريعة الإسلامية بمصادر مختلفة، كالقانون الروماني، والتلمود اليهودي

موقف المستشرقين من الشريعة الإسلامية

درج معظم المستشرقين على الزعم بعدم أصالة الشريعة الإسلامية ودرسوها في ضوء منهج يقوم على تفتيتها إلى أجزاء عديدة، وذهبوا بكل جزء إلى أصل آخر في الموروثات الرومانية واليهودية والنصرانية والمجوسية ، وكذلك تقاليد الجاهلية وأعرافها كما فعلوا في مجال العقيدة وأظهروا مزاعمهم تلك بمظهر البحث العلمي والدراسات الموضوعية والمنهجية المتداولة في المجامع العلمية والمؤتمرات والدوريات الاستشراقية ، فضلًا عن تأليف الكتب العديدة ، وتدريس تلك المزاعم في الجامعات والمعاهد الاستشراقية.

ولا شك أن تلك الدراسات والبحوث ونحوها تهدف في مجملها إلى القضاء على مقومات تميُّز الأمَّة الإسلاميَّة من خلال زعزعة الثِّقة في استقلالية شريعتها والتشكيك في أصالتها هذا من جانب، وتحاول من جانب آخر أن تبعدها (شيئًا فشيئًا عن قيمها وتراثها وفي مقدمة ذلك التشريعات التي تحكم حياتها) ، ومن ثمَّ تتهيَّأ الفرصة لدخول القوانين الوضعية في واقع الأمَّة وتحلّ محلّ الشريعة الإسلاميَّة حتى تصبح الأمة الإسلامية غريبة عن دينها، ويصبح انتماؤها إلى شريعة ربها اسمًا أو شكلًا فحسب .

وتنوعت كتابات المستشرقين لبلوغ هذه الغاية وبخاصة إشاعتهم دعوى اعتماد الشريعة الإسلامية على مصادر غير إسلامية، مع التركيز على تأثر الفقه الإسلامي بالقانون الروماني بصفة خاصة، ويكاد يجمع المستشرقون على ذلك، وقد ينفي بعضهم ذلك التأثر، ولكنه يرجح تأثير التلمود اليهودي على الفقه الإسلامي ، ثمَّ يختلفون أيضًا في مقدار التأثر؛

فبعضهم يزعم أن الشريعة الإسلامية ما هي إلا القانون الروماني أو هي (يهودية ذات نزعة عالمية) ، وبعضهم الآخر (يذهب إلى أن الفقهاء المسلمين تأثروا بهذا التلمود وذاك القانون في طرف مما كتبوا) .

ويعالج البحث هنا الدعوى من جانبين:

1 – عرض نماذج من أقوال المستشرقين في دعوى تأثر الشريعة الإسلامية بمصادر مختلفة، كالقانون الروماني، والتلمود اليهودي ، والتعاليم النصرانية، وأعراف العرب وتقاليدهم قبل الإسلام.

2 – نقد أقوالهم في دعوى تأثر الشريعة بتلك المصادر.

الجانب الأول: عرض نماذج من آراء المستشرقين في دعوى تأثر الشريعة الإسلامية بمصادر مختلفة، منها:

أولًا: القانون الروماني:

جنح معظم المستشرقين إلى القول بأن الشريعة الإسلامية أو الفقه الإسلامي تأثر بالقانون الروماني، ومن الأمثلة على ذلك ما يأتي:

1 – يقول المستشرق (شلدون آموس): (إن الشرع المحمدي ليس إلا القانون الروماني للإمبراطورية الشرقية معدلًا وفق الأحوال السياسية في الممتلكات العربية) ، ويقول أيضًا: (إنَّ القانون المحمدي ليس سوى قانون جوستينان في لباس عربي) .

2 – ذكر المستشرق الإيطالي (كارلو ألفونسو نالينو): بأن أول من زعم من المستشرقين إن القانون الإسلامي في جوهره مأخوذ من القانون الرومي هو (دومينيكو غاتيسكي)، في كتابه (كتاب يدوي للحقوق العثمانية) إذ قال: (إن القواعد الرومية دخلت في الإسلام بسهولة) .

3 – وذكر -أيضًا- بأنه (منذ ذلك الحين وجد هذا الاشتقاق تأييد عدد كبير من الناس في الغرب، مع ألوان لا نهاية لها، فمنهم من ادعى هذه الفكرة بكل صراحة، ومنهم من قال بها على أنها شيءٌ فيه نصيب من الاحتمال وكانوا جميعًا إمَّا من القانونين غير المستشرقين [الذين] أفصحوا رأسًا أن الفقه الإسلامي في الأساس ليس إلا القانون الرومي بتبديل لا يذكر -كما قال هنري هيوغ-، وإما من الذين درسوا العلوم الإسلامية ولم يدرسوا العلوم القانونية جيدًا) ، بل بلغ الأمر ببعض المستشرقين إلى القول: (إنَّ العرب لم يضيفوا إلى القانون الرومي إلا بعض الأخطاء) .

4 – كتب (جولدزيهر) تحت مادة (الفقه) في دائرة المعارف الإسلامية: (بأنَّ مصادر التشريع الإسلامي لم تنضب بسبب وجود القانون الرومي) .

5 – أقام المستشرق (كاروزي) نظرية في الفقه الإسلامي تقول: (الفقه الإسلامي ليس إلا القانون الرومي بدون تغيير) .

وعندما قال هؤلاء المستشرقون هذه الأقوال فإنهم يتبعونها باستدلالات لتؤكد ما ذهبوا إليه، ومن أبرزها الآتي:

1 – إنَّ النبي محمدًا -صلى اللَّه عليه وسلم- كان على معرفة واسعة بالقانون الروماني، وممن قال بذلك، المستشرق (كاروزي)، يقول أحد الباحثين: (وقد بلغ الإسفاف في القول بالمستشرق الإيطالي (كاروزي) إلى أن يقرر أن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- كان على علم واسع بهذا القانون) .

2 – إن الفقهاء المسلمين (قد تعرفوا على آراء فقهاء القانون الروماني وأحكام المحاكم الرومانية في البلاد التي كانت لا تزال فيها هذه المدارس والمحاكم قائمة بعد الفتح الإسلامي) ، وممن قال بهذا الاستدلال (جولدزيهر) و (سانتيلا) و (شيلدون آموس) .

3 – وخصص المستشرق (فون كريمر) استدلاله على اثنين من فقهاء المسلمين في قوله: (إن اثنين من الفقهاء المسلمين الأوائل؛ الأوزاعي والشافعي، وقد ولدا في سورية وكانا على علم بكثير من قواعد القانون الروماني البيزنطي التي استمرت في صور عادات قانونية) .

4 – واستدل بعض المستشرقين على تأثير القانون الروماني في الفقه الإسلامي بسرعة تدوين الفقه الإسلامي، وأن ذلك لا يمكن تأويله إلا بوجود نماذج جاهزة اعتمد عليها المسلمون في تدوين تشريعهم .

5 – واستدلوا بالتشابه بين النظم القانونية في القانون الروماني والأحكام والقواعد في الشريعة الإسلامية، وبما أن القانون هو السابق، فإن الشريعة الإسلامية هي المتأثرة به .

ثانيًا: التلمود اليهودي:

وإذا كان عامة المستشرقين يتحدث عن عقيدة الإسلام باعتبارها مقتبسة من التوراة؛ فإن مسارهم العام نحو الشريعة الإسلامية هو نسبتها إلى التلمود اليهودي، وسبق ذكر مقولة بعضهم (بأن الإسلام يهودية ذات نزعة عالمية) وفيما يأتي بعض الأمثلة على هذه الدعوى:

أ- جاء في كتاب: قاموس الإسلام، تحت مادة (تلمود): (بأن الفقه ليس شيئًا آخر غير التلمود) .

ب- وفي دراسة المستشرق الفرنسي (بوسكة) التي دلَّل فيها على انقطاع الصلة بين الشريعة الإسلامية وفقهها وبين القانون الروماني؛ جاء قوله: (وآخر ما أقول هو أن اليهودية لها تأثير عظيم جدًا على تكوين الإسلام في عصر محمد. . . إن نقاط التشابه بين اليهودية والإسلام بعدما تطورا أكثر لفتًا للانتباه) .

أما كيف حدث هذا التأثر فإنهم يوردون عدَّة استدلالات كتلك التي استدلوا بها على تأثير القانون الروماني في الشريعة الإسلامية كقولهم: إن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- على علم باليهودية، وقولهم بأن الفقهاء المسلمين وقفوا على التراث التشريعي اليهودي في طور نشأة الفقه الإسلامي ، وللمثال على ذلك:

1 – يقول (فون كريمر): (إن الموالي لما وصلوا إلى مناصب القضاء والإفتاء استطاعوا أن يدخلوا في الفقه في عناصر ثقافتهم السابقة [غير الإسلامية] وخاصة اليهود الذين اعتنقوا الإسلام أمكن لهم أن يستفيدوا من التلمود) .

ويقول (لامنس): (إننا نعتقد بدخول قسم يعتد به من هؤلاء الأشقياء -يقصد الذين دخلوا الإسلام، من اليهود- في صفوف الإسلام، ولقد كان لهؤلاء المرتدين ولذريتهم النصيب الرئيسي في إعداد التشريع الإسلامي وتكوينه، حيث لا يمكن إنكار التأثير التلمودي فيه) .

2 – ذكر (كارل بروكلمان) أن بعض المستشرقين يزعمون (بأن الإمام محمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة وصاحب أبي يوسف، المتوفى 189 هـ، قد تأثر في تبويبه للقفه الإسلامي بكتاب (المشنا) اليهودي) .

3 – ومن قول (بوسكة) السابق يبرز الاستدلال بالتشابه بين اليهودية والإسلام في تأثر الشريعة الإسلامية بالتلمود اليهودي؛ وبخاصة من قوله: (يبدو لي واضحًا تمامًا أن نقاط التشابه بين اليهودية والإسلام. . . أكثر. . . من نقاط التشابه التي توجد في الإسلام والمسيحية) .

ثالثًا: التعاليم النصرانية:

يأتي تأثير التعاليم النصرانية على الشريعة الإسلامية في أقوال المستشرقين ضمنًا عندما يبحثون في كيفية تأثير القانون الروماني على الشريعة الإسلامية وفقهها، عن طريق الفرق النصرانية كونها وسيلة غير مباشرة في تسرب القانون الروماني إلى الشريعة الإسلامية، ولعل في استدلالاتهم على تأثر الشريعة الإسلامية بالقانون الروماني ما يتناول هذه الجزئية، ولكن بعض المستشرقين أشار إلى قانون آخر كانت تلك الفرق النصرانية تحتكم إليه وليس إلى القانون الروماني، وذكروا بأن ذلك القانون أثر في الفقه الإسلامي إضافة لتأثير التعاليم النصرانية في الإسلام بصفة عامَّة.

يقول (بوسكة): (إن القوانين الكنسية بالشكل الذي وجدت عليه في المناطق التي فتحها الإسلام (في أوائل الخلافة)، استطاعت أن تمارس تأثيرها على تدوين الفقه وتكميله، ولكن هذه المسألة لم تدرس بعد من قبل الباحثين المختصين) .

ويقول -أيضًا-: (إن فكرة القوانين الدينية هي شيءٌ يقربنا من روح الفقه، وهذا أمر يجب التنبيه الخاص عليه، حتى لو بقيت التأثيرات المتبادلة ضعيفة جدًّا، وهكذا يمكن التفكير بإظهار عدد ما من حوادث التشابه في البنية نفسها بين حقوق الكنيسة النصرانية وشريعة الإسلام) .

ويشبه (جولدزيهر) إجماع الأمة في الفقه الإسلامي بالكنيسة النصرانية .

أما عن وجود القانون الكنسي واحتكام الفرق النصرانية إليه فيذكر المستشرقون القائلون بذلك عدَّة مسوغات من أبرزها:

أ- كراهة النصارى للسيطرة الرومية منعت التأثير بالقانون الروماني والاستعارة منه ، ومما يدل على ذلك وفقًا لرأي (فتزجيرالد) وجود كتاب يسمى (القانون السوري الرومي) ، وأنَّ وجوده في الشام يعدُّ (شهادة واضحة ضد القول ببقاء مجموعة قوانين (جوسيتينان) .

ب- راج هذا القانون الذي ترجم إلى السريانية والعربية في الكنائس الشامية، ولعله كان السبب في مقولة (نالينو) : (إن السريانيين من القرن

التاسع للميلاد لم يسمعوا قط عن (جوستينيان) كواضع قانون) .

وأما عن تأثر هذا القانون الكنسي -الذي تحتكم إليه الفرق النصرانية في الدولة البيزنطية- في التشريع الإسلامي فإن من المستشرقين من يزعم بأن مؤلفات الفرق النصرانية -على تعددها- قد أثرت في الفقه الإسلامي من جهة وأثر فيه كذلك الذين دخلوا الإسلام من النصارى وأهل الذمة من جهة أخرى .

رابعًا: أعراف العرب وتقاليدهم قبل الإسلام:

لا تدع طائفة من المستشرقين في مناقشتها للشريعة الإسلامية مسألة من مسائلها إلا وقذفت بشكوكها في تلك المناقشة بغية نفي تميُّز الأمة الإسلامية الذي تشكل الشريعة الإسلامية أحد مقوماته، وإذا كانت دراسات المستشرقين قد اتسمت بالتعميم وإطلاق الأحكام على عواهنها؛ فإن بعض دراستهم الحديثة التي يقوم بها مستشرقون معاصرون تنحو منحًى متخصص، وبخاصة في مجال الشريعة الإسلامية لتؤكد بالأدلة التفصيلية تأثرها بالسابق واللاحق من النظم والتشريعات والأعراف والتقاليد الأخرى .

ومن هذه الدراسات؛ الدراسة التي قام بها (ن. ج. كولسون): في تاريخ التشريع الإسلامي، فقد سلك منهجًا يتسم بالتركيز الشديد على نشأة

التشريع الإسلامي ومدارس الفقه وتطوراته حتى وصل إلى التشريع الإسلامي في العصر الحديث؛ وإذا كان في بداية مناقشته لنشأة التشريع الإسلامي ذهب إلى القول بأن الإسلام عمد إلى العرف السائد في مجتمع العرب قبل الإسلام، وعدَّل فيه وغيَّر دون أن يلغيه، بل أبقى على قواعده ، فإنه يختم دراسته مؤكدًا على (استمرار خضوع المجتمعات الإسلامية لتلك السياسات القائمة على احتذاء مفاهيم الحياة الغربية) .

ممَّا يؤكد تلاقي آراء المستشرقين على اختلاف أزمانهم وبلدنهم حول غاية واحدة وإن تنوعت الأساليب والصياغات هذه الغاية هي الإصرار على نفي أصالة الشريعة الإسلامية، وإثبات مصادر أخرى وضعية اعتمدت عليها الشريعة في فقهها وتشريعها، وبالتالي فإن الأمة الإسلامية لا تتميَّز عن غيرها سواء في بدء نشأتها أو في حاضرها بل هي -كما يشتهي المستشرقون- عالة على اليهودية والنصرانية في تاريخها الماضي وعالة على الحضارة الغربية وقوانينها ونظمها في الحاضر .

ولا يقتصر أولئك المستشرقون على القول باعتماد الشريعة الإسلامية على العرف السائد في العرب قبل الإسلام باعتباره ذاتيًا للعرب من صميم حياتهم الخاصة وفكرهم العربي، بل باعتباره متأثرًا هو الآخر بالقانون

الروماني الذي تسرب إلى عادات العرب وأعرافهم عن طريق رحلاتهم التجارية إلى الشام، أو عن طريق القانون الساساني .

الجانب الثاني: نقد أقوال المستشرقين حول الشريعة:

تصدَّى عدد من الباحثين لنقد تلك الأقوال والاستدلالات (السابق ذكرها) وخرجوا بنقضها جملة وتفصيلًا، ودللوا بأنها (لا تعد أدلة صحيحة، وأنها مجرد فرضيات لا تثبت أمام البحث التاريخي والنقد الموضوعي) ، وفي (المؤتمر القانوني المقارن الدولي الذي انعقد بمدينة (لاهاي) في دورته الثانية في جمادى الآخرة سنة 1326 هـ/ 1937 م، وشارك فيه نفر من علماء الأزهر الشريف إجابة لدعوة المؤتمر ببحوث متنوعة حول الشريعة الإسلامية، ومنها ما يتعلق بالرد على دعوى تأثر الشريعة الإسلامية بالقانون الروماني، اتخذت قرارات عديدة من أبرزها:

أ- اعتبار الشريعة الإسلامية مصدرًا من مصادر التشريع.

ب- اعتبار الشريعة الإسلامية قائمة بذاتها وليست مأخوذة من غيرها) .

وتتابعت الندوات والبحوث تؤكد تميُّز الشريعة الإسلامية واستقلالها عن غيرها من الشرائع والنظم والقوانين ، وتوافر عدد من المستشرقين على نقد بعضهم بعضهم الآخر حتى ليكاد الباحث في دراستهم وبحوثهم وأقوالهم أن يخرج بنتيجة باهرة البيان، وهي كون الشريعة الإسلامية مفخرة البشرية إذا هي انضوت تحت لوائها وطبقت أحكامها وأفادت من حلولها

الناجعة لمشكلات الإنسانية جميعًا حتى في العصر الراهن، وعن هذا المعنى قال أحدهم: (إنَّ البشرية تفخر بهذا التشريع، وإننا سنكون نحن الأوروبيين أسعد ما نكون لو وصلنا إلى قمته بعد ألف عام) .

وفي ضوء ما سبق يمكن نقد أقوال المستشرقين واستدلالاتهم في النقاط الآتية:

الأولى: دعوى التأثر بالقانون الروماني.

الثانية: دعوى التأثر بالتلمود اليهودي.

الثالثة: دعوى التأثر بالتعاليم النصرانية.

الرابعة: دعوى التأثر بأعراف العرب وتقاليدهم قبل الإسلام.

نقد الدعوى الأولى: دعوى التأثر بالقانون الروماني:

أكدت دراسات بعض المستشرقين بأن الشريعة الإسلامية وفقهها منقطعة الصلة بالقانون الروماني، وفي ذلك يقول (بوسكة): (إنَّ الفقهاء المسلمين أعطوا لبنائهم إطارًا خاصًا ووجهًا مميزًا. وهم بهذا الاعتبار لا يدينون بشيء للقانون الروماني، وإنَّ طبيعة الفقه الخاصة لا تدين له بشيء) .

ويقول (فتزجيرالد): (من المستبعد أن يكون للقانون الروماني الغربي أدنى تأثير على تأسيس الشريعة الإسلامية) .

ويتفق كثير من الباحثين على هذه النتيجة التي توصَّل إليها نفر من المستشرقين، وأمَّا الاستدلالات التي بنى عليها أولئك الزاعمون رأيهم،

فإنها مزاعم باطلة لا سند لها من علم ولا حقيقة لها في التاريخ وهي مردودة من أوجه عدة، وبيان ذلك في الآتي:

1 – زعمهم أنَّ الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- على علمٍ واسعٍ بالقانون الرُّوماني يبطله العلمُ اليقيني والواقع التاريخي على حدٍّ سواء فإنّهُ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب؛ قال تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت: 48]. وأمية الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- مع ما جاء به من العلم والهدى من دلائل نبوته ومعجزاتها، وأثبت التاريخ بما لا يحتمل التأويل أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نشأ في بيئة عربية خالصة مقطوعة الصلة بالقانون الروماني وغيره مما كانت عليه الأمم السابقة من التنظيم والتقنين الوضعيين، وفي هذا يقول -صلى اللَّه عليه وسلم-: “إنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَكْتُبُ ولا نحسب” .

ويكفي هذا الزعم إِبطالًا وتهافتًا أَنَّه ورد على لسان المستشرق (شيلدون آموس) وقد وصف بالجهل والصفاقة من صفوف المستشرقين أنفسهم إذ يقول عنه المستشرق (فتزجيرالد): (ومن مصيره الأسيف المضحك أن الموضوع الذي كان حجة فيه قد غمره موج البحث العلمي منذ أمد طويل. . . وأصبح لا يذكر الآن إلا بمحاولته غير الموفقة حول موضوع كان فيه حين تناوله أقرب ما يكون إلى الجهل التام) ، ويواصل قوله متهمًا ذلك المستشرق بالهوى والتملق على حساب البحث العلمي

النزيه، إذ قال: (فقد أضلته الرغبة في أن يجد مثيلًا للقاعدة الرومية اللاتينية التي تقول: إنَّ ما يعجب الحاكم له قوة القانون فتورط في القول) .

والشاهد من هذا: إِنَّ الزَّعم بأن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- كان على علم واسع بالقانون الروماني زعم متهافت باطل وكذلك الاستدلالات التي يوردها أصحاب ذلك الزعم (لا يصح مطلقًا أن يكون دليلًا) .

2 – إن ما زعموه من أن الفقهاء المسلمين قد تعرفوا على القانون الروماني من المدارس الرومانية ومحاكمها زعم باطل من وجوه عدة أبرزها الآتي:

أ- (من المسلم به لدى المؤرخين القدماء والمحدثين أن هناك أحداثًا تاريخية جاءت على تلك المدارس الرومانية؛ أولها قرار الإلغاء لتلك المدارس عدا ثلاث مدارس منه فقط في بيروت والقسطنطينية وروما؛ فقد صدر بذلك قرار (جوستينان) في 16 ديسمبر 533 م) ، ثم في سنة (551 م) ضرب زلزال مدمر مدينة بيروت أتى على كل ما فيها بما في ذلك تلك المدرسة الرومانية للقانون، وحين دخل المسلمون بيروت لم تكن إلا أطلالًا، لا يمكن لعقل أن يتصور تأثير تلك المدرسة في الفقه الإسلامي بعد دمارها وما فيها من أساتذة وطلاب وآثار علمية بنحو مئة عام .

ب- كذلك ما يقال عن تأثير الإسكندرية فقد ألغيت مدرستها القانونية بموجب قرار (جوستينيان) السابق ذكره، ومما ورد في التاريخ بأن (جوستينيان) لم يكتف بقرار الإلغاء فحسب، وإنَّما (أحرق ما كان بها من برديات قانونية بلغت عشرات الآلاف في بعض الروايات. والمعروف أن المسلمين دخلوا الإسكندرية سنة (641 م) بعد أن أغلقت مدرستها ودمر تراثها العلمي بأكثر من مئة عام) .

ج- أما تأثُّر الفقهاء المسلمين بمدرستي القسطنطينية وروما فهو مردود من ناحيتين:

الأولى: دخل المسلمون (القسطنطينية) عام (1453 م) بعد أن كان للفقه الإسلامي مدارس العامرة ومذاهبه المحددة، وهو في هذه وتلك متميز تمامًا عن المدارس الرومانية والقوانين الوضعية .

الثانية: لم يدخل المسلمين (روما) فاتحين إلى العصر الحديث.

3 – أمَّا دعوى تأثر الفقهاء المسلمين بالمحاكم الرومانية الذي قال به بعض المستشرقين زاعمًا أنه حدث نتيجة الفتح الإسلامي للبلاد التي كانت فيها محاكم تطبق القانون الروماني، فإن دعوى هذا التأثر باطلة لعدة أسباب من أبرزها:

أ- إنَّ الفتح الإسلامي لم يصل إلى البلدان التي تخضع للمحاكم الرومانية، إلا بعد زوال تلك المحاكم من جهة، وتشكل الفقه الإسلامي وتكامله في منأى عن تلك المحاكم من جهة ثانية .

ب- قضى الفتح الإسلامي على أيِّ سلطة أجنبية للقضاء في الدولة الإسلامية ؛ لأنَّ الفتح الإسلامي ينطلق من عقيدة الحكم بما أنزل اللَّه، وهذا يعني رفض أي سلطة لغير شرع اللَّه، قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 40]، وأيّ سلطة لغير اللَّه فهي في منظور الإسلام جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء، ومن شأن الفتح الإسلامي أن يقضي على الجاهلية والضلال، ويحول بين من ركن لحكم الجاهلية أو ارتضاه وبين رغبته في بعث الجاهلية، قال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50].

وقد أدرك بعض المستشرقين هذه النقطة الجوهرية وعبَّر عنها بقوله: (ويبدو من المحال سماح العرب الفاتحين ببقاء المحاكم التي تأخذ سلطتها من دولة أجنبية غير خاضعة للإسلام، وتبذل ولاءها لها، وهذا بقطع النظر عن الفرق الأساس بين قانون مبني على مشيئة اللَّه وبين قانون مصدره الأساس رضا الإمبراطور) .

4 – أمَّا قول بعض المستشرقين بأن الأوزاعي والشافعي قد كانا على

علم بالقانون الروماني، وعن طريقهما تأثر الفقه الإسلامي بالقانون الروماني، فإن هذا القول مردود من وجوه عدة، من أبرزها:

أ- إن تراث القانون الروماني قد اندثر من قبل عصر الإمام الأوزاعي والإمام الشافعي بنحو قرنين من الزمان، ولم يكن أحد في تلك البيئة الشامية يعرف شيئًا عن القانون الروماني .

ب- إن الإسلام قد صبغ مجتمع الشام بصبغته الإسلامية المختلفة عن الصبغة التي كان عليها في عصر البيزنطيين .

ج- انقطاع صلة الإمام الأوزاعي والإمام الشافعي بالقانون الروماني؛ لأنهما من مدرسة أهل الحديث التي تعول على النص (الكتاب والسنة) وفهم سلف الأمة أكثر من الميل للقول بالرأي الذي ربَّما لو كانا من أهله لتطرق الشك إلى فقههما باعتبار أن الفكر التشريعي القانوني مستمد من العقل في المقام الأول، وعلى هذا فإنَّ دعوى التأثر هذه ساقطة حجة وتاريخًا (والعالم كله قبل الإسلام لم يعرف فكرًا أصوليًّا للقوانين والتشريعات) ، وإنَّما السبق في هذا للمسلمين إذ أصلوا المناهج ووضعوا قواعد البحث العلمي وعن طريقهم نقل الغرب ذلك الفكر، وأفادوا منه، ثمَّ تجاهلوا ذلك، وانثنوا ينسبون هذا السبق وتلك الريادة إلى القانون الروماني .

5 – أمَّا استدلال بعض المستشرقين بسرعة تدوين الفقه الإسلامي على كونه اقتبس من نماذج جاهزة تمثلت في القانون الروماني فقد ردَّ على ذلك المستشرق (نالينو) بقوله: (إنهم -أي المسلمين- جعلوا الفقه جزءًا من علم الدين لا ينفك عنه، ولم يجعلوه علمًا ماديًّا من أمور الدنيا، فازدهار الفقه السريع ليس إلا أحد مظاهر الازدهار العام للعلوم الدينية عند المسلمين وكان ابتداؤها من تفسير القرآن ومن جمع الحديث وتشريحه) .

وعلى الرغم من كون تلك السرعة في تدوين الفقه الإسلامي ليست على إطلاقها، بل تدرجت في سلم الحضارة الإسلامية فإنها تعدُّ في نظر المنصفين ممَّا تميزت به الأمَّة الإسلامية، وقد أثبت الباحثون: (أن الفقه الإسلامي لا يلتقي مع القانون الروماني في منهج التدوين لا من حيث التقسيم، وترتيب المسائل، وتشقيق الفروع، ولا من حيث الصياغة واستخدام الألفاظ والعبارات) ، كما أثبتوا كذلك بأنَّ (كتب ذلك الفقه لا يحتوي على كلمة واحدة أو إشارة عابرة توحي بالتأثر والنقل) ، مما يبرهن على فساد آراء أولئك المستشرقين ومجافاتهم قواعد البحث العلمي وضوابطه المنهجية، حتى لقد بلغ الإسفاف ببعضهم إلى القول: (إن هناك تواطؤًا مقدسًا على السكوت الجنائي عند المؤلفين المسلمين بصدد المصادر التي أخذوا منها مادتهم) .

ويدل هذا القول ونحوه عن أزمة الاستشراق، وإن توارى وراء ادعاء أنه يعالج قضية تاريخية وقد استدل (فتزجيرالد) بسكوت التاريخ الإسلامي عن مسألة التأثر بالقانون الروماني في الفقه الإسلامي وتدوينه على انتفاء ذلك التأثير، وذكر بأن الذين زعموا ذلك التأثر (لا يقدرون على إثبات وجود الاستعارة من القانون الرومي في الفقه الإسلامي بمجرد قولهم: إن الفقه لم يعترف بوجودها) .

6 – أمَّا قولهم بالتشابه بين الشريعة الإسلامية والقانون الروماني فهو مسألة تحتاج إلى تفصيل ومناقشة، وقد أجرى هذه المنافسة نفر من الباحثين وفصلوا القول فيها وخرجها بنتائج محددة. . وفيما يأتي استعراض لأبرز ما قاله ثلاثة من أولئك الباحثين وما خَلصوا إليه من نتائج:

الأول: تناول المستشرق (نالينو) في دراسته لعلاقات الفقه الإسلامي بالقانون الرومي جانب القول بالتشابه بينهما، وذكر بأن تلك المزاعم جاءت ثمرة للتخمين والاحتمال أكثر من كونها نتيجة لبحث علمي عميق، وأنهم حشدوا المتشابهات التي تدهش، ولكنها لا تملك قوة الإثبات ، ثمَّ انتقد هذا الاتجاه بقوله: (إنَّ من الضلالة؛ المماثلة الظاهرية الخارجية التي لا تؤيدها العناصر الداخلية ولا الوثائق التاريخية) وبَيَّن (أن الذين جمعوا المتشابهات لكي يثبتوا أن قسمًا عظيمًا من الفقه الإسلامي مأخوذ من القانون الروماني، قد أهملوا ثلاث نقاط مهمة في المسألة:

أ- أنهم أهملوا. . الاختلافات التي توجد بين مذهب ومذهب، وهي أحيانًا ذات أهمية حتى فيما بين مذاهب أهل السنة الأربعة، فإذا كانت هناك مماثلة في بعض المسائل بين رأي مذهب فقهي وبين القانون الرومي، فقد لا يكون تشابه بين رأي المذاهب الأخرى والقانون الرومي في تلك المسائل.
وبسبب هذا الإهمال ذكر بعض الذين لا يعرفوا العربية خصائص مذهب واحد من المذاهب كأنها عناصر نموذجية في عموم الفقه الإسلامي.

ب- إنهم يحاولون جاهدين اصطياد المماثلات، ويهملون من جانب آخر أي إشارة إلى الاختلافات التي تعد محكًا لقيمة المماثلات وقدرها.

ج- إنَّهم أهملوا الفرق العظيم الذي يوجد بين الغرب وبين العالم الإسلامي في تصور القانون وفي مصادره) .

وبعد مناقشته لهذه الفروق والاختلافات وإيراده أمثلة عديدة لتوضيحها قال: (إنه لو كان فقهاء العرب وضعوا أمامهم كتابًا من الكتب المتداولة من القانون الروماني ليحاكوه، لما فكروا أنْ يبعثروا مسائل المعادن أو العبيد، أو ملكية الأراضي في أبواب شتى لا يمر ببال أحد من أهل القانون من الأوروبيين أن يجدوا فيها أبدًا، ولما وضعوا مسائل الربا في باب البيوع) .

ثمَّ يصل إلى النتيجة الآتية: (إنَّ العرب أنشؤوا فقههم إنشاءً مستقلًا في

القسم الأعظم منه، وفي رأيي أن هذا الإنشاء المستقل كان نتيجة الأحوال التاريخية الخاصة التي تطورت فيها المؤسسات القانونية والاجتماعية الإسلاميَّة أكثر ممَّا كان بسبب النظريات القانونية المجردة) .

الثاني: تناول محمد معروف الدواليبي دعوى التشابه بين الشريعة الإسلامية والقانون الروماني ضمن دراسته عن الحقوق الرومية وأثرها في التشريع الإسلامي عند المستشرقين ، وذكر بأن خلاصة ذلك التشابه المزعوم تنقسم إلى ثلاثة أمور:

الأمر الأول: تشابه في الأفكار الحقوقية.

الأمر الثاني: تشابه في لغة التعبير في كثير من النصوص.

الأمر الثالث: تشابه في كثير من الكلمات الاصطلاحية الحقوقية) .

وفي سياق مناقشته لهذه الأمور الثلاثة قال: (وإذا كان التشابه المدعى به فيما بين التشريعين هو تشابه في الأفكار أحيانًا، وفي لغة التعبير تارة، وفي بعض الاصطلاحات الحقوقية مرة أخرى، فإننا نجد أن أقوى أنواع التشابه تأييدًا للفرضية إنما هو النوع الثالث، وذلك لأن ما بين البشر من وحدة أساسية في التفكير تبعًا للحاجة ولظروف الحياة المتشابهة لدى الأمم هو عامل كبير للوحدة فيما بينهم في كثير من أفكارهم، وللتقارب في التعبير عن كثير منها من غير حاجة إلى نقل أحدهم عن الآخر) .

ثم ركز مناقشته على الكلمات الاصطلاحية في الحقوق الرومية،

وقسمها إلى أصيل ولاحق وإلى اصطلاحات متروكة وأخرى محتفظ بها، وصنفها بحسب متعلقاتها إلى (أحكام الأشخاص، أحكام الأشياء، أحكام الدعاوى) .

ثم يقرر بأن دعوى التشابه التي ضخمها المستشرقون تنحصر (في الكلمات الاصطلاحية الجديدة دون الأصيلة) ، وأنه إذا أمعن النظر في المتشابهات -بغض النظر عن معنى التشابه- لم يوجد (في جميع ما يدعي فيه المستشرقون من تشابه في الكلمات الاصطلاحية كلمة واحدة من الكلمات الاصطلاحية التابعة لعهد الحقوق الرومية القديمة الأصيلة حتى ولو كانت هذه الكلمة الاصطلاحية القديمة لا تزال متداولة ومستعملة في الحقوق الرومية الجديدة اللاحقة) .

وهذا يعني أن الحقوق الرومانية تأثرت هي بالطابع الشرقي ولم يكن لها تأثير في التقاليد والأعراف الشرقية فضلًا عن تأثيرها في الحقوق الإسلامية ، وخلص في هذه المسألة إلى حصر التشابه المزعوم في المعنى اللغوي فقط، وأنه إذا نُظِرَ (نظرة خاصة في كل ما يدعى به من تشابه ما بين الكلمات الاصطلاحية في التشريعين. . وعن معنى التشابه المدعى به) ، فإن التقارب يأتي (من جهة المعنى اللغوي الحقيقي، لا من جهة المعنى الاصطلاحي الخاص) .

وقد ضرب لذلك مثالًا بكلمتين (لتكونا أنموذجًا لغيرهما من الكلمات) التي ضخمها المستشرقون، وبنوا عليها دعوى تأثر الشريعة بالقانون الروماني، (وهاتان الكلمتان. . هما كلمة الإجماع عند الفقهاء في التشريع الإسلامي وكلمة كونسانسوس consensus اللاتينية المفيدة معنى الإجماع أيضًا عند الفقهاء في التشريع الرومي) ، ثم أجري المقارنة بينهما من حيث الأسس والغايات وطرق الحصول عليهما، وخلص إلى القول: (من المقارنة بين كلمتين اصطلاحيتين هما الإجماع في التشريع الإسلامي والإجماع في التشريع الرومي يتضح أنه لا تشابه بينهما كما ادعى المستشرقون لا في الأساس، ولا في الغاية ولا في طريق الحصول عليهما. . إنما هناك تقارب في المعنى اللغوي) .

ويقرر بأن هذا التقارب في المعنى اللغوي لا يسمح بدعوى التشابه في المعنى الاصطلاحي، وأن دعوى التشابه فرضية لا تقوم على أساس سليم بل تخالف الوقائع العلمية .

الثالث: تناول المستشرق (فتزجيرالد) مسألة التشابه المزعوم ضمن دراسة علمية نشرها في إحدى المجالات العلمية، وأدرجت في كتاب هل

للقانون الرومي تأثير على الفقه الإسلامي ، وتقوم هذه الدراسة على المنهج التاريخي المقارن الموضوعي ، وقد تعقب فيها آراء كل من (آموس) و (جولدزيهر) (وسوساس باشا) ونقض تلك الآراء في ضوء المنهج العلمي الذي يظهر بمظهر النزاهة -واللَّه أعلم- (وردَّ على كل واحدٍ منهم بالتفصيل ردودًا قاطعة، كما أبان سطحية الأول منهم بصفة خاصة في تفكيره واستدلاله بما لا يصح مطلقًا أن يكون دليلًا.

كما وصم (سواس باشا) بكونه ذا عقلية غير علميَّة ولا دقيقة، وأنه كان مدفوعًا في كتاباته بغرض سياسي وهو إظهار التشريع الإسلامي بأنه دائمًا قابل للمؤثرات الغربية. .) .

أما (جولدزيهر) فذكر أنه مع علو شأنه في الأوساط الاستشراقية فقد جاءت آراؤه في الشريعة الإسلامية مماثلة لتلك الآراء الخاطئة، وأنها وجدت رواجًا كبيرًا، ويؤكد أيضًا بأن آراءه هذه على النقيض مع اتجاهه العام في دراسته خارج هذا البحث، كما يؤكد -أيضًا- بأنه قد عدل عن تلك الآراء) ، ولكن فيما يبدو لي أن (جولدزيهر) يعد زعيم ذلك المنهج

الذي يهدف للنيل من تميُّز الأمة الإسلامية في عقيدتها وفي شريعتها وفي تاريخها وإن حاول صيغة أبحاثه في قوالب تظهر بمظهر العلمية والمنهجية.
وبعد أن يناقش (فتزجيرالد) هؤلاء المستشرقين الثلاثة وغيرهم، ويفند مزاعمهم؛ يصل إلى القول بأنه لا توجد (حتى كلمة واحدة مستعارة من اللاتينية أو اليونانية في العدد الضخم من المصطلحات الفقهية) ، وقبل ذلك أثبت بأن (القانون التلمودي مليء بالمصطلحات اليونانية واللاتينية. . في قالب عبراني) ، وكذلك دخلت القانون الروماني كلمات (تنادي جهارًا على الفور أنها يونانية الأصل) .

وينهي بحثه بالنتيجة الآتية:

(الشريعة كما ذكرنا من قبل تختلف اختلافًا أساسيًا عن القانون الرومي، سواء في طبيعتها أو في غرضها، فالقانون الرومي، حتى في خالص ناحيته المجردة والعلمية، ليس إلَّا قانون العلماء القانونيين أو كما يقال في المثل اللاتيني: كل قانون وضع فإنَّه وضع بسبب الإنسان. . أمَّا القانون الإسلامي فهو أولًا وقبل كل شيء نظام أهل دين يطبقون الأحكام الموجودة على الوقائع، وغرضهم وصل كل نفس إنسانية باللَّه تعالى. وهذا القانون يتضمن كثيرًا من أحكام الصوم والصلاة والحج وأمثالها وحتى حينما يعالج أمورًا مدنية مثل البيع والرهن. . تغلب فيها ناحيتها الدينية) ، والجدير بالذكر أن (فتزجيرالد) وضَّح أن مراده بالقانون الإسلامي الشريعة الإسلاميَّة .

وعلى الرغم من أهمية هذه الدراسة (لفتزجيرالد) وما وصل إليه من نتائج حاسمة في دعوى تأثير القانون الروماني على الشريعة الإسلامية، وأن هذه الدعوى تسقطها الحجج البينة ويبطلها التاريخ الثابت، فإن هذا المستشرق يستثني من بحثه التأثير بطرق غير مباشرة، ويعد ببحثها في مستقبل الأيام غير أنني لم أقف على شيء من ذلك، واللَّه أعلم.

وفي هذا الصدد ينفي (محمد أسد) أي مظهر للتأثر والتأثير، ويرى بأن الموازنة بين الإمبراطورية الرومانية والأمة الإسلامية من السخافات الكثيرة التي تغذى بها عقول الجيل الحاضر، إذ ليس ثمة شيءٌ ما مشترك بينهما إلا (أنهما امتدتا فوق أرض شاسعة وشعوب متباينة) ، ويؤكد المستشرق (زيس) بأن الصلة منقطعة بين الشريعة الإسلامية، وهذا القانون -القانون الروماني- فبينما يعتمد قانونيًا على العقل البشري تقوم الشريعة على الوحي الإلهي، فكيف يتصور التوفيق بين نظامين قانونيين وصلا إلى هذه الدرجة من الاختلاف) .

وخلاصة القول: إنَّ دعوى تأثر الشريعة الإسلامية بالقانون الروماني دعوى غير صحيحة تعارضها الأدلة الثابتة، وتبطلها شواهد التاريخ (والشريعة الإسلامية تناقض القانون الروماني في القيم الخلقية والاجتماعية وتخالفه مخالفة واسعة الأمد في النظرة إلى الإنسان وإلى الحياة كلها) ،

ولا يوجد بينهما توافق (في المنابع والغايات، أو تشابه في الحقوق والواجبات، أو تقارب في المبادئ والعقوبات) .

وقبل هذا وبعده فإنَّ هناك فرقًا جوهريًّا بينهما (حيث بدأ القانون عادات. . ونما وازدهر عن طريق الدعوى والإجراءات الشكلية. . أما الشريعة فقد بدأت كتابًا منزلًا من عند اللَّه، وازدهر فقهها عن طريق القياس والأحكام الموضوعية) .

وفرق جوهري آخر؛ (هو أن أساس الفقه يبنى على عقيدة التوحيد، بينما القانون الرومي يبنى على الإيمان بتعدد الآلهة، ومن هذا الأصل تتشعب الاختلافات وتتفرع في كثير من المسائل بين النظامين) .

نقد الدعوة الثانية: دعوى التأثر بالتلمود اليهودي:

وصل تحامل بعض المستشرقين على تميُّز الأمة الإسلامية إلى الادعاء بأن (اليهودية أثرت في الإسلام كله، عقائده وعباداته ومعاملاته) ، والمقصود هنا هو الرد على دعوى تأثر الشريعة الإسلامية وفقهها بالتلمود ممثلة في أقوال (فون كريمر) و (كارل بروكلمان) و (بوسكة) و (لامنس)

المتقدم ذكرها، وبالنظر إلى تلك الأقوال يتضح أنها تدور حول النقاط الآتية:

1 – دعوى أن الذين دخلوا من اليهود في الإسلام نقلوا إلى شريعته عناصر ثقافتهم، وبخاصة إدخال تعاليم التلمود في الفقه الإسلامي.

2 – وما يلحظ من تشابه التشريع الإسلامي وفقهه بالتلمود اليهودي؛ وبما أن الإسلام متأخر عن اليهودية فإنه هو المتأثر بها، وهو المقتبس من تلمودها.

3 – ما يزعم من تأثر بعض علماء المسلمين في تبويب الفقه الإسلامي ببعض كتب اليهود.

وفي الرد على هذه النقاط التى تصدى لها بعض الباحثين وكشفوا زيفها يتضح ما يأتي:

1 – (التفاوت بين التعاليم اليهودية وتشريعات الإسلام وأحكامه الفقهية.

2 – عدم وقوف الفقهاء المسلمين في عصر نشأة الفقه الإسلامي، وتكون مذاهبه على تراث اليهود) .

3 – عدم تأثير اليهود الذين دخلوا الإسلام على الشريعة الإسلامية وفقهها .

ومن خلال عدد من هذه الدراسات ونتائجها تفند الردود أقوال المستشرقين وفق ما يأتي:

1 – يرد على (فون كريمر) و (لامنس) اللذين ادعيا بأن الثقافة اليهودية وبعض تعاليم التلمود دخلت في الشريعة الإسلامية وفقهها بواسطة الذين دخلوا الإسلام من اليهود أو بعض المتأثرين بتلك الثقافة وتلك التعاليم:

(بأن التاريخ حفظ أسماء الأشخاص الذين أسهموا في الحركة العلمية الإسلامية التي بدأت منذ صدر الإسلام، وكان من بين هؤلاء نفر من اليهود شاركوا في تلك النهضة العلمية، ولكننا لا نعثر على فقيه إسلامي واحد كان من أصل يهودي، أو تثقف بالثقافة اليهودية، كما أن الذين أسلموا من علماء اليهود لم يكن من بينهم من تخصص في دراسة التلمود، حتى يكون هذا مسوغًا للظن بأن التراث اليهودي في مجال التشريع قد انتقل إلى المسلمين عن طريق هؤلاء العلماء) .

2 – يرد على ما نقله (بروكلمان) عن بعض المستشرقين: (من أن الشيباني قد تأثر في تبويبه للفقه الإسلامي بكتاب المنشا اليهودي) ؛ بأن الإمام الشيباني (دون الفقه على منهج علمي لم يسبق إليه. . وما كان يعرف إلا العربية وقد توفي رحمه اللَّه سنة (189 هـ)، ومن الثابت تاريخيًا أن الفقهاء المسلمين خلال القرون الثلاثة لم يطلعوا على التراث اليهودي؛ لأنه كان مكتوبًا بلغة غير عربية، وما كان الإمام محمد يعرف إلا العربية، وبذلك تصبح دعوى تأثر هذا الإمام في ترتيب كتبه بمنهج المشنا باطلة، وليست غير وهم سيطر على مخيلة القائلين بها) .

3 – أما أقوال (بوسكة) فإنَّها جاءت بعد أن أثبت بصفة قاطعة عدم تأثر الشريعة الإسلامية وفقهها بالقانون الروماني مستدلًا بأدلة عقلية وتاريخية، وطبق في ذلك منهجًا علميًا يتسم بالجديَّة، ولو طبق ذلك المنهج وأعمل

تلك الأدلة لخلص إلى النتيجة ذاتها حتى على صعيد التلمود ولكنَّه لم يفعل ذلك، ولعله كان يحاول أن يوهم بذلك المنهج الجاد أنه أهل للثقة والاحترام حتى تنسحب هذه الثقة على آرائه جميعها ومنها: دعواه عدم تميُّز الأمة الإسلامية وعدم أصالة شريعتها وفقهها، ونسبة ذلك إلى اليهودية والتلمود.
ولقد ساق (بوسكة) جملة من الأمور التي ادعى فيها التشابه بين الشريعة الإسلامية والتلمود وعقب على ذلك بقوله: (إنَّ هناك تشابهًا فكريًا عميقًا بين نظامين استطاع أحدهما أن يؤثر في الآخر. . بحيث يبدو أن ثمة صعوبة في رد مقولة أن الفقه قد استوحى من التلمود كثيرًا، وخاصة بالنسبة للروح المشتركة بينهما) ، بل لقد ادعى أن الإسلام (يهودية ذات نزعة عالمية) و (أنَّ اليهودية لها تأثير عظيم جدًا على تكوين الإسلام في عصر محمد) .
هذا وقد تتبع بعض الباحثين (أوجه التفاوت بين التلمود والفقه. . في مختلف المجالات التشريعية كنظام الأسرة، ونظام العقوبات، فضلًا عن الإجراءات الشكلية التي تحكم التعاليم اليهودية. . ولا يعرفها الفقه الإسلامي) ، وخلص إلى (أن الخلاف الجوهري بينهما، وأن الطريق مقطوع بين التعاليم اليهودية والأحكام الفقهية الإسلامية) ، وهذا من حيث الواقع التاريخي، أما ما قد يتبادر إلى الذهن من الصلة التشريعية بين

الإسلام والتوراة والإنجيل باعتبار أن الدين الإلهي واحد، فإن ذلك أمر آخر ليس هذ محل مناقشته.

نقد الدعوى الثالثة: دعوى التأثر بالتعاليم النصرانية:

تنحصر دعوى تأثر الشريعة الإسلامية بالتعاليم النصرانية عند التحقيق في مسألتين:

الأولى: أثر مؤلفات الفرق النصرانية الشرقية على تأليف الفقه الإسلامي.

الثانية: أثر الذين دخلوا الإسلام من النصارى وأهل الذِّمَّة على الشريعة الإسلامية وفقهها.

أما المسألة الأولى: فإن الذين أثاروها ومنهم (بوسكة) عاد ليعترف بأن (الاختلافات بين الفقه والقانون الكنسي الكاثوليكي ذات أهمية واعتبار، وهي تشير -كما قال- إلى أن الأمر يتعلق بنظامين لا يمكن عقد مقارنة بينهما إلا قليلًا) ، ثم أثار جملة من تلك الاختلافات في أربع نقاط تناولت مصادر النظامين ومجمل أحكامهما وما يتميز به كل نظام منهما، وخلاصة هذه النقاط:

1 – اتصاف النظام الإسلامي بالثبات واختلاف القانون الكنسي عنه في ذلك.

2 – التعارض بين النظامين من حيث تكونهما حيث انبثق الفقه الإسلامي من القرآن والسنة والقانون الكنسي من مصادر عديدة غير إنتاج الفقهاء النصارى.

3 – شمول الفقه الإسلامي لحياة الفرد وحياة الأمة (ابتداءً من أحكام الاستنجاء وقضاء الحاجات الطبيعية وصلاة وقواعد الجهاد والحرب، والزكاة. . . مارًّا بالزواج والبيوع والوصايا. . . والأمر ليس كذلك في القانون الكنسي) .

4 – ارتباط الفقه الإسلامي بالأخلاق الإسلامية، أما في القانون الكنسي فإن الأخلاق شيء (والقانون الكنسي شيء آخر مختلف عنه) .

وفي ختام هذه المقارنة قال مستنتجًا: (إنه ليبدو لي أننا نستطيع أن نستنتج أن نظامي التفكير الإسلامي والكاثوليكي هما غير متشابهين، وأنهما تطورا طبقًا لمبادئ مختلفة حيث انتهيا إلى نتائج لا تقبل المقارنة بينهما، إنَّ روح النظامين ليست واحدة) .

أما مؤلفات الفرق النصرانية فإن مما حفظه التاريخ (أنها وضعت في تاريخ لاحق لنضج الفقه الإسلامي واكتماله. . إذ وضعت بعد القرن العاشر الميلادي) .
ومن جهة أخرى فإنها هي التي تأثرت بالفقه الإسلامي وأفادت منه، يقول (يوسف شاخت): (بالنسبة للجانب المسيحي فليس هناك شك في أن الفرعين الكبيرين للكنيسة المسيحية الشرقية وهما؛ اليعاقبة والمونوفيزية. . والنسطوريون. . .، لم يترددوا في الاقتباس بحرية من قواعد التشريع الإسلامي) .

وأما حركة الترجمة التي بدأت في نهاية القرن الهجري الأول، ونشطت في العصر العباسي، وتزامنت في بعض مراحلها مع تدوين الفقه الإسلامي (فإنها أهملت إهمالًا واضحًا كتب القانون فلم يترجم إلى العربية أي كتاب قانوني من لغة أجنبية. . وكانت أول ترجمة للكتب القانونية الأجنبية في أواخر القرن الحادي عشر الميلادي على أيدي النصارى السوريان، ولم يكن لهذا تأثير على الفقه الإسلامي؛ لأنه كان قد بلغ نضجه -قبل ترجمة هذه الكتب بعدة قرون) .

وأما المسألة الثانية: وهي أثر الذين دخلوا الإسلام من النصارى وأهل الذمة على الشريعة وفقهها؛ فإن هذه المسألة لا تعدو أن تكون مجرد افتراض يدحضه الواقع التاريخي من وجوه عدة، من أبرزها:

1 – من المتعذر على الذين دخلوا الإسلام من النصارى وغيرهم أن يؤثروا في التشريعات الإسلامية (لأن السلطة التشريعية في الإسلام هي في يد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أثناء حياته يستمد ذلك من الوحي الإلهي، وبعد وفاته انتقلت تلك السلطة إلى نفر من المسلمين يسمون المجتهدين، وهؤلاء يشترط فيهم شروط خاصَّة أفاض في تفصيلها وبيانها الأصوليون في كتبهم، وليس هذا مجال إيرادها، ولا يعرف أن أحدًا من مجتهدي القرن الأول والثاني كان متثقفًا) بغير الثقافة الإسلامية أو ممن اهتدى إلى الإسلام وهو عارف بالقانون الكنسي أو غيره من القوانين الأخرى .

2 – ومن المسلمات في دين الإسلام أن من يدخل فيه يخلع عنه كل أمر من أمور الجاهلية، ويستسلم لأمر اللَّه وحكمه، وفي مقدمة ذلك الانصياع لشرع اللَّه في جميع شؤون الحياة إجابة لقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36]، وجاء في الحديث أن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يتلو قول اللَّه تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31]. حينما دخل عليه عدي بن حاتم؛ قال عدي: (فقلت: إنهم لم يعبدوهم)، فقال الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: “بلى إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم” .

والشاهد من ذلك أن التشريع في الإسلام منبثق من عقيدة التوحيد الخالصة للَّه، ولا يمكن أن يسمح لمن دخل الإسلام من النصارى أو غيرهم من ذوي الثقافات الأخرى أن يشرعوا للمسلمين ولو فرض جدلًا أنهم بلغوا درجة الاجتهاد فإنهم عند ذلك ينطلقون من الكتاب والسنة وإجماع الأمة الإسلامية وما خلَّفه الصحابة والتابعون من ثروة فقهية انبعثت من صميم عقيدة الإسلام وهدي رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-، والشريعة الإسلامية وفقهها في كل ذلك متميزة تميزًا جليًا يشهد به الواقع التاريخي، والحقائق المسلم بها.

3 – أما أهل الذمة فإن الإسلام وفر لهم حرية قضائية خاصة بهم؛ قال تعالى: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ} [المائدة: 47]، (وكذلك اليهود، وسائر أهل الذمة، ومنه ينتج أن لا تماس بين الحقوق الإسلامية والحقوق الأجنبية فلا يوجد بينهما فعل ورد فعل، ذلك لأن هذا الحكم الذي فرضه القرآن لم يبق قولًا بلا عمل، بل نراه قد طبق بحذافيره في عهد

الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- وفي عهد الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين والعثمانيين وغيرهم من ملوك الإسلام، وكان لكل ملة من ملل أهل الذمة (مسيحية كانت أو يهودية أو مجوسية أو أي ملة أخرى) نظام حقوقي وقضائي خاص بها. . . والحالات التي راجع فيها غير المسلمين المحاكم الإسلامية ورجحوها على محكمتهم الخاصة كانت نادرة، وكان الواجب فيها أن يرضى الفريقان الحضور أمام القاضي المسلم -سواء لأنهما من ملتين مختلفتين: واحد نصراني وآخر يهودي مثلًا، أو من نفس الملة ولكن لم يرضيا بقاضي ملّتهم لسبب من الأسباب، وفي هذه الحالة كانت المحكمة الإسلامية تطبق [القانون] الإسلامي، فلم يكن كذلك تماس بين أنظمة القانون المختلفة. . .) .

الدعوى الرابعة: دعوى التأثر بأعراف العرب وتقاليدهم قبل الإسلام:

لهذه الدعوى شقان رئيسيان:

الأول: كون العرب في تقاليدهم وعاداتهم قد تأثروا بالأمم المجاورة لهم، بل يزعم بعض المستشرقين أنه كان للعرب قبل الإسلام قانون (راق إلى حد يعتد به) ، ومن المحتمل أن هذا القانون مقتبس أو متأثر بالقانون الروماني، أو القانون الساساني.

الثاني: اعتماد الإسلام في شريعته على قانون العرب باعتبار (أن الإسلام أقر بعض نظم الجاهلية) .

أما الشق الأول لهذه الدعوى فهو باطل ومردود حتى لدى بعض المستشرقين لأسباب عدة تجمل في الآتي:

1 – (تفشي الأمية في العرب وجهلهم باللغات الأجنبية) ، وعلى الرغم من عنايتهم باللغة والشعر والأدب والسير والتاريخ، وكذلك احتكامهم إلى العادات والأعراف القبلية في تنظيم معاملاتهم إلا أنهم لم ينقلوا عن الروم بخاصة شيئًا من القوانين ، ولا يوجد -كما ذكر المستشرق (نالينو)؛ (أي دليل على تسرب التشريعات الرومانية إلى الشريعة الإسلامية بواسطة العرب في الجاهلية) ، كما أورد (نالينو) شهادة (تيودوريتو) إذ قال: (إنه توجد أقوام في أقصى حدود الإمبراطورية الرومية رغم أنهم خاضعون لحكم الروميين، فإن القانون الرومي لا يطبق عليهم. يصرح (يتودوريتو) أن منهم القبائل الإسماعيلية الكثيرة العدد) .

والشاهد من هذا أنه إذا كانت بعض القبائل في أطراف الجزيرة العربية مع أنها خضعت للإمبراطورية الرومية لم تعرف القانون الروماني ولم تخضع لأحكامه، فمن باب أولى عرب الحجاز الذين لم يخضعوا لأي سلطة أجنبية، ولم يتأثروا بحضارات الأمم المجاورة لهم، وهذا ما حفظه لهم التاريخ .

2 – وإذا كان القول السابق ينفي تسرب القانون الروماني إلى عادات العرب وأعرافهم، ومن ثم استحالة تسربه عن طريق العرب في الجاهلية إلى الشريعة الإسلامية؛ فإن تأثر العرب بالقانون الساساني ليس إلا كما قال (نالينو): (ظن يسير ادعاؤه عسير إثباته) .

وهذا القانون طواه التاريخ وأصبح في حكم النسيان وإلى ذلك يشير (فتزجيرالد) في رده على (جولدزيهر) إذ قال: (وكذلك فإن مصدرًا ممكنًا آخر للقانون الإسلامي الذي يشير إليه (جولدزيهر) أيضًا في سياق مختلف، فإنه يتكلم عنه في صدد العادات والعبادات الدينية (لا القانونية) ولكن لا نعرف عن هذا المصدر إلا النزر اليسير، ألا وهو النظام القانوني للإمبراطورية الساسانية) .

أما الشق الثاني من هذه الدعوى وهو إقرار الإسلام لبعض عادات الجاهلية وأعرافها، وهو ما عبَّر عنه (كولسون) بالعرف السائد في مجتمع العرب قبل الإسلام، وأن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- عمد إليه فعدل فيه وغير دون أن يلغيه بل أبقى على قواعده .

والصحيح عند التحقيق (أن قرار الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- لهذا العرف أو ذاك لم يكن مبينًا على أساس التأثر بما أقر، أو على أساس الأخذ بعرفٍ سائد بدافع التقليد، بل على أساس أنَّ ذلك هو حكم الفطرة التي فطر اللَّه الناس عليها، فضلًا عن أخذه -صلى اللَّه عليه وسلم- بهذا العرف أو ذاك إنما كان بإلهام سابق أو إقرار لاحق من اللَّه سبحانه وتعالى؛ ولهذا كان -صلى اللَّه عليه وسلم- يقر بعض الأعراف لصلاحه؛ (كالمضاربة والبيوع والإجارات الخالية من المفاسد والقسامة وجعل الدية

في القتل الخطأ على عاقلة الجاني. . وغير ذلك)، ويلغي كثيرًا من الأعراف السائدة لفساده، “كالتبني والربا وشرب الخمر وحرمان الصغير والنساء من الميراث. . وغير ذلك”. ثم إنه يمكن القول إضافة إلى ما سبق: إن أكثر ما أقره الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- من الأعراف، لم يكن يقره على حاله، وإنما عدله وشذب منه وأضاف إليه وحدد له الحدود الشرعية، فوضع -على سبيل المثال- للمضاربة شروطًا، وللوصية حدودًا، وللطلاق وتعدد الزوجات قيودًا وضوابط) .

وعلى هذا فإن مقولة (كولسون) -آنفة الذكر- لكي تتفق مع حقائق الأمور ينبغي أن تعكس لتصير: والذي أبقاه الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- من العرف السائد عند العرب قبل الإسلام لم يبقه على عواهنه، وإنما عدل فيه وغير حتى أعاده لما كان عليه من الحق والفطرة السليمة؛ لأن العرب كانوا (في أول أمرهم على دين إسماعيل [عليه السلام]، المبني على التوحيد والتقوى، المشتمل على شريعة قائمة على أساس العدل والإنصاف، وهم لم يتحولوا إلى الشرك إلا بعد طول العهد وتقادم الزمن، ولم يبتعدوا عن أحكام تلك الشريعة إلا بعد توالي الحقب وتصرم الأزمان، وابتعادهم هذا لا يعني أنهم ضيعوا كل أحكام شريعة سيدنا إسماعيل [عليه السلام]، وفقدوا كل جزئياتها وقواعدها؛ لذلك من المعقول جدًا أن ما أقره الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- من الأعراف هو من بقايا شريعة إسماعيل [عليه السلام]، التي توارثها العرب، ويكون هذا الإلهام نتيجة إلهام اللَّه له بأن مثل هذه الأحكام هو من أحكام شريعته كما كان من أحكام شريعة إسماعيل [عليه السلام]، إذ من المعلوم أن بعض أحكام الشرائع السماوية تتفق كل الاتفاق فيما بينها؛ لأنها من الأحكام التي لها طابع الدوام والثبات والصلاح لكل وقت وزمان) .

وفي ختام هذا المطلب ألمح إلى بعض الاستنتاجات في الآتي:

1 – إن مقولة أن الشريعة الإسلامية أو فقهها قد تأثرت بمصادر أجنبية سواء القانون الروماني أو التلمود اليهودي أو القوانين الكنسية أو غيرها، أو أنها امتداد للعرف السائد عند العرب قبل الإسلام، تقوم على الخلط بين جانب من الشريعة الإسلامية وجانب آخر، تخلط بين الشريعة الإسلامية من حيث كونها منبثقة من الوحي ومصدرها الكتاب والسنة، وأنها قد اكتملت في حياة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- في مبادئها الأساسية وأحكامها العامة وسار عليها سلف الأمة الصالح، وبين بعض مسائل الاجتهاد وما انبثق عنه من ثروة فقهية قام بها فقهاء الأمة سواء في بعض القضايا المستجدة أو تطبيق أحكام الشريعة على الوقائع والحوادث التي تجري في حياة المسلمين.

2 – إن الشريعة الإسلامية من حيث مصدرها ومن حيث واقعها متميزة عن غيرها، (ويدل كل ما فيها على أنها قائمة بذاتها غير مستمدة من غيرها ولا متأثرة به) ، وهذا ما وصل إليه نفر من المستشرقين جاء الاستدلال بأقوالهم فيما سلف.

3 – ظاهرة الاقتباس والتأثر والتأثير واضحة في تاريخ القانون الروماني والتلمود اليهودي والقوانين الكنسية وكلها عرضة للتغيير والتبديل والإلغاء. . أما الشريعة الإسلامية فإنها اختصت بصفات الثبات والاستمرار في جانب من أحكامها، واتسمت بالمرونة ومواكبة التطورات في جانب

آخر مما أهلها للإحاطة بقضايا الإنسان وشمول أحكامها لمستجدات الزمان والمكان.
وفي هذا الصدد عاب المستشرق المجري (فيري) على بعض الدول العربية والإسلامية إدخال القوانين الوضعية في بلدانهم وإحلالها محل الشريعة؛ إذ

قال: (إن فقهكم الإسلامي واسع جدًا إلى درجة أنني أعجب كلما فكرت في أنكم لم تستنبطوا من الأنظمة والأحكام الموافقة لبلادكم وزمانكم) .

وقال آخر: (إن النظام القانوني الإسلامي حيّ ومتفاعل ومطبق في المجتمعات الإسلامية وقائم في ضمائر أفرادها، وينبغي أن يعتمد عليه في تشكيل النظم القانونية في البلاد الإسلامية، لتأتي هذه النظم معبرة عن روح البلاد التي تطبقها) .

4 – أثبت بعض الدارسين في تاريخ القوانين أن القانون الغربي هو الذي تأثر بالفقه الإسلامي، وأفاد منه في خلال الاحتكاك الحضاري في الأندلس ومن منافذ أخرى، أما ما حدث في الأندلس فورد في بعض المصادر (أنَّ طلبة العلم من الإفرنج الذين كانوا يسافرون إلى غرناطة لطلب العلم اهتموا كثيرًا بنقل فقه الإسلام إلى لغتهم لعلهم يستعملونه في بلادهم لرداءة ما فيها من الأحكام خصوصًا في المئة الرابعة والخامسة من الهجرة، ومن الثابت أن كثيرًا منهم قد برعوا في اللغة العربية، ومنهم (هوبرت) و (ألبرت)، اللذان طلبا مساعدة علماء المسلمين بغية التمكن من استيعاب هذه الأحكام، وقد ساعدوهم حتى دونوا الفقه كاملًا ثم حوروه إلى ما يوافق بلادهم) .

ويذكر سعيد مراد الغزي بأن طلبة العلم أولئك (اتفق رأيهم على. . . عدم غزو المأخوذ عن الشرائع الإسلامية لمنبعه الأصلي خوفًا من نفرة العامة من المسيحيين الذين كانوا بواسطة رؤساء الدين ينفرون من كل شيء مصدره الإسلام مهما كان حسنًا ونافعًا، فاتفقوا على إهمال مصدر ما يأخذونه عن الشريعة الإسلامية من تلك الحقوق (الشرائع الرومانية) أو (القانون المدني) بل لقد عزوا ذلك إلى اجتهادات علماء الحقوق منهم بنتيجة البحث والدرس) .

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*