موقف المستشرقين من اللغة العربيَّة

موقف المستشرقين من اللغة العربيَّة إذا كانت اللغة العربية تحتل تلك المكانة في تميز الأُمَّة الإسلاميَّة فقد أدرك المستشرقون أهميتها، ووقفوا على أثرها في وحدة الأُمَّة الإسلاميَّة من جانب آخر

موقف المستشرقين من اللغة العربيَّة

وإذا كانت اللغة العربية تحتل تلك المكانة في تميز الأُمَّة الإسلاميَّة (التي تناولها البحث في المطلب السابق) فقد أدرك المستشرقون أهميتها، ووقفوا على أثرها في وحدة الأُمَّة الإسلاميَّة من جانب آخر، نقل عن (بوستل) قوله عن اللغة العربية: (. . . إنَّها تفيد بوصفها لغة عالميَّة في التعامل مع المغاربة والمصريين والسوريين والفرس والأتراك والتتار والهنود، وتحتوي على أدب ثري، ومن يجيدها يستطيع أن يطعن كل أعداء العقيدة النصرانية بسيف الكتاب المقدس، وأن ينقصهم بمعتقدات التي يعتقدونها، وعن طريق معرفة لغة واحدة (العربية) يستطيع المرء أن يتعامل مع العالم كله) ، ويتباهى (بوستل) أنَّه يقطع العالم الإسلامي من أقصى غربه إلى تخوم الصين دون حاجة إلى مترجم ، وما ذلك إلَّا لأنه حذق العربية لغة العالم حينذاك.
ويعترف أغلب المستشرقين بأنَّ القرآن الكريم هو سبب عالميَّة اللغة العربية، وللمثال على ذلك ما قاله (كارل بروكلمان): (بلغت العربيَّة بفضل القرآن من الاتساع مدى لا تكاد تعرفه أيُّ لغة أخرى من لغات الدنيا، والمسلمون جميعًا مؤمنون بأن العربية وحدها اللسان الذي أحل لهم أن يستعملوه في صلاتهم) .

ويقول (برنارد لويس): (وقد وجد الطلبة الإنكليز في الهند لدى دراستهم لغات مسلمي الهند ومدنيتهم، أن أبحاثهم وتنقيباتهم تحتم عليهم دراسة العربية التي هي أساس الثقافة الإسلاميَّة في أيِّ لغة من اللغات) .
وانطلاقًا من هذه الحقيقة توافر فئام من المستشرقين على تعلم العربية ودراستها ودراسة علاقتها بالإسلام و (كل ما يتصل بها من قريب أو بعيد، فبحثوا في فقهها، وأصواتها، ولهجاتها، ونحوها، وصرفها، وأصولها، ومعاجمها، وأطوارها، وغزارتها، ومادتها، وفلسفتها، وعلاقاتها باللغات الأخرى، وخاصة اللغات الساميَّة، ومميزاتها وعناصرها، وتاريخها، ونقوشها، وكل ما أنتجته هذه اللغة) .
وفيما يأتي ذكر بعض المتهمين بالدراسات اللغويَّة العربية، وذكر بعض مؤلفاتهم فيها كنماذج ترد على سبيل المثال:
• (ويهان فاك: العربية (دراسات في اللغة واللهجات والأساليب). . . اهتم المؤلف في هذا الكتاب بدراسة العلاقة بين الإسلام واللغة العربية، ودرس خصائصها وارتباطها بالقرآن الكريم، وتطورها بعد وفاة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، وحياتها في العهد الأموي، وأطوارها في العهد العباسي. . . وسيطرتها على العالم الأدبي والعلمي والفكري، ولهجاتها وفصاحتها، وظهور اللغات الدارجة، والعلاقات اللغويَّة في المحيط الإسلامي. . .، وبداية مرحلتها الحديثة بحملة نابليون، ومشكلة اللحن وأطوارها، وغيرها من المسائل) .
• (إسرائيل ولفنسون: تاريخ اللغات السامية. . . بحث في اللغة

العربية ومنزلتها بين اللغات السامية الأخرى، ثُمَّ في اللهجات العربية البائدة واللهجات العربية الباقية، مشيرًا إلى المنهج العلمي لعلماء الاستشراق في دراستهم للغة العربية وما يتعلق بها) .
• (هنري فليش: العربيَّة الفصحى. . . درس اللغة العربية بإسهاب. . . من جوانبها الصوتيَّة والصرفيَّة والاشتقاقيَّة) .
• (يوسف جبرا: تاريخ دراسة اللغة العربيَّة بأوروبا، بحث في تاريخ دراسة العربية بأوروبا قديمًا وحديثًا، واهتمام علماء الاستشراق بها ومتعلقاتها) .
ومن المستشرقين من توافر على (المعجم العربي كشفًا وتحقيقًا ونشرًا، ودراسة) ، ومنهم الآتية أسماؤهم:
• (ماثيو لمسدن: نشر القاموس المحيط لمجد الدين الفيروزآبادي).
• (إدوارد وليام لين: له مد القاموس، وهو معجم عربي إنجليزي. . . وقد ضمن مقدمته وصفًا لعدد غير قليل من المعاجم العربية القديمة جاء في الإيجاز والإفادة) .
• (وليان رايت: له جرزة الحاطب وتحفة الطالب، وهو اسم مجموعة تحتوي على: صفة السرج واللجام لابن دريد، وصفة السحاب والغيث لابن دريد أيضًا، وتلقيب القوافي لابن كيسان) .

• (فريتس كرانكو: له بواكير المعاجم العربية حتى عصر الجوهري. . . ونشر: المأثور فيما اتفق لفظه واختلف معناه) .
• أرثر ج. أربري: نشر تمام الفصيح لابن فارس) .
وكل هؤلاء المستشرقين من الإنجليز وغيرهم كثير من مختلف الجنسيات الأوروبية والأمريكية والروسية بذلوا جهودًا كبيرة في خدمة المعجم العربي في مجال التحقيق، والترجمة، والنشر .
ومن المستشرقين من شارك في المجمعات اللغوية العربية في كل من مصر ودمشق وبغداد وغيرها، وأسهم بجهوده في خدمة تلك المجامع ، وتسلَّلَ بعض المستشرقين في هذه المجمعات لنفث سمومه وقوادحه في اللغة العربية وفقًا لقول الشاعر:
. . . . . . . . . . . . . … (وداوني بالتي كانت هي الداءُ)
ومهما يكن من جدية هذه الدراسات والبحوث والأعمال التي تصدّى لها أعداد كبيرة من المستشرقين، ومهما يكن لها من إيجابيات فإنَّه قد شاع من بينها شبهات أحاقت باللغة العربية، وكادت أن تقتلها بتضافر تلك

الدراسات الاستشراقية مع الخطط الاستعمارية والتنصيريَّة والتغريبيَّة التي جندت أفرادًا من المستشرقين لإشاعة تلك الشبهات على أنَّها مِمَّا يعوق تطور اللغة العربية، وبالتالي فإنَّها عوائق في مسيرة العرب الحضاريَّة.
وللمثال على ذلك ما قاله (دوفرين) في تقرير وضعه عام (1882 م): (إنَّ أمل التقدم ضعيف في مصر طالما أن العامَّة تتعلم الفصحى العربية) ، ولتحقيق تلك السياسات الرامية (لزعزعة مكانة اللغة العربية ومكانة موروثها الذي يحتفظ بمقومات المجد الأصيل، ويدخر للأجيال صورًا مشرقة من تاريخهم التي يطمع الغربيون في طمسها، وكان من المستحيل التفكير في إحلال أي لغة أجنبيَّة أو تشجيعها، ولكنه من المعقول في رأيهم التفكير في اللغات العاميَّة العربية وإعطائها فرصة للظهور على مسرح الحياة الثقافية والفكرية، ومن هذا الأمل في نفوسهم بدأت انطلاقة العاميَّة الأولى) ؛ لذلك فُتحَتْ المدارس المتخصصة

المتشعبة عن الدراسات الاستشراقية في أكثر من بلد غربي لدراسة العاميات الدارجة في شعوب العالم الإسلامي بعامة والبلاد العربية بخاصة ، (وركزوا برامج تلك المدارس على التفقه في العاميات خاصة، واستمروا على هذا الحال حتَّى أصلوا دراستها في نفوس عدد كبير من العرب الذين أخذوا مبدأ الاهتمام بالعاميات على أنَّه ثقافات إقليمية، وبدؤوا بنشرها في بلادهم على الطريقة والمنهج الذي سارت عليه مدارس الاستشراق سواء بسواء) .

وفيما يأتي إيراد لأهم الشبهات ثُمَّ الرد عليها:
1 – قصور اللغة العربية عن التطور الحضاري وعجزها العلمي.
2 – صعوبة نطقها وصعوبة كتابتها.
3 – ارتفاع مستواها عن فهم الناس.
4 – التفاوت فيها بين طريقة النطق وطريقة الكتابة .
وحرص المستشرقون القائلون بهذه الشبهات على أن تكون شبهاتهم

هذه من المسلمات، ولذلك انتقلوا من مناقشتها في أساسها والبحث العلمي فيها إلى طرح أساليب ووسائل أخرى للخروج بالعربية من تلك الأزمات التي اختلقوها، ومجمل تلك الوسائل والأساليب فيما يأتي:
1 – كتابة اللغة العربية أو العاميَّة بالحرف اللَّاتيني.
2 – الدعوة إلى العاميَّة، وتقعيدها.
3 – إهمال الإعراب.
4 – الدعوة إلى تطوير اللغة والتصرف فيها .

الرد على الشبهة الأولى:
إن رمي اللغة العربية بالقصور وعدم الكفاية العلميَّة تهمة لا تتفق مع حقيقة اللغة العربية؛ لأنَّها لغة حيَّة عمليَّة لها طاقة هائلة على استيعاب المعاني الغزيرة في الكلمات القليلة ، يقول الإمام الشافعي رضي اللَّه عنه عن هذا الجانب في اللغة العربية: (ولسان العرب أوسع الأسنة مذهبًا، وأكثرها ألفاظًا، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غيرُ نبيٍّ) .
وقد أقرت هيئة الأمم المتحدة عالمية اللغة العربية، وأدرجتها في اللغات المعتمدة (كلغة سادسة لشعوب الأرض كافة، يتكلمها ما يزيد على (180) مليون من العرب، ويقدسها المسلمون؛ لأنَّهَا لغة القرآن الكريم ولغة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-) .

ومِمَّا جاء في قرار الجمعيَّة العامَّة للأمم المتحدة الذي اتخذته بالإجماع في دورتها الثامنة والعشرين لسنة (1973 م): (إنَّ اللغة العربية أدت دورًا مهمًّا في الحفاظ على حضارة الإنسان وتراثه الثقافي، وفي العمل على نشرهما) .
ولئن خرجت اللغة العربية من صراعها مع الاستشراق والاستعمار أو كادت أن تخرج بهذه النتيجة؛ فإنها في حقيقة الأمر اللغة الأولى، ويكفيها شرفًا أنَّ اللَّه اختارها لكلامه المجيد، وما أصدق ما قاله (حافظ إبراهيم) في رده على شبهات المستشرقين وتلاميذهم على لسان اللغة العربية:
وسعت كتاب اللَّه لفظًا وغايةً … وما ضقتُ عن آيٍ به وعظاتِ
فكيف أضيقُ عن وصف آلةٍ … وتنسيق أسْمَاء لمخترعاتِ
أنا البحرُ في أحشائه الدر كامنٌ … فهل سألوا الغُوَّاصَ عن صدفاتي؟
أما الاعتراف للغة العربيَّة بأنها حافظت على تراث الإنسان، وعملت على نشره، فإنَّ ذلك جزءٌ من الحقيقة، وجزؤها الآخر هو ما أسهمت به اللغة العربيَّة من صنع الحضارة الحديثة في مختلف مجالاتها، وما أضافت من ابتكارات علميَّة ومنهجيّة إضافة لتلك الوحدة السلميَّة الفذَّة بين شعوب المعمورة التي عبَّرَت عنه المستشرقة (زيغريد هونكة) بقولها: (إنَّ كل

الشعوب التي حكمها العرب اتحدت بفضل اللغة العربيَّة والدين الإسلامي، بتأثير قوة الشخصية العربيَّة من ناحية، وتأثير الروح الإسلاميَّة الفذَّة من ناحية أخرى، في وحدة ثقافية ذات تماسك عظيم) .
وأمَّا تخلف الأُمَّة الإسلاميَّة عن ركب الأمم الأخرى في ميادين الصناعة والعلوم، فليس مرجعه إلى قصور في اللغة العربيَّة وعدم كفايتها العلميَّة كما يدعي خصومها من المستشرقين وغيرهم؛ بل يرجع ذلك لعوامل كثيرة. . . منها:
أولًا: وهن الأمَّة. . . كما لحظ ذلك ابن حزم بقوله: (إنَّ اللغة يسقط أكثرها ويبطل بسقوط دولة أهلها ودخول غيرهم عليهم في مساكنهم، أو بنقلهم عن ديارهم واختلاطهم بغيرهم، فإنَّما يفيد لغة الأُمَّة وعلومها وأخبارها قوة دولتهم ونشاط أهلها وفراغهم، وأمَّا من تلفت دولتهم وغلب عليها عدوها، واشتغلوا بالخوف والحاجة والذل وخدمة أعدائهم فمضمونٌ منهم موت الخواطر، ورُبَّمَا كان ذلك سببًا لذهاب لغتهم، ونسيان أنسابهم وأخبارهم، وبيود علومهم، وهذا موجود بالمشاهدة معروف بالعقل ضرورة) .
وقال أحد المفكرين المعاصرين في هذا المعنى: (الأُمَّة العزيزة تعتزُّ بلغتها، وتحرص على استقلالها كما تحرص على استقلالها العسكري والاقتصادي سواء، وتحترم قوانينها اللغويَّة وتتمسك بها) .
ثانيًا: ما قام به الاستعمار في سبيل الحيلولة دون ممارسة اللغة العربيَّة وتغليب لغة المحتل عليها وتشجيع اللهجات العاميَّة، حيث رسم دهاقنة

الاستعمار من أمثال (دنلوب) سياسة التعليم على أساس الحيلولة بين اللغة العربيَّة وبين أن تصبح الأداة الثقافية لأبناء الأُمَّة الإسلاميَّة ولغة العلوم والتقنية؛ (فحلت مصطلحات أجنبية عن دينها ولغتها في جوانب: الحكم، والقضاء، والتعليم، ولغة الحياة العامَّة والسلوك، وغيرها متابعة بذلك سنّة الإبعاد عن كتب الشريعة وفقهها بتحنيط لغتها، وبذلك يستحكم الانفصام بين المسلم وتراثه ليكون رسمًا لا معنى له، وصورة لا حقيقة له) .
ولعل من الشواهد المعاصرة على صلاحيَّة اللغة العربيَّة لتدريس كافة العلوم؛ ما يحدث في الجامعات والمعاهد التي اتخذتها أداةً للعلم والمعرفة وأفادت منها، فعلى سبيل المثال مضى على تأسيس كلية الطب في دمشق ما يزيد على سبعين عامًا وأساتذتها يدرسون الطب باللغة العربيَّة ، وقد (أغنوا خزانة الكتب العربيَّة بما لا يقل عن ثمانين مجلدًا في فروع الطب المختلفة) .

كما أن كثيرًا من الأساتذة الذين جربوا التدريس بالعربيَّة لا في دمشق وحدها، وإنَّما في القاهرة والرياض وبغداد لم يجدوا عائقًا يذكر من اللغة ذاتها، وإذا كانوا قد اصطدموا بصعوبات فهي خارج الإطار اللغوي ، بل (استطاع عدد من المخلصين في هذا العصر أن يثبتوا قدرة اللغة العربيَّة على استيعاب العلوم، فوضعوا عددًا من الكتب العلميَّة تناولت شتى الموضوعات، وقدمت أمثلة لقدرة اللغة العربيَّة على التعبير عن دقائق العلوم) .
وعلى الرغم من الجهود المبذولة في هذا المضمار فإنَّه ينبغي أن تتسم حركة التعريب بالصفة الشموليَّة فلا تقتصر على تعريب الحرف وتنسى مرتكز التعريب، وهي العقيدة الإسلاميَّة وليست القوميَّة العربيَّة حيث إنَّ العقيدة الإسلاميَّة هي السر في انتشار اللغة العربيَّة وسيادتها، ومن جهة

أخرى فإنَّه ينبغي أيضًا الاهتمام بالتعريب كأسلوب حياة، ووسيلة تميُّز يحفظ للأُمَّة شخصيتها وهويتها الذَّاتيَّة في كافَّة ميادين الحياة.

الرد على الشبهة الثانية:
إنَّ صعوبة النطق وصعوبة الكتابة في اللغة العربيَّة شبهة فيها كثيرٌ من التعسف؛ لأن قواعد النحو والصرف وطريقة كتابة الحرف العربي وضبطه بالشكل والإعجام من ناحية ، وتحقيقه في مجال الأداء الصوتي من ناحية أخرى، خُدِمَ ذلك كله بعبقرية وبراعة أظهرت تميُّز اللغة العربيَّة على سائر اللغات، وحدَّدَت دلالة الألفاظ على المعاني بغاية الدقّة، (فقد عكف علماء الأُمَّة على اللغة العربيَّة وعلومها، واستنبطوا قواعدها، ووضعوا أصول نحوها وصرفها حتى تمت الضوابط والمقاييس في غاية الوضوح والبيان مِمَّا جعلها لغةً علميَّة مكتسبة يسهل حذقها وتعلمها على أبناء اللغة العربيَّة الناشئين) ، (وعلى أبناء غير العربيَّة الذين دخلوا دين الإسلام أفواجًا، فانتشرت اللغة بينهم كما لم تنتشر لغة من قبل سرعة ويسرًا، ولم يكن أبو الأسود الدؤلي، والخليل بن أحمد، وسيبويه، والمبرد، وأبو علي بن فارس، والثعالبي، وابن سيده، والزبيدي. . . وغيرهم كثير علماء في اللغة يتشدقون في المجتمعات بعلمهم، أو سعيًا لرزق صغير أو طلب لمنصب. . . بل كان كل منهم يهب حياته في خدمة

علم من علوم العربيَّة يتقرب به إلى اللَّه عز وجل، وهذه غايتهم الأولى! فدانت لهم العربيَّة وذلل لهم علمها) .
وبالنظر إلى علماء التجويد فإنَّهُم كما قال أحد الباحثين: (حققوا في مجال الأداء الصوتي القرآني ظاهرة نادرة الحدوث في أيِّ لغة من لغات العالم، وإليهم يرجع الفضل في حفظ النطق العربي الفصيح سالمًا -إلى حد بعيد- من تأثيرات التطور اللغوي) .
أمَّا صعوبة التعلم وتدريب اللسان حتى يلين لقواعد اللغة وتصاريفها فإنَّ الصعوبة محدودة وليست عائقًا لمن أراد التعلم؛ ثُمَّ إنَّ الصعوبة أمرٌ نسبي يختلف من شخص لآخر، وتحكمه ظروف عدّة، منها ما يعود إلى المتعلم ذاته، ومنها ما يعود لغيره من معلم أو منهج تعليم .

الرد على الشبهة الثالثة:
أمَّا ارتفاع اللغة العربيَّة عن مستوى فهم الناس فهذه شبهة مردودة من عدّة أوجه، أهمهما الآتية:

أ- اتصال العربيَّة بالطبيعة: فقد توصَّلَ علماء اللغة العربيَّة إلى القول: (بأنَّ أصولها الثنائية تحاكي في الغالب -كما هو الحال في بعض اللغات الأُخرى- أصوات الطبيعة بما فيها من جماد وحيوان وإنسان بدائي، ومن هنا كانت بعض كلمات أمثال: خرير الماء، وهبوب الرياح، وهدير العاصفة، ومواءُ الهر، وصهيل الجواد، ونباح الكلب، ورغاءُ الجمل) ، وأمثالها انعكاسًا للطبيعة، ومنبثقة عنها.
ب- اتصالها المحكم بالمجتمع: (ذلك أن العرب عاشوا أسرًا محكمة الأواصر، تجتمع في أفخاذ وبطون وعشائر وقبائل، تغوص عمقًا في النسب الصريح، وتنداح اتساعًا بالتزاوج والتوالد، وهي في كل حال متماسكة يشد بعضها بعضًا. . . وعلى صورة هذا المجتمع ومثاله كان كلامهم وجرى لسانهم: الألفاظ تتوالد وبينها آصرة القربى، فالأصل هو المصدر مثل: (عِلْم)، ومنه الماضي المجرد: عَلِمَ، ومنه اسم الفاعل: عالم، واسم المفعول: معلوم، والصفة المشبهة: عليم، ووزن المبالغة: علَّامة، واسم التفضيل: أعلم، ومن فعل (جمع) يؤخذ اسما الزمان والمكان: مَجْمعَ، ومن فعل (فتح) يؤخذ اسم الآلة: مفتاح. . . وجميع هذه المشتقات متفقة في حروفها الأصلية وترتيبها ومعناها الأصلي. . .) .
إذًا فاللغة العربيَّة مطبوعة، وتعبر عن الفطرة، وتتفق وحقائق الأشياء، ولها جرسها الشاعري الجميل، وهي سهلة التعلم والتعليم، تامَّة في

ألفاظها، كاملة في حروفها، وكما قال ابن خلدون فهي: (أحسن الملكات وأوضحها إبانة عن المقاصد) .

الرد على الشبهة الرابعة:
أمَّا التفاوت بين النطق وطريقة الكتابة فإنَّه موجود في سائر اللغات الأخرى وواسع فيها، واللغة الإنجليزيَّة وهي تتسنم المركز الأول في سلم اللغات العالميَّة في العصر الراهن فيها ما يزيد على (200) أصل لغوي شاذ ، في حين أنَّ التفاوت بين النطق والكتابة في اللغة العربيَّة محدود في كلمات تعد على أصابع اليد الواحدة مثل (هذا، لكن، داود، عمرو، اللام الشمسية) ، ولا يعد هذا التفاوت عيبًا، ولا سيما أنَّه مسموع عن العرب يحفظ ولا يقاس عليه .
وينبغي أن يذكر أنَّ ما يؤخذ على اللغة العربيَّة -في هذا الصدد وغيره- هو في واقع الأمر من مزاياها، فمثلًا مثنى الكلمة العربيَّة يختزل في كلمة واحدة مثل رجل مثناها: رجلان، في حين يكتب في اللغات الأخرى كلمتين .
خلاصة القول: إنَّ هذه الشبهات التي أظهرها بعض المستشرقين، ونظَّروا لها في دراساتهم اللغويَّة بدعم من الدوائر المعادية للإسلام، وبخاصة الاستعمار والصهيونية وقبلهما التنصير، لا ترتكز على أساس ولا يوجد لها مبرر من حيث منطلق الشبهة في أساسها، ولذلك فإنَّ ما رتبوا

عليها من حلول تمثلت في الدعوة إلى الكتابة بالحرف اللاتيني والعاميَّة. . . وغيرهما مِمَّا سبق ذكره كل ذلك يسقط بسقوط شبهاتهم، ويكفي هنا الإلماح لأبرز الأهداف من تلك الحلول فيما يأتي:
1 – إهمال القرآن الكريم والحديث النبويّ الشريف لغة وأصلًا وتشريعًا .
2 – هجر لتراث المسلمين، واجتثاث لوجودهم الفكري والثقافي .
ذلك أنَّ المستشرقين العاملين في خدمة الدوائر المعاديَّة للأُمَّة الإسلاميَّة أدركوا (قوة ارتباطها بالدين والثقافة الإسلاميَّة. . .) ، وأنها من أقوى أسباب الوحدة الإسلاميَّة، وهو ما عبَّرَ عنه المستشرق الإنجليزي (جيب) بقوله: (إنَّ من أهم مظاهرها الحروف العربيَّة التي تستعمل في سائر العالم الإسلامي واللغة العربيَّة التي هي لغته الثقافية الوحيدة، والاشتراك في الكلمات والاصطلاحات العربيَّة الأصل) ، وعملوا من أجل ذلك على إثارة الشبهات في حياض اللغة العربيَّة، ودعوا إلى الكتابة بالحرف اللاتيني حينًا وإلى العاميَّة حينًا آخر، أو الجمع بينهما أو تطوير اللغة سواء بإهمال الإعراب، أو التصرف فيها وتطويرها على نحو مِمَّا حدث للغة اللَّاتينيَّة، وذلك كله يهدف لما سبق ذكره.

وقد نبه الرافعي إلى حملة الاستعمار على اللغة العربيَّة بقوله: (لا جرم كانت لغة الأُمَّة هي الهدف الأول للمستعمرين؛ فلن يتحول الشعب أول ما يتحول إلَّا من لغته، إذ يكون منشأ التحول من أفكاره وعواطفه وآماله، وهو إذا انقطع من نسب لغته انقطع من نسب ماضية، ورجعت قوميته صورة محفوظة في التاريخ، لا صورة محققة في وجوده، فليس كاللغة نسب للعاطفة والفكر؛ حتى إن أبناء الأب الواحد لو اختلفت ألسنتهم فنشأ منهم ناشئ على لغة، ونشأ الثاني على الأخرى، والثالث على لغة ثالثة، لكانوا في العاطفة كأبناء ثلاثة آباء) .
ومِمَّا يؤكد اضطلاع الاستشراق بالأهداف الاستعمارية في إطار اللغة العربيَّة، وإسهام المستشرقين فيما فرضه الاستعمار من دعوات مضللة هدمت اللغة العربيَّة، وعملت على انحسارها من أرجاء العالم، واستبدلتها بالحروف اللاتينية أو اللغات واللهجات المحليَّة ما أبداه المستشرق الألماني (كامغماير) من سرور حينما رأى غياب السمت الإسلامي، وذهاب اللغة العربيَّة والحرف العربي من تركيا، فقال في شماتة واضحة : (إنَّ قراءة القرآن العربي، وكتب الشريعة الإسلاميَّة قد أصبحت الآن مستحيلة بعد استبدال الحروف اللاتينيَّة بالحروف العربيَّة) .

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*