موقف المستشرقين من تاريخ الإسلام وحضارته

موقف المستشرقين من تاريخ الإسلام وحضارته

موقف المستشرقين من تاريخ الإسلام وحضارته ، تَمَيَّز تاريخ الإسلام وحضارته بالتوازن بين الروح والمادَّة، والربط بين عالم الغيب والشهادة،

موقف المستشرقين من تاريخ الإسلام وحضارته

تَمَيَّز تاريخ الإسلام وحضارته بالتوازن بين الروح والمادَّة، والربط بين عالم الغيب والشهادة، ولذلك فإنَّ تفسير هذا التاريخ وحضارته لا يتأتى بتلك المناهج التي درج عليها بعض المستشرقين في تفسير التاريخ بعامة، وتاريخ الإسلام وحضارته بخاصَّة، فقد تجنَّى أولئك المستشرقون -في عامة دراساتهم- على ثوابت التاريخ الإسلامي، وفسروه تفسيرًا ماديًّا، أو قوميًّا، وكأنهم إزاء تاريخ الغرب وحضارته الماديَّة، بل درج بعضهم على تطبيق المنهج المعكوس في حق تاريخ الإسلام وحضارته ، فإذا كان يدرس تاريخ الديانة النصرانية في جوانبها الروحيَّة في طور تاريخي يركز على جانب الروح، طبَّق في حق تاريخ الإسلام وحضارته عكس هذا المنهج بما يظهر أنّ الإسلام ذو نزعة مادَّة شهوانية، وإذا حدث في طور آخر التركيز على الجانب المادي في بناء الحضارة، ودراسة مقوماتها، أبرز الإسلام وكأنَّه ذو نزعة روحية -فحسب- ولا يحفل بالجانب المادي في بناء الحضارة وتفسير التاريخ .

وقد نتج عن هذه المناهج القاصرة عن تفسير تاريخ الإسلام وحضارته تفسيرًا يتفق مع حقائقه، وما يصدر عنه من مبادئ وقيم، وأخلاق ومثل؛ نتج عن هذه المناهج مصادرة بطولات المسلمين، واستلاب حضارتهم، وتزييف تاريخ الإسلام وحضارته في معظم ما أنجزه المستشرقون من دراسات وصفيَّة أو نقدية لهذا التاريخ وحضارته .

وفي ضوء ما سلف بيانه -من دوافع الاستشراق ومظاهر نشاطه، وعلاقاته بدوائر العداء للإسلام- يتضح أن منهج المستشرقين في دراساتهم لتاريخ الإسلام وحضارته قد تأثر بالظروف التاريخية التي عاشها المستشرقون في مختلف مراحل حركتهم الاستشراقية وأطوارها.

ويتأكد أنَّ ذلك المنهج كان خاضعًا في مساره العام للكنيسة والتنصير ثمّ للاستعمار، ووقع في وقت مبكر في براثن الحركة الصهيونية، وانطلق كذلك من منطلقات عقدية وسياسية واقتصادية كان لها تأثير في مسار ذلك المنهج، وكانت سببًا في تجريمه ليس من قبل المفكرين المسلمين فحسب بل ومن المنصفين في الغرب ذاته وإن كان بعضهم يفرق بين الاستشراق اللاهوتي والاستشراق العلمي، ولكن مهما اختلف المنحى وتغير الأسلوب فإنَّ المنهج الاستشراقي لم يسلم أبدًا من كونه مجافيًا لما يقتضيه المنهج العلمي الصحيح من موضوعية وإنصاف وبعد عن التعصب ونوازع الأهواء.

ولمزيد الإيضاح والاستدلال يجري الحديث عن المنهج الاستشراقي في دراسة تاريخ الإسلام وحضارته في النقاط الآتية:

أولًا: نقد بعض المستشرقين للمنهج الاستشراقي:

درج المستشرقين في الأعم الأغلب على نقد من سبقهم من

المستشرقين بعامة ومستشرقي العصور الوسطى بخاصة، ومما يتناوله هذا النقد منهج أولئك المستشرقين في كثير مما تركوا من دراسات تتسم بالقصور في البحث أو عدم الاستيعاب أو مجانبته الصواب. . ومن ذلك ما يتصل بتاريخ الإسلام وحضارته، ويطلقون على ذلك مسمى الاستشراق اللّاهوتي، ومن النماذج التي تذكر في هذا الموضوع من آراء المستشرقين الناقدين ما يأتي:

أ- يقول أحد المستشرقين: (حقيقة إن العلماء ورجال اللاهوت في العصر الوسيط كانوا يتصلون بالمصادر الأولى في تعرفهم على الإسلام، وكانوا يتصلون بها على نطاق كبير، ولكن كل محاولة لتقييم هذه المصادر على نحو موضوعي نوعًا ما، كانت تصطدم بحكم سابق يتمثل في أن هذا الدين المعادي للمسيحية لا يُمكن أن يكون فيه خير، وهكذا كان الناس لا يولون تصديقهم إلَّا لتلك المعلومات التي تتفق مع هذا الرأي المتخذ من قبل، وكانوا يتلقفون بنهم كل الأخبار التي تلوح مسيئة إلى النبي العربي أو دين الإسلام) .

ب- ويقول مستشرق آخر: (. . . توجد جماعة يسمون أنفسهم مستشرقين سخروا معلوماتهم عن الإسلام وتاريخه في سبيل مكافحة الإسلام والمسلمين، وهذا واقع مؤلم لا بد أن يعترف به المستشرقون المخلصون لرسالتهم بكل صراحة) .

ج- ويقول (ساذرن) عن المنهج الاستشراقي في العصور الوسطى ويطلق عليها اسم عصر الجهالة: (إن الشيء الوحيد الذي يجب أن لا نتوقع وجوده في تلك العصور هو الروح المتحررة الأكاديمية، أو البحث الإنساني الذي يتميز به الكثير من البحوث التي تناولت الإسلام في المئة سنة الأخيرة) .

د- ويقول (مونتجمري وات): (منذُ القرن الثامن عشر جد الباحثون من أجل تقديم الصورة المشوهة التي تولدت في أوروبا للإسلام، ولكن رغم الجهد العلمي المبذول فإنَّ آثار الموقف المجافي للحقيقة والتي ولدتها كتابات القرون الوسطى في أوروبا لا زالت قائمة، فالبحوث والدراسات الموضوعية لم تقدر بعد على اجتثاثها كليّا) .

هـ – ويقول مستشرق آخر: (على الرغم من المحاولات الجدية المخلصة التي بذلها بعض الباحثين في العصور الحديثة للتحرر من المواقف التقليدية للكتاب المسيحيين من الإسلام؛ فإنهم لم يتمكنوا أن يتجردوا كليًّا عنها كما يتوهمون) .

و- وعن رسوخ النزعة المعادية للإسلام في صفوف المستشرقين وعبر طبقاتهم يقول أحد المستشرقين: (ولقد قامت في صفوفهم في السنوات الأخيرة محاولة إيجابية تحاول النفاذ بصدق وإخلاص إلى أعماق الفكر الديني للمسلمين، بدل السطحية الفاضحة التي صبغت دراساتهم السابقة، ولكن (على الرغم) من ذلك فإنّ التأثر بالأحكام التي صدرت مسبقًا على الإسلام والتي اتخذت (صورة تقليد منهجي) في الغرب لا زال قويًّا في بحوثهم ولا يُمكن (إغفالها) في أيّة دراسة لهم عن الإسلام) .

ز- ويقول مستشرق آخر: (لا تزال آثار التعصب الديني الغربي ظاهرة في مؤلفات عدد من العلماء المعاصرين، ومستترة في الغالب وراء الحواشي المرصوصة في الأبحاث العلمية) .

هذه نماذج للنقد الذي وجهه بعض المستشرقين للمنهج الاستشراقي في دراسته للإسلام، وهي تبين في جلاء إخفاق ذلك المنهج ومجافاته للمنهج العلمي الرصين، ولعل سائلًا يسأل، ألم يصحح هذا المنهج على أيدي هؤلاء الناقدين من المستشرقين؟.

ولعل الجواب على هذا السؤال ما قاله أحد الباحثين: (إنَّ الدارس المتصف بشيء من العلمية الحيادية ليدهش إذا دفع بأنفه في خضم الدراسات الاستشراقية المعاصرة في الإسلام وما يتصل به عندهم. . وهكذا يبدو أن ازدياد المعرفة لم يقطع سوى خطوات محدودة لتبديد ما تراكم عبر القرون من موروثات متراكمة في نفسية المستشرق. . إنهم لم يحاولوا بالرغم من معرفتهم هذه أن يتخطوا الحواجز النفسية المتراكمة حتى يطلعوا بجديد لم يقله أجدادهم. . فإن الباحث يردد الآراء المعروفة والصور المألوفة بمشاعر المغير على ما لا يملك، والفخور بالاكتشاف الجديد، وهو بعد ذلك يلبس القديم ثوبًا جديدًا يشف عن طويته) .

 

ثانيًا: نقد بعض المفكرين والباحثين من العرب والمسلمين للمنهج الاستشراقي:

توافر عدد من المفكرين والباحثين من العرب والمسلمين على نقد

الاستشراق ودراسة تاريخه في جذوره البعيدة، وحاضره المشاهد، وعلائقه وصلاته، ووصل بعضهم إلى نتائج حاسمة في الحكم على منهجه (وبيان أخطائه وخياناته العلميّة، والكشف عن مقدماته ونتائجه الفاسدة، إلّا أن هذه الدراسات وإن لم ترتفع بعد إلى المستوى الذي يستطيع إلحاق الهزيمة النهائية بعالم الاستشراق؛ فقد كان له أثر لا ينكر في توجيه الأنظار بصورة عامَّة إلى منهجه الفاسد في دراسة الإسلام وحضارته وتاريخه وفضح نوازعه السيئة والكشف عن أهدافه، وتعد هذه الدراسات النقدية بداية طيبة لعمل كبير في هذا المضمار؛ لأن دراسات المستشرقين -كما سبق- من الكثرة والتنوع والذكاء في المعالجة بحيث تحتاج إلى جهود) كبيرة جدًّا.

من أولئك الباحثين: مصطفى السباعي، وعمر فروخ، وعبد اللطيف الطيباوي، ومالك بن نبي، وإدوار سعيد، ومحمود حمدي زقزوق، ومحسن عبد الحميد، وعماد الدين خليل، ومحمد البهي، وقاسم السامرائي، ومحمد عبد اللَّه مليباري، وعلي النملة، وآخرون.

 

وفيما يأتي نماذج من تلك النتائج التي خلص إليها هؤلاء الباحثون:

أ- لعل من أبرز تلك الدراسات في نقد المنهج الاستشراقي الدراسة التي أنجزها (إدوارد سعيد) وقال عنها محسن عبد الحميد: (من بين عشرات الكتب والدراسات والمقالات التي قرأتها حول الاستشراق. . الدراسة النفسية التي كتبها الدكتور إدوارد سعيد حول الاستشراق بمنهج علمي حيادي صارم) .
فتعد دراسة (إدوارد سعيد) عن الاستشراق كما ذكر محسن عبد الحميد ذات (منهج علمي حيادي وثائقي صارم) في تعرية المنهج الاستشراقي، وكشف زيفه، وربطه بالعنصرية الغربية ضد الشرق بعامة، والإسلام والمسلمين والعرب بصفة خاصة.

ومما ذكره في ذلك أن المستشرقين انتهجوا في دراستهم للإسلام منهجًا يستجيب للمراحل التاريخية التي مرَّ بها الغرب في علاقته بالشرق والإسلام ، وأنهم عمدوا إلى تطبيق المقاييس النصرانية على الدين الإسلامي .
وبعبارة مجملة فإنَّ كتاب إدوارد سعيد عن الاستشراق (الاستشراق: المعرفة، السلطة، الإنشاء) كان بمثابة الإعلان عن هزيمة المنهج الاستشراقي هزيمة علميَّة منهجية ، فقد دلَّل مؤلفه بطرق شتى على أن مهمة الاستشراق في تاريخه الطويل هي إنتاج العالم الإسلامي إنتاجًا آخر من شأنه تحقيق تبعيته للغرب ودوام انقياده لفكره وحضارته وثقافته . . . ويتضح ذلك في كثير مما أورده في هذا الجانب مثل ما يأتي:

– (لقد استجاب الاستشراق للثقافة التي أنتجته -الثقافة الغربية- أكثر مما استجاب لموضوعه المزعوم) .

– (إذا كان جوهر الاستشراق هو التمييز الذي يستحيل اجتثاثه بين الفوقية الغربية والدونية الشرقية، فإنَّ علينا أن نكون على استعداد لنلاحظ كيف أن الاستشراق في تناميه وفي تاريخه اللاحق قد عمَّق هذا التميُّز، بل أعطاه أيضًا صلابة وثباتًا) .

– يعد كتاب (بارتلمي ديربيلو: المكتبة الشرقية، الذي طبع عام 1697 م، بعد وفاته مع مقدمة لأنطوان غالان، المرجع الرئيسي السائد في أوروبا حتى أوائل القرن التاسع عشر. . . وقد قسم هذا الكتاب التاريخ إلى نوعين: مقدس، ومدنس) ، وكان اليهود والمسيحيون في (النوع الأول، والمسلمون في النوع الثاني) ، ويعدُّ هذا الكتاب -كما ذكر بعض المؤرخين- (الأب الأول لدائرة المعارف الإسلاميَّة الحديثة) .

– (لقد كان أحد الضوابط المقيدة التي أثرت على المفكرين المسيحيين الذين حاولوا فهم الإسلام ينبع من عملية قياسية، ما دام المسيح هو أساس العقيدة المسيحية، فقد افترض -بطريقة خاطئة تمامًا- أن محمدًا كان للإسلام ما كان المسيح للمسيحية، ومن ثمّ إطلاق التسمية “المحمدية” على الإسلام) ، وإنّ مما يترتب على هذا الخطأ العلمي والمنهجي الذي وضحَّه (إدوارد سعيد) هو نسبة النصرانية إلى الإله، وعلى هذا تكون ديانة سماوية؛ لأن المسيح جزءٌ -في معتقداتهم- من الإله، فالنصرانية بناءً على هذا تعد ديانة إلهية سماوية، أمَّا عندما ينسب الإسلام إلى محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- فليس يعني ذلك في مفهومهم إلَّا أن الإسلام دين بشري من صنع محمد وليس من عند اللَّه.

ومن أبرز ما ترمي إليه هذه المغالطة أن الدين الجدير بالنشر والعلو والسيادة هو الدين السماوي، وهو -في تصورهم- النصرانية (المسيحية) وليس الإسلام، وقد أصبح هذا التلبيس والخلط الذي يعمد إليه المنهج الاستشراقي، ويستثمره الغرب بمثابة منهج تربوي مؤثر في الأجيال الغربية، يقول (مورشى بوكاي): (لا أنكر تأثير التعاليم التي تلقيتها في شبابي، حيث لم تكن الأغلبية تتحدث عن الإسلام وإنّما عن المحمديين، لتأكيد الإشارة إلى أن (هذا) الدين أسسه رجل، وبالتالي فهو ليس بدين سماوي فلا قيمة له عند اللَّه، وكان أن أظل محتفظًا كالكثيرين بتلك الأفكار الخاطئة عن الإسلام، وهي شديدة الانتشار) .

– يقول إدوارد سعيد -أيضًا-: (والمستشرق إلى حد بعيد يزود مجتمعه بتمثيلات للشرق:

1 – تحمل طابعه المميز الخاص.

2 – توضح تصوره لما يُمكن للشرق أو ينبغي له أن يكون.

3 – تتحدى تحديًا واعيًا وجهة نظر إنسان آخر إلى الشرق.

4 – تزود الإنشاء الاستشراقي بما يبدو، في تلك اللحظة، بأمسّ الحاجة إليه.

5 – تستجيب لمتطلبات معينة ثقافية، ومهنية، وقومية، وسياسية، واقتصادية تفرضها الحقبة التاريخية) .

ب- وفي دراسة محمود حمدي زقزوق للاستشراق في كتابه: (الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري) بيان لما في المنهج الاستشراقي من الانحرافات عندما يدرس تاريخ الإسلام وحضارته بصفة خاصة، (في حين أنهم عندما يكتبون عن ديانات وضعية مثل البوذية والهندوكية وغيرهما يكونون موضوعيين في عرضهم لهذه الأديان، فالإِسلام فقط من بين كل الديانات التي ظهرت في الشرق والغرب هو الذي يهاجم، والمسلمون فقط من بين الشرقيين جميعًا هم الذين يوصمون بشتى الأوصاف الدنيئة) .

وتحت عنوان: منهج المستشرقين ناقش مقولة (رودي بارت) في المنهج الاستشراقي، ومما جاء فيها: (. . . ونحن بطبيعة الحال لا نأخذ كل شيء ترويه المصادر على عواهنه دون أن نعمل فيه النظر، بل نقيم وزنًا فحسب لما يثبت أمام النقد التاريخي. . . أو يبدو وكأنه يثبت أمامه، ونحن في هذا نطبق على الإسلام وتاريخه وعلى المؤلفات العربيَّة التي نشتغل بها المعيار النقدي نفسه الذي نطبقه على تاريخ الفكر عندنا وعلى المصادر المدونة لعالمنا نحن) ، وعقبت الدراسة على هذه المقولة بما ذكره أحد المفكرين في مناقشته المنهج الاستشراقي وعمل المستشرقين إذ قال: (فالقوم يدرسون العلوم الإسلاميَّة العربيَّة، ويضعون نظريات ويكونون آراء في أثناء ما يقومون به من دراسات، ويهتمون بتقديم أدلة وأسانيد لهذه الآراء والنظريات، يستمدونها من المراجع الإسلاميَّة نفسها، وهذا العمل في ظاهره عمل سليم، ولكن الفحص الدقيق أثبت أن كثيرًا منه مصنوع، وكثيرًا ما يكون الدافع إليه الرغبة في التجريح، وتوهين العقيدة الدينية والشريعة الإسلاميَّة) .

وأورد في مناقشته مثالًا يبين تحامل المنهج الاستشراقي على الإسلام وتاريخه بما يخالف المنهج العلمي في المنطلق والغاية والمثال هو منهج (جاستون فييت) في كتابه (مجد الإسلام) وفيه يعرض تاريخ الإسلام من خلال (صفحات مختارة من أقوال المؤرخين والكتاب المعاصرين لكل فترة من فترات هذا التاريخ) .

والكتاب ينضح بالحقد والطعن في تاريخ الإسلام وحضارته؛ (لأن (جاستون فييت) اختار-فقط- النصوص التي تتفق مع الاتجاه الذي اختاره هو سلفًا، وهو اتجاه يتسم بالعداء والكراهية للإسلام والمسلمين) .

وتؤكد دراسة محمود حمدي زقزوق عدم صلة هذا المنهج بالمنهج العلمي النزيه، فالواقع أنه (ليس من العلم في شيء، وإنَّما هو انحراف عن المنهج العلمي السليم. . وهذا الانحراف طابع الكثير من الدراسات الاستشراقية حول الإسلام) .

إنَّ المتأمل في مقولة (بارت) وما كتبه (جاستون فييت) في كتابه (مجد الإسلام) لا يسعه إلَّا أن يسجل على المنهج الاستشراقي مأخذين في غاية الأهمية:

أحدهما: إنّ المنهج النقدي الذي يذكر (بارت) بأن المستشرقين يطبقونه على تاريخ الغرب وعلومه لا يصلح أن يطبق على الإسلام وتاريخه؛ لاختلاف المنطلقات والغايات، ومصادر المعرفة، وتباين البيئات.

والآخر: إنّ ما عمد إليه (جاستون فييت) في كتابه (مجد الإسلام) يعد منهجًا اختياريًّا انتقائيًّا تحكمه الأهواء والأغراض والمصالح، وهذا لا يمت إلى المنهج العلمي بصلة، وقد درج على مثل هذا المنهج الزائغ كثيرٌ من المستشرقين، كما أشار إلى ذلك (رودنسون) في قوله: (ولم ير المستشرقون في الشرق إلَّا ما كانوا يريدون رؤيته، فاهتموا كثيرًا بالأشياء الصغيرة والغريبة) ، وقال أيضًا: (حين كان الغربيون يذهبون إلى الشرق كانت تلك (أي: صورة المشوهة للشرق) هي الصورة التي يبحثون عنها، فينتقون ما يرونه بعناية، ويتجاهلون كل ما لا تنسجم مع الصورة التي كونوها سابقًا) .

ويصل الباحث في نهاية دراسته لما يتصف به المنهج الاستشراقي إلى القول: (إنَّ الإسلام الذي يعوضه هؤلاء المستشرقون -المتحاملون على الإسلام- في كتبهم هو إسلام من اختراعهم، وهو بالطبع ليس الإسلام الذي ندين به، كما أن محمدًا الذي يصورونه في مؤلفاتهم ليس هو محمد الذي نؤمن برسالته، وإنَّما هو شخص آخر من نسج خيالهم، وهكذا يُمكن القول بأن الاستشراق -في دراسته للإسلام- ليس علمًا بأي مقياس علمي، وإنَّما هو عبارة عن إيديولوجية خاصة يراد من خلالها ترويج تصورات معينة عن الإسلام، بصرف النظر عما إذا كانت هذه التصورات قائمة على حقائق، أو مرتكزة على أوهام وافتراءات) .

وفي موضع آخر يقول: (نحن نرفض -ومعنا الحق- منهج المستشرقين في دراسة الإسلام؛ لأنه منهج مصطنع جاء وليد اللاهوت الأوروبي؛ ولأنّه منهج يقصر عن فهم طبيعة الأديان السماوية، ويحاول أن يضعها في سعيد واحد مع الاتجاهات الفكرية الإنسانية) .

ج- وإذا كانت دراسة إدوارد سعيد قد تناولت الاستشراق بشكل شمولي، وكشفت أن (الاستشراق كان -جوهريًا- مذهبًا سياسيًّا مورس إراديًّا على الشرق. .) فإن دراسة محمود حمدي زقزوق في تناولها منهج المستشرقين وتاريخهم خلصت إلى هذه النتيجة نفسها، وهي أن الاستشراق في حقيقته لم ينفصل عن مبادئ السياسة الغربية وأهدافها على اختلاف نزعاتها ومذاهبها، وتؤكد هذه الحقيقة جُلُّ الدراسات التي تناولت منهج المستشرقين في كتابة التاريخ الإسلامي أو كتابة السنة النبوية أو سيرة المصطفى -صلى اللَّه عليه وسلم- ونحو ذلك من الدراسات في كل ما يتعلق بالإِسلام والمسلمين، ويكشف ذلك كثير من الدراسات التي ركزت على نقد منهجية مستشرق بعينه أو صنف من المستشرقين حسب جنسياتهم، أو فتراتهم التاريخية، أو انتماءاتهم العقيدية والسياسية، فهذه الدراسات على اختلاف موضوعاتها ودارسيها من المستشرقين تبين قدرًا مشتركًا من منهجهم حينما يكتبون عن الإسلام وعلومه وتاريخ أمته يتفق مع ما توصل إليه الناقدون من العرب والمسلمين.

ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره عماد الدين خليل في نقده لمنهج المستشرق البريطاني المعاصر (مونتكمري وات) في دراسة السيرة النبوية، فهو يقول:

(نعم. . ثمة فرق بين مستشرق وآخر. . . ونحن إذا قارنا (وات) بـ (لامانس) مثلًا أو حتى بـ (فلهوزن)، وجدنا هوة واسعة تفصل بين الرجلين. . يقترب أولهما حتى ليبدو أشد إخلاصًا لمقولات السيرة من أبناء المسلمين أنفسهم. . ويبَعد ثانيهما حتى ليبدو شتامًا لعانًا وليس باحثًا جادًّا يستحق الاحترام، ومع ذلك فهو فرق في الدرجة وليس في النوع) .

ويبدو أن الناقد اختار (مونتغمري وات) في بحثه؛ لأنه -كما يرى- أكثر المستشرقين حيادية ، فقد خلص مع ذلك إلى النتيجة الآتية: (فإذا بنا نقف على بعض جوانب الخلل في منهج العمل. . نزعة نقدية مبالغ فيها تصل إلى حد النفي الكيفي، وإثارة الشك حتى في بعض المسلمات، تقابلها نزعة افتراضية تثبت بصيغة الجزم والتأكيد ما هو مشكوك بوقوعه أساسًا. . . وإسقاط للتأثيرات البيئية المعاصرة، وإعمال للمنطق الوضعي في واقعة تكاد تستعصي على مقولات البيئة وتعليلات العقل الخالص) .

 

ثالثًا: نماذج لأهم القضايا التي تطرقت إليها دراسات المستشرقين لتاريخ الإسلام وحضارته:

تناول البحث في النقطتين السابقتين الإطار العام لمناهج المستشرقين في دراسة تاريخ الإسلام وحضارته، ويتناول البحث هنا بعض ما ركز عليه المستشرقون -المعادون للإسلام- في دراستهم للتاريخ من نماذج لما شوهوه وزيفوه وعرضوه بطريقة لا تتفق وتَميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة؛ إدراكًا منهم أنّ (للتاريخ أهميَّة عظمى في بناء الأمم، والمحافظة على هويتها وشخصيتها، بل على قوتها، وقدرتها على الشموخ، والاستطالة، والاستمرار، فهو جذور الأُمَّة التي تضرب بها في الأعماق، فلا تعصف بها الأنواء ولا تزلزلها الأعاصير، ولا يفتنها الأعداء. . وهو ذاكرة الأُمَّة. . بها تعي الأُمَّة ماضيها، وتفسر حاضرها، وتستشرف مستقبلها) .

 

ومن أهم القضايا التي تطرقت إليها دراسات المستشرقين في هذا الإطار الآتي:

1 – الدعوة والجهاد.

2 – العادات والتقاليد.

3 – الجانب السياسي والحضاري من تاريخ الأُمَّة الإسلاميَّة.

1 – الدعوة والجهاد:

فأمَّا الدعوة والجهاد، فتتأرجح دراسات المستشرقين في هذا المجال

من مجالات تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة بين مسلكين متعارضين، يصدران معًا عن نوايا سيئة، ومقاصد ماكرة؛ فمن نماذج أحد المسلكين أنَّ معظم كتابات المستشرقين تركز على انتشار الإسلام بالسيف، وتروج دوائر العداء للإسلام لهذه المقولة خشية أن يجتاح الإسلام العالم -كما يظنون-، ولتبرير ما ينادون به، ويحرصون عليه من القضاء على المسلمين بالقوة وجعلهم ضعفاء عاجزين لا يقدرون على مواجهة أي قوة تعاديهم، أو تتربص بهم.

ومِمَّا يدل على المسلك الثاني؛ المخالف للمسلك الأول: محاولتهم مداهنة المسلمين، وتحذيرهم بإظهار الكتابات أن الإسلام انتشر بالدعوة والقدوة الحسنة وقوة الأخلاق الإسلاميَّة، وهذه الكتابات -أيضًا- كانت تخدم دوائر العداء للإسلام، بشكل آخر، وقد ثبت أنَّ الاستعمار كان يؤيد مثل هذه الدراسات من أجل كبح جماح المسلمين من مجاهدته، وليستسلموا للواقع المفروض، ولئلا يعودوا لروح الجهاد التي تُعَدّ وسيلة لتحقيق تميُّز الأُمة بأنَّها ذات رسالة، وأنها شاهدة على الناس، وأنَّ مهمتها أن يكون الدين كله للَّه، وعن طريق الجهاد يُمكنها تبليغ دعوة ربها، وبه تستطيع إزالة العوائق وتحطيم الحواجز، وهي في هذا وذاك مرتبطة بقيم الحق والعدل والرحمة والإحسان.

أمّا دعوى انتشار الإسلام بالسيف فهي دعوى قديمة جدّدها المستشرقون المعادون للإسلام، و (جاءت الكتب والمؤلفات والبحوث الحديثة التي صدرت في الغرب عن الإسلام -باستثناء قلّة مِمَّا كتبه المنصفون- لا تختلف في روحها ومادتها ونظرتها إلى الإسلام، عمَّا كتبه السابقون. . يقول (بيكر) في موسوعة تاريخ (كمبردج) عن العصور الوسطى ما نصه: (نظرت العصور الوسطى إلى القطيعة بين أوروبا المسيحية والشرق الإسلامي من زاوية واحدة، تعبر عن وجهة نظر كنسية؛ استهدفت حجب الحقيقة التاريخية، وإسدال ستار مظلم عليها، وأوضح ما يعبر عن وجهة النظر هذه -التي ما زالت سائدة بين المثقفين اليوم- تلك المعلومة التي ما زالت حيَّة قائمة على الوجه الآتي: خرجت جموع العرب تحت تأثير الحماسة التي بعثها فيهم نبيهم، لينقضوا على الشعوب المسيحيَّة، ويفرضوا عليها الدخول في الإسلام بحد السيف، وهكذا انفرط عقد الحضارة القديمة، وتمزقت أوروبا، وحلت حضارة جديدة تعهدها العرب محل الحضارة المسيحية السابقة، وبذلك وقفت البلاد الشرقية والغربية على طرفي نقيض وجهًا لوجهه). . . .) .

والحقيقة أنَّ الفتوحات الإسلاميَّة وانتشار الإسلام بالصورة التي حدثت في تاريخ البشرية، وكانت على غير مثال سابق بهرت الغرب في تاريخه القديم والحديث، وكانوا مشدودين إلى ذلك بدوافع وأهداف مختلفة (سبق ذكرها)، وفي هذا السياق توافر عدد كبير من المستشرقين لدراسة هذه الظاهرة التاريخيَّة وتحليلها، وصنفوا [مؤلفات عديدة عن تاريخ سكان البلدان التي فتحها المسلمون، فدرسوا أحوالها السياسية والإدارية والاجتماعية، لتفسير بعض شؤون الفتح، كما درسوا ثقافاتها لتبيان الصلات بينها وبين ما أخذه الفاتحون عنها، وقد تناولوا الفتح جملة وتفصيلًا من الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية حتى الشرق الأقصى، وإفريقية، والأندلس، وفرنسا، وإيطاليا، وصقليَّة، وقد درسوا أثر ذلك الفتح في الحملات الصليبيَّة، والإمبراطوريَّة المغولية، والسلطنة العثمانية، وطرق التجارة؛ ومن الذين كتبوا في هذا الموضوع (بيكر): “تاريخ العصر الوسيط)، و (كيتاني): (حوليات الإسلام)، وقد أنفق على ثلاث بعثات إلى مواقع الفتح لرسمها جغرافيًّا (وطبوغرافيًّا)، وجمع المصادر من اللاتينية، والسريانية، والعربيَّة، ومنهم (دغوية): (فتح سورية) و (ميادنيكوف): (فلسطين منذ الفتح العربي حتى الحروب الصليبية)، و (بتلر) في: (فتح العرب لمصر)، كما كتب (فلهوزن) عن: (الفتوح في إيران)، و (لوران) عن: (الفتوح في أرمينيَّة)، و (بارتولد)، عن: (الفتوح في آسيا الوسطى)، و (جاتو)، عن (الفتوح في إفريقية والأندلس)، و (جون جلوب): (الفتوحات العربيَّة الكبرى)، وكتب (فايل)، “تاريخ الشعوب الإسلاميَّة من النبي محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى سليم الأول (العثماني)، و (بروكلمان): (تاريخ الشعوب الإسلاميَّة)، تناول فيه تاريخ المسلمين منذ أقدم العصور إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى. . .، كما كتب (برنارد لويس): (العرب في التاريخ)، و (لو لفريد كانتويل سميث): (الإسلام في التاريخ الحديث)، و (هاملتون حبيب، وآخرون): (الشرق الأدنى الإسلامي)] .

ومِمَّا لا ريب فيه أنَّ المناهج التي سلكها هؤلاء المستشرقون في كتاباتهم عن تاريخ الأُمَّة الإسلاميَّة وحضارتها متنوعة من حيث أساليب المعالجة والتناول، ومن حيث المنطلقات والغايات، ومهما يكن الأمر في ذلك فإنَّ القدر المشترك بين تلك الدراسات كما أظهره الباحثون يُمكن أن يلخص في جانبين، هما:

أ- تبدأ الدراسات التاريخية لدى هؤلاء المستشرقين (في كثير من الأحيان بالافتراض التقليدي أن الإسلام يتكون من ألوان مختلفة من التأثيرات الأجنبية التي لو دققت فسوف تفسر. . . ذلك السر الغامض الذي ينسبه الغربيون إلى الإسلام) .

وهذا ينفي تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة من حيث مقومات تميزها وخصائصه، ويفسر الفتوحات الإسلاميَّة وانتشار الإسلام، (تفسيرًا ماديًّا يُبْنَى على الدوافع الاقتصادية أو الاجتماعية، ويتجاهل الدافع الديني على الرغم كان أهميته وخصوصيته في التاريخ الإسلامي، ولم يسلم من ذلك المعتدلون منهم. . . والقول في الإسلام بما هو (منه) براء، مثل ادعاء بعضهم أن الإسلام، انتشر بعد السيف، وعدم تسامح المسلمين) .

ب- يحاول هؤلاء المستشرقون ردّ الفتوحات الإسلاميَّة وانتشار الإسلام إضافة إلى ما يزعمونه من (روح الاعتداء التي كانت سمة من سمات البدو من الأعراب -على حد تعبيرهم- إلى الانحلال الاجتماعي الذي كانت تعاني منه المجتمعات التي قبلت الإسلام وما كان يسود الجيوش الإسلاميَّة من حالة نفسية، أو العوامل التاريخية التي استمرت تعمل منذ وقت طويل؛ مثل: عواقب الصراع بين الإمبراطوريات الساسانية والبيزنطية، أو عدم الاستقرار الداخلي لمملكة القوط في إسبانية) .

أمَّا إبراز جانب الدعوة في الإسلام فقد جاء بوضوح شديد في كتاب (الدعوة إلى الإسلام: لسير توماس آرنولد)، وقد أنصف الإسلام في كثير من القضايا التي ناقشها، وأثبت أنَّ الإسلام انتشر بالدعوة، وأن عقيدته (تلتزم التسامح وحريَّة الحياة الدينيَّة لجميع أتباع الديانات الأخرى، أولئك الذين يؤدون الجزية كفاء حمايتهم، وعلى الرغم من أن صفحات التاريخ الإسلامي قد تلوثت بدماء كثير من الاضطهادات القاسية!!، (فقد) ظل الكفار، على وجه الإجمال، ينعمون في ظل الحكم الإسلامي بدرجة من التسامح لم نكن نجد لها مثيلًا في أوروبا حتى عصور حديثة جدًّا، وإن التحويل إلى الإسلام (عن) طريق الإكراه محرم، طبقًا لتعاليم القرآن: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256] , {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [يونس: 99، 100] وإن مجرد وجود كثير جدًّا من الفرق والجماعات المسيحية في الأقطار التي ظلت قرونًا في ظل الحكم الإسلامي، لدليل ثابت على ذلك التسامح، الذي نعم به هؤلاء المسيحيون، كما يدل على أنَّ الاضطهادات التي كانوا يَدَّعُون معاناتها بأيدي الطغاة والمتعصبين، إنَّما كانت ناتجة من بعض ظروف خاصَّة وإقليمية، أكثر من أن تكون منبعثة عن مبدأ مقرر من التعصب) .

وعلى الرغم من ذلك فإنَّ المناخ الفكري الذي ظهر فيه كتاب (الدعوة إلى الإسلام لسير توماس أرنولد)، يؤكد أنَّ إظهار جانب الدعوة في انتشار الإسلام، وإضعاف جانب الجهاد، كان يحقق للمستعمرين أهدافًا ضد الأُمَّة الإسلاميَّة، وينال من سيادتها وهويتها المتميِّزة، فقد ظهر هذا الكتاب (في سنة 1896 م،. . . . وقبل ذلك بثماني سنوات، كان قد ترك (كمبردج) ليشغل منصبًا في الكلية الإِنجليزية الإسلاميَّة في عليكرة. . . وكانت قد تأسست حديثًا. . . وهنا وضع خطّة هذا الكتاب. . . وقد أوتي (أرنولد) موهبة لا تنكر، وكان مِمَّا جرى عليه في معظم أيام حياته، جمعه بين التوافر على الأعمال الإدارية والغيرة على البحث) ، وبغض النظر عن نيَّة (أرنولد) إن كانت حسنة أو غير حسنة فإنَّ المناخ الفكري لظهور كتابه صاحب (مظهرًا فكريًّا تبناه الإِنجليز لمصلحة الاستعمار الغربي) .

وقد تحدث المفكرون والباحثون عن علاقة الاستشراق بالاستعمار وعلاقتهما بالقاديانية والأحمدية، وأنهما (غرس غرسته الحكومة الإِنجليزية) -كما نقل عن القادياني-؛ وأنَّه (كتب ذلك في التماسه الذي قدمه إلى حاكم مقاطعة البنجاب الإِنجليزي في 14 فبراير سنة 1898 م، وجاء نصه في كتاب: (تبليغ رسالته) من المجلد السابع لمير قاسم علي القادياني، وقد ذكر في مؤلفاته بكل صراحة ما يدين به للحكومة الإِنجليزية من الولاء والوفاء، وما قدم لها من خدمة مشكورة، وترجمته: “لقد قضيتُ معظم عمري في تأييد الحكومة الإِنجليزية ونصرتها، وقد ألفت في منع الجهاد ووجوب طاعة أولي الأمر الإِنجليز من الكتب والنشرات ما لو جمع بعضه إلى بعض لملأ خمسين خزانة، وقد نشرت جميع هذه الكتب في البلاد العربيَّة، ومصر، والشام، وكابل”. . . . وبقيت طائفة القاديانية في عهد مؤسسها وبعده معتزلة جميع الحركات الوطنيَّة، وحركة التحرير والجلاء في شبه القارة الهندية، واتخذت موقف الصمت إزاء كل ما أصاب العالم الإسلامي من رزايا ونكبات على يد المستعمرين الأوروبيين وعلى رأسهم الإِنجليز، واشتغلت وشغلت الناس بإثارة المجادلات حول موت السيد المسيح وحياته ونزوله، ونبوة ميرزا غلام أحمد ونحو ذلك، مِمَّا لا اتصال له بالحياة العامَّة، وقضايا الأُمَّة الإسلاميَّة) .

ومِمَّا يؤكد هذا الاتجاه الاستشراقي الذي أظهر جانب الدعوة والتسامح، ومبدأ طاعة ولاة الأمر في الإسلام، في وقت ترزح فيه كثير من أوطان المسلمين تحت نير الاستعمار الغربي، وما يهدف إليه ويعمل عليه من السيطرة على الأُمَّة الإسلاميَّة، والنيل من سيادتها، وتَمَيُّز شخصيتها، ما أورده بعض الكتاب عن رحلة مستشرق فرنسي أعلن إسلامه، ودخل مكة في هيئة معتمر، إبَّان الاستعمار الفرنسي للجزائر، وكان من مقاصده -كما ذكر-: (. . . أن يتحقق من صحة فتوى إطاعة الجزائريين للسلطات الفرنسية) ، وقد نسب نقل هذه الفتوى إلى المفتي المالكي محمد عابد ابن الشيخ حسين مفتي المالكية بمكة المكرمة، وادعى المستشرق الفرنسي (جيل جيرفيه – كورتلمان) أنَّ هدفه من رحلته التحقق من هذه الفتوى ، وأشار الباحث الذي روى خبر تلك الرحلة أن (كورتلمان)؛ (في لقائه مع كبار رجال الدين إنَّما كان يؤدي مهمة رسمية، إذ أنه عند عودته إلى فرنسا بعد أداء فريضة العمرة والتجول في أرض الحجاز منح وسام (جوقة الشرق)، وجاء في الأسباب الموجبة منحه الوسام، أنه كلف بمهمة رسمية في شبه الجزيرة العربيَّة، تمكن من تأديتها برغم الظروف الصعبة بفضل شجاعته وفطنته، وأنَّه عاد من رحلته إلى مكة بوثائق ومعلومات هامَّة، فما هي هذه المعلومات والوثائق؟ هنا تكشف الوثائق في المحفوظات الرسمية الفرنسية أن الحاكم الفرنسي العام في الجزائر تلقى من الكاتب تقريرًا يؤكد أن الفتوى التي حملها الحاج (عقلي) في العام 1893 م، هي فتوى حقيقية غير مزيفة) .

2 – العادات والتقاليد:

إذا كان من وسائل تحقيق تميّز الأُمَّة الإسلاميَّة؛ النهي عن تقليد غيرهم في العادات والتقاليد، بدءًا بالآداب العامَّة والأعياد، والشعائر الظاهرة، وانتهاءً بالملابس، والمظاهر العامَّة على صعيد الأفراد والمجتمع، فإنَّ ما ورد في ذلك من الآيات والأحاديث، وأقوال العلماء، وما درج عليه سلف الأُمَّة الصالح، مستفيض جدًّا، (سبق تناول طرف منه) ، ولكن المستشرقين دخلوا في هذه الجوانب بأساليب شتى حتى لا تكاد أي جزئية من جزئيات مظاهر حياة المسلمين الاجتماعية، وتقاليدها وعاداتها، وأنماط سلوك المسلمين في أوضاعهم العامَّة والخاصَّة وسائر أحوالهم تخلو من تدخل المستشرقين فيها بالطعن والتشويه والذم والافتراء، وكل ما يتسم في عمومه بالحقد والعداء، وهم لا يفتؤون دائمًا من محاولة توجيه ذلك كله بما يضعف من شأن هذه الأُمَّة، والاستهانة بها، ويذهب تَمَيُّزَها، ومِمَّا لا يخفى أن الاستشراق في مساره العام وفي قمَّة ازدهاره الذي امتد إلى نهاية النصف الأول من القرن العشرين (كان يترجم المؤلفات الإسلاميَّة ليقدمها إلى مفكريه الماديين، و (الإكليروسيين) ممهدًا لهم بها طريق مناقشة تلك المترجمات على ضوء الوقائع الفكرية والدينية والتاريخية التي يعيشونها، (بهدف) النيل منها بمناقشات تبدو في مظهر موضوعي، وكان هذا الاستشراق يكتب في كل المجالات الإسلاميَّة ابتداءً من التوحيد باللَّه، وانتهاء بالملابس والأزياء في الشعوب الإسلاميَّة، ولكنه يحاول في كل ما يكتب أن يدس ويشكك ويشوه، فالثوب العربي، والعباءة العربيَّة هي في نظره من معوقات الحضارة التي لا تساعد على العمل الجاد المضني، والصناعي، والتجاري) .

ثُمَّ إنَّهم من ناحية أخرى يتخذون أسلوب (الاستطالة على التراث الإسلامي، وقيمه الدينية، والعلمية، والأدبية، وذلك بدعوى إعادتها إلى جذور تتصل بتراثهم هم!. .، وبهذه الاستطالة المتجنية على الحقائق، مزق الغرب خوفه من تأثير الفكر الإسلامي عليه، ونال من المقومات الحضارية والدينية والإِسلامية. . . ومن خلال هذه الاستطالة المتجنية التي أضعفت التأثير الإسلامي على القوى الزمنية بدؤوا تأثيرهم على الفكر القومي في الشعوب الإسلاميَّة، ساعدهم على ذلك النمو الظافر الذي حققته الحضارة الحاليَّة في كل المجالات، بعيدًا عن الإطار الروحي والديني وتأثيرهما. .) .

 

وكان من نتائج هذه الاستطالة على التراث الإسلامي ما يأتي:

أ- تغير العادات الإسلاميَّة في كثير من الشعوب الإسلاميَّة (وانزواء الحكم بالأحكام الشرعية واستبدالها بأحكام القانون الوضعي، واختفاء الزي الإسلامي الذي كان سائدًا، حتى في بعض الشعوب العربيَّة،. . . ففي شمال إفريقية العربيَّة كادت اللغة العربيَّة أن تندثر لولا اليقظة العربيَّة الأخيرة، كما أن التقاليد الإسلاميَّة على المستوى العام والخاص انحسرت تمامًا في كثير من الأصقاع العربيَّة في الشرق، ففي مصر والشام تفشى السفور كل تفش، والأحكام الشرعية لا تطبق كما يجب في كثير من القضايا، كما أن كثيرًا من المنكرات تمارس علنًا، ويحميها القانون، المهم أن الفكر القومي في الشعوب الإسلاميَّة كان له نصيب من النجاح، ولم يتحقق هذا النجاح إلَّا بعد تلك الاستطالة المتجنية على التراث الإسلامي، التي كان للاستشراق والمستشرقين دور فعال فيها) .

ب – الادعاء بأن الإسلام لا يحدث تميُّزًا في العادات والتقاليد تنبع من أصالته وجدّته، وإنَّما يتلون هو نفسه بعادات الشعوب وتقاليدها، وهو ادعاء تشتمل عليه بعض دراسات (هاملتون حبيب) في تاريخ الإسلام وحضارته وهي دراسات يُمكن القول فيها إنها: (تخفي وراءها الكثير من الآفات الفكرية، فنراه مثلًا في الفصل الأول من كتابه (دراسات في حضارة الإسلام) يقول: “فقد ظهرت للإسلام ملامح مختلفة في مختلف الأزمنة والأمكنة بتأثير المحليَّة الجغرافية، والاجتماعية، والسياسية فيه، وبقوة استجابته لها, ولنمثل على ذلك بما تَمَّ في الغرب، أعني في شمال غربي إفريقية، وفي إسبانيا أثناء العصور الوسطى؛ ففي تلك المناطق اتخذ الإسلام لنفسه خصائص فارقة على الرغم من الصلة الوثيقة بين تلك المناطق وقلب العالم الإسلامي في غريب آسيا، وعلى الرغم من أنَّ الثقافة فيها كانت فرعًا من الثقافة السائدة في قلب العالم الإسلامي، وكان لبعض تلك الخصائص الفارقة أثرها في الإسلام نفسه في غربي آسيا” .

بهذا النوع من التعبير يتناول في تفسيره التاريخ الإسلامي، الكثير من الإساءات إلى الإسلام نفسه. . فهو حينما يجعل الاستجابة للعوامل المحليَّة الجغرافية والاجتماعية والسياسية، من خصائص الإسلام، يسلب الإسلام، عوامل التأثير الكامنة فيه التي يواجه بها التحديات الاجتماعية والسياسية والعوامل المحليَّة الأخرى) .

ومِمَّا لا شك فيه أنَّ العوامل التي ذكرها (حبيب) تتفاعل مع معطيات الإسلام، ولكنها هي التي تستجيب لما يحدثه الإسلام فيها من تغيير ومن تهذيب وصقل حتى تصطبغ بصبغة الدين، وتسير في صراط اللَّه المستقيم،

والفرق بين تفسير (حبيب) لتاريخ الإسلام وحضارته، وبخاصَّة فيما يتعلق بالعادات والتقاليد وبين ما حدث فعلًا، كبيرٌ جدًا حيثُ يتحقق في الآخر تميّز الأُمَّة الإسلاميَّة على سعيد العادات والتقاليد لاحتكامها إلى شريعة الإسلام وهديه، ولا يتحقق ذلك فيما ذهب إليه (حبيب) من تفسير بل يتحقق به العكس تمامًا .

ج- وحاول بعض المستشرقين في كلامهم عن حجاب المرأة المسلمة إبرازه بمظهر لا يتفق مع حقيقته، وما يرمز إليه من الطهر والعفاف، والبعد عن مواطن الفتنة والريبة والزلل؛ فهذا (المستشرق الهولندي (سنوك هورغرونية). . . يدعي: (أن الرابطة الزوجيَّة عند المسلمين غير متينة، وإلَّا لما وضعت على النساء القيود وفرض الحجاب والعزلة عليهن، وأن المرأة غير المتزوجة سواء كانت عزباء أم بكرًا تعتبر عبئًا ثقيلًا على أهلها وأقاربها ما لم يكونوا أثرياء. . . ولذلك فإنَّ امرأة مثل هذه تتشبث بأن تكون شريكة مؤقتة لرجل من الرجال في حياته، وبذلك تحصل على معيشة مجانيَّة لنفسها، عدا نوع من المهر الذي يتفق عليه إذا كانت أحوال الرجل المالية تساعد على ذلك. .، وحتى بعض النساء الثريات يتمنين لو يحصلن على مثل هذا الزوج بالمقاولة ليتخلصن من استغلال أقاربهن لهن) ، ويقول في مكان آخر: (إنَّ الغربي بينما يجد صعوبة في الافتراق عن خليلته، فإنَّ علاقة الزواج المستديم، والحب الصادق بين الأزواج بعيدة كل البعد عن تفكير الرجل المسلم) .

ويلاحظ أنّه دليل على عدم متانة الرابطة الزوجيَّة عند المسلمين بقيود الحجاب والعزلة. . .، وفاته أن يدرك مدى الآفات الاجتماعية التي تنشأ من الاختلاط، والسفور، ومدى ما في هذا الاختلاط من تجريح لرجولة الرجل، وابتذال لعاطفة المرأة. .، إنَّ المآسي التي يعيشها الكثير من المجتمعات التي أباحت اختلاط الجنسين بمقارنتها بمآسي المجتمعات التي تفرض الحجاب، تعطي دليلًا مزودًا بأرقام إحصائية على فعالية الحجاب، وحدِّه لكثير من المآسي. . . إنَّ الإسلام يوم نادى بالحجاب أوثق به الرابطة الزوجيَّة، بإبعادها عن مواطن الشك والريبة، ومهاوي الزلل، ثُمَّ أعطى النفس المؤمنة بواعث الاطمئنان، والاستقرار، ودلل بالحجاب إحاطته بكوامن النفس البشريَّة، ومدى ضعفها في المواقف الزاخرة بالعواطف المثيرة. . وما يقال عن الحجاب يقال عن الطلاق في الإسلام، فإنَّه دعامة من الدعائم التي تزيد المجتمع الإسلامي تماسكًا، فالزواج المستديم الذي لا طلاق فيه كان بذرة من بذرات الانهيار الأسري في مجتمعاته؛ لذلك سنت بعض مجتمعات أوروبا الطلاق واعترفت به، ولم يكن الطلاق عاملًا مؤثرًا في الحب الصادق بين الأزواج، بل كان علاجًا حاسمًا لكثير من المشكلات الأسرية، وباترًا لها) .

3 – الجانب السياسي والحضاري من تاريخ الأُمَّة الإسلاميَّة:

انطلق المستشرقون في دراستهم للجانب السياسي من تاريخ الأُمَّة الإسلاميَّة من منطلقات غير علميَّة، من أهمها الآتي:

1 – إنكار نبوة الرسول محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- , وإرجاع ما جاء به إلى أصول يهودية ونصرانيَّة وغيرهما، وبناءً على ذلك أنكروا أن يكون الإسلام وحيًا من عند اللَّه، وأن تكون الأُمَّة الإسلاميَّة أُمَّة ربانية، وبالتالي فإنَّ تفسير تاريخ الإسلام وحضارته يتم عند معظمهم من خلال منظور مادي مجرد بدعوى العلمية والمنهجية ، وقد ترتب على ذلك إنكار كثير من أسس السيرة النبوية الشريفة، والتقليل من شأن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، وتناول شخصيته -فيما كانت الدراسات (اللاهوتية) تفرغ عليه الأساطير والخرافات، وأقذع الشتائم وأشنع السباب، وكأنَّه من رجال السياسة أو الحكام العسكريين أو عباقرة الإنسانية، و (مهما كان المستشرق ملتزمًا بقواعد البحث التاريخي وأصوله، فإَّنه من خلال رؤيته الخارجية وتغربه يمارس نوعًا من الهدم والتجريح في كيان السيرة ونسيجها، فيصطدم بذلك الحس الديني، ويرتطم بالبداهات الثابتة، وهو من خلال منظوره العقلي والوضعي، يسعى إلى فصل الروح عن جسد السيرة، ويعاملها كما لو كانت حقلًا ماديًّا للتجارب والاستنتاجات وإثبات القدرة على الجدل. . إن البحث في السيرة بوجه خاص، يستلزم أكثر من أيِّ مسألة أخرى في التاريخ البشري؛ شرطين من شروطه الأساسية: التأثير الجمالي الذي يُمكنه من أداء وظيفته الوجدانية، والمقومات العلميَّة التي تمكنه من أداء وظيفته الحيويَّة. إنَّ هذين الشرطين اللذين يُمكن أن يوفرهما منهج متماسك سليم يقوم على أسس علميَّة موضوعيَّة لا يخضع لتحزب أو ميل أو هوى. وقد كانت مناهج البحث الغربي (الاستشراقي) في السيرة تفتقر إلى أحد هذين الشرطين) أو كليهما معًا. وكانت النتيجة أبحاثًا تحمل اسم السيرة، وتتحدث عن حياة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، وتحلل حقائق الرسالة، ولكنها -يقينًا- تحمل وجهًا وملامح وقسمات مستمدة من عجينة أخرى غير مادة السيرة، وروح أخرى غير روح النبوة ومواصفات أخرى غير مواصفات الرسالة. . إنَّ نتائجها تنحرف عن العلم؛ لأنها تصدر عن الهوى. . وتسعى لأن تخضع حقائق السيرة لمقاييس تؤدي إلى نسخ كل ما هو جميل، وتزييف كل ما هو أصيل، وتميل بالقيم المشعَّة إلى أن تفقد إشعاعها، وترتمي في الظلمة، أو تؤول إلى البشاعة) .

ب- وتناول المستشرقون -المعادون للإسلام- عهد الخلفاء الراشدين وعهد الخلافة الأمويَّة، والخلافة العباسية وما بعد ذلك إلى العصر الحديث، في ضوء مناهج بحثيَّة زائفة أظهرت تاريخ الأُمَّة الإسلاميَّة السياسي في صورة مزيَّفة اعتمدت على تراث الزنادقة والشعوبيين وسائر الفرق المنشقة على الأُمَّة الإسلاميَّة، كما أنَّ كثيرًا من تلك الدراسات اهتمت بالنزعات العرقية والقبليَّة وفسرت بها تاريخ الإسلام السياسي، كما اتهمت الحضارة الإسلاميَّة بأنها اصطبغت بالأفكار (الهلينستية)، والآراء الهنديَّة وفلسفة الأفلاطونيَّة الجديدة.

يقول بعض الباحثين: (كان للشعوبيَّة والعصبيَّة أثر في وضع الأخبار التاريخية، والحكايات، والقصص الراميَّة إلى تشويه التاريخ الإسلامي، وإلى إعلاء طائفة على طائفة، أو أهل بلد على آخر، أو جنس على جنس، وإبعاد الميزان الشرعي في التفاضل، وهو ميزان التقوى {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]، كما أن الفرق المنحرفة استغلت القُصَّاص، وانتشارهم وجهل معظمهم، وقلة علمهم بالسنة، وانحراف طائفة منهم تبتغي العيش والكسب، فنشروا بينهم أكاذيبهم، وحكايتهم، وقصصهم الموضوعة، فتلفقها هؤلاء القصاص دون وعي وإدراك ونشروها بين العامة، وانتشرت عن طريقهم كثير من الأحاديث الموضوعة المنسوبة كذبًا إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وعدد لا يحصى من الأخبار والأقوال المكذوبة على الصحابة والتابعين، وعلماء الإسلام، مِمَّا يسيء لهم، ويشوه تاريخهم وسيرتهم. . . وقد تلفقت هذه الأكاذيب والتحريفات (طائفة) من المستشرقين، فوجدوا فيها ضالتهم، وأخذوا يعملون على إبرازها، والتركيز عليها، مع ما أضافوه إليها -بدافع من عصبيتهم وكرههم للمسلمين- من أكاذيب وافتراءات كاختراع حوادث لا أصل لها، أو التفسير المغرض للحوادث التاريخية بقصد التشويه أو التفسير الخاطئ تبعًا للتصور والاعتقاد الذي يدينون به) .

وقد نتج عن ذلك أن فسرت الخلافة الراشدة بدءًا بحروب الردة وانتهاءً بمقتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان ومن بعده علي بن أبي طالب، وقبلهما عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنهم- أجمعين، وما تلا ذلك من افتراق الأُمَّة، وكأنه نتيجة لنزعات قبليَّة وعرقيَّة، ولرغبات النفوس وشهواتها.

وعن ذلك يقول (بروكلمان): (بيد أنه لَمْ تلبث أن اجتاحت بلاد العرب بأكملها روح الردَّة، ولم يكن للدوافع الدينيَّة في ذلك دور يذكر، وإنَّما أريد -فقط- التخلص من سلطة حكومة المدينة غير المريحة) .

ويقول مفسرًا مقتل مالك بن نويرة: (وعندما ظهر خالد بن الوليد في منطقة تميم، وجد الطاعة في كل مكان تقريبًا إلَّا أن مالكًا بن نويرة، سيد يربوع الذي انفصل عن المدينة عقب وفاة محمد مباشرة ظلَّ مؤمنًا بسجاح، بيد أنه عندما حاصره خالد بفصائله، عرض هو أيضًا استسلامه، ومع ذلك سمح خالد بفصائله، عرض هو أيضًا استسلامه، ومع ذلك سمح خالد بالقضاء عليه (بقتله) مع رجال آخرين، وذلك لأنه اشتهى زوجته الجميلة كما يروى) .

ويقول (بروكلمان) عن عثمان بن عفان -رضي اللَّه عنه-: (وقد يكون أصله (الأرستقراطي) هذا، الذي عادل عند النبي نقص كفاءته الشخصية) ،

ويقول أيضًا: (وليس من شك أيضًا أن أعضاء المجلس -كبار الصحابة- آثَرُوا اختياره رغبة منهم في أن يروا على رأس المسلمين رجلًا يستطيعون توجيهه والتعامل معه في سهولة ويسر) .

وعلى هذا المنوال يفسر (بروكلمان) ونحوه من المستشرقين تاريخ الإسلام في جانبه السياسي بما يشوه صورة الأُمَّة الإسلاميَّة، ويخفي تميُّزها في جميع جوانب حياتها السياسية والحضارية والاجتماعية. وقد تصدى بعض الباحثين للرد على مزاعم (بروكلمان) ومقارنتها بمزاعم (فيليب حتي) والرد عليهما ، وتوصل إلى أنهما اتفقا على ذكر القضايا الآتية:

• (أن سبب خروج أم المؤمنين عائشة -رضي اللَّه عنها- في معركة الجمل كان من أجل التشفي بعلي بن أبي طالب.

• اتهام الحسن بن علي بأنه تنازل عن الخلافة مقابل رشوة قدَّمها له معاوية.

• اتهام عبد الملك بن مروان ببناء بيت المقدس لتحويل الحجاج إليه.

• مسألة العباسة وجعفر البرمكي.

• اتهام بعض خلفاء بني أميَّة وبني العباس بالمجون.

• جعل الناحية الاقتصادية هي الدافع الأساسي للفتوحات الإِسلامية) .

ومِمَّا درج عليه المستشرقون في تفسير التاريخ الإسلامي في جانبه السياسي أن بعضهم أبرز (تاريخ الفرق الضالة، ومحمد إلى تضخيم أدوارها، وتصويرها بصورة المصلح المظلوم، وبأنَّ المؤرخين المسلمين، قد تحاملوا عليها، فالقرامطة، والإسماعيلية، والرافضة الإمامية، والفاطمية، والزنج، وإخوان الصفا، والخوارج، كلهم في نظرهم واعتبارهم دعاة إصلاح وعدالة وحريَّة ومساواة، وثوراتهم كانت ثورات إصلاح للظلم والجور) .

وأظهر بعض المستشرقين تاريخ الخلافة الأمويَّة من خلال (النزعة القبلية، وشعر النقائض بين جرير والفرزدق والأخطل، ولم يرَ من تاريخ الدولة العباسية كله غير دور الموالي من الفرس، وغير السباق بين العناصر المختلفة، وبداية التنافس والطموح) ، وتؤكد الحقيقة التاريخية أنَّ (تاريخ بني أميَّة كما يراه الثقات من أهل العلم هو تاريخ تثبيت دولة الإسلام، وذلك على الرغم مِمَّا ارتبط بهذا التاريخ من أحداث مؤلمة لها ظروفها وملابساتها التاريخية الخاصة، التي يجب أن تفهم في ضوئها) .

وقد قال عنها ابن خلدون: (وكذلك عهد معاوية إلى يزيد خوفًا من افتراق الكلمة بما كانت بنو أميَّة لم يرضوا تسليم الأمر إلى من سواهم، فلو قد عهد إلى غيره اختلفوا عليه مع أن ظنهم كان به صالحًا، ولا يرتاب أحد في ذلك، ولا يُظَنُّ بمعاوية غيره، فلم يكن ليعهد إليه وهو يعتقد ما يُدَّعى عليه من الفسق، حاشا اللَّه لمعاوية من ذلك، وكذلك كان مروان بن الحكم وابنه، وإن كانوا ملوكًا، لم يكن مذهبهم في الملك مذهب أهل البطالة والبغي، وإنَّما كانوا متحرين لمقاصد الحق جهدهم إلَّا في ضرورة تحملهم على بعضها، مثل خشية افتراق الكلمة الذي هو أهم لديهم من كل قصد، يشهد لذلك ما كانوا عليه من الاتباع والاقتداء، وما علم السلف من أحوالهم ومقاصدهم، فقد احتج مالك في الموطأ بعمل عبد الملك، وأمَّا مروان فكان من الطبقة الأولى من التابعين وعدالتهم معروفة) .

ويقول عن العباسيين: (كانوا من العدالة بمكان، وصرَّفوا الملك في وجوه الحق ومذاهبه ما استطاعوا حتى جاء بنو الرشيد من بعده فكان منهم الصالح والطالح، ثُمَّ أفضى الأمر إلى بنيهم فأُعطوا الملك والترف حقه وانغمسوا في الدنيا وباطلها، ونبذوا الدين وراءهم ظهريًّا، فتأذن اللَّه بحربهم، وانتزاع الأمر من أيدي العرب) .

ومِمَّا يذكر في هذا المقام أنَّ الدراسات الاستشراقية في مجال تاريخ الأُمَّة الإسلاميَّة وحضارتها قد بلغت من التنوع حدًّا يصل بها إلى درجة التعقيد، من حيث طبيعة الموضوع وأسلوب معالجته، إذ إلا يُمكن حصره وتصنيفه في سهولة ويسر، لاختلاف هوية المستشرقين، وخلفيتهم البيئية والفكرية التي ينطلقون منها في دراساتهم، فالمستشرقون اللاهوتيون -مثلًا- يختلفون في ذلك عن المستشرقين العلمانيين، وإذا كان الاستشراق من الظاهر تيارًا عامًّا فإنَّ وراء هذا العموم مدارس متنوعة، وتقاليد متعددة، وتوجهات شتى تختلف فيما بينها بقدر اختلاف مصالحها واحتكاكها بالعالم الإسلامي. . .، كما يرجع ما تتصف به من تعقيد في كثير من الدراسات إلى تنوع منطلقات المعالجة، وأهدافها، وما تحرص على أن لا تحيد عنه من المسلك الاستشراقي المعهود، ومناهجه الخاصَّة ؛ وعلى أيِّ حالة فإنَّه مهما اختلفت المنطلقات والأهداف فإنَّ القدر المشترك بين معظم الدراسات الاستشراقية لتاريخ الأُمَّة الإسلاميَّة وحضارتها هو محاولتها نفي التميُّز عنها، واتخاذ أسلوب التشكيك في عقيدتها وشريعتها وأمجادها التاريخية والحضارية ، ومن المعروف أنَّهم نسبوا القرآن الكريم إلى الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقالوا إنه من تأليفه، وألصقوا الحديث النبوي بتطور المجتمع الإسلامي في عصوره الأولى، وشككوا في نسبته إلى الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- ونسبوا عمل المسلمين واجتهادهم في الفقه الإسلامي إلى القانون الروماني، كما شوهوا تاريخ الأُمَّة الإسلاميَّة في جوانبه السياسية والاجتماعية، ونالوا من حضارته الفريدة.

يقول (جولد زيهر): (إنَّ نمو الإسلام مصطبغ نوعًا بالأفكار (الهلينستية)، ونظامه الفقهي الدقيق يشعر بأثر القانون الروماني، ونظامه السياسي كما تكون في عصر الخلفاء العباسيين يدل على عمل الأفكار والنظريات السياسية الفارسية) .

ويخلص إلى القول: (وهذا الطابع العام يحمله الإسلام مطبوعًا على جبهته منذُ ولادته، فمحمد مؤسسه لم يبشر بجديد من الأفكار، كما لم يمدنا أيضًا بجديد فيما يتصل بعلاقة الإنسان بما هو فوق حسه وشعوره وباللانهاية، لكن هذا وذاك لا ينقصان من القيمة النسبية لطرافته الدينية) .

رابعًا: استخلاص موازين البحث عند المستشرقين:

يمكن تلخيص موازين البحث عند المستشرقين بما يأتي :

– تحكيم الهوى ونزعات العداء للإسلام والمسلمين، والتعصب الأعمى للنصرانية، وللشعوب والأمم المنتمية إليها.

– وضع الفكرة مقدمًا ثم البحث عما يؤيدها مهما كانت ضعيفة واهية،

وكثيرًا ما يعمدون إلى أسلوب المغالطات والأكاذيب، وبتر النصوص أو التشكيك بها، أو الأخذ بالواهي منها.

– تفسير النصوص والأحداث والوقائع والنيات والغايات تفسيرات لا تتفق مع دلالاتها وأماراتها الحقيقية، ولا مع النتائج التي أثبتها تاريخ الأُمَّة الإسلاميَّة.

– تضخيم بعض الأخطاء اليسيرة والتركيز عليها، وتحليلها والاستنتاج منها نتائج تتنافى وتاريخ المسلمين، وما يحفل به من صور رائعة مشرقة.

– تجميع الهفوات التي لا تخلو منها أُمَّة مهما عظمت، ووضعها في صورة واحدة، وتقديمها على أنها هي صورة تاريخ المسلمين.

– تصيد الشبهات التي يلتبس وجه الحق فيها على كثير من الناس، ولا يستبين لهم ما لم يمتحنوها بالتجارب الطويلة، والتشبث بإثارة الانتقادات حولها، اتباعًا لأهواء النفوس وشهواتها في إطارٍ من استغلال شعارات براقة المظهر تخدع من لا يعرف الحقائق.

– اعتماد ما يوافق هواهم من كل خبر ضعيف، ورأي مردود شاذ، وقول ساقط لا سند له من عقل، ولا نقل صحيح.

– رفض الحق بالنفي المجرد، الذي لا يدعمه دليل صحيح مقبول في المنهج العلمي السليم.

– تفسير التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلاميَّة بالمنظار الغربي الذي يفسرون به التاريخ الغربي والحضارة الغربية، مع تباين كلٍّ من التاريخين والحضارتين عقيدة ونظامًا، وبيئة ودوافع تباينًا كليًّا.

– استنباط القواعد الكلية العامّة من الحوادث الفرديّة الجزئية التي لا يصح منطقيًّا تعميمها.

– الاعتماد على الوهم المجرد لتفسير الأمور والوقائع.

– قياس المؤمن المسلم الذي يخشى اللَّه على الذين لا تردعهم روادع دين ولا خلق، وتفسيرهم لسلوك المسلمين أفرادًا وجماعات بأنه مدفوع بأغراض شخصية، ونوازع نفسية دنيوية، وليس أثرًا لدافع ابتغاء مرضاة اللَّه وثواب الآخرة) .

– (يعطي الاستشراق نفسه في دراسته للإسلام دور بمثل الاتهام والقاضي في الوقت نفسه) .

– (يخلط الاستشراق كثيرًا بين الإسلام بوصفه دينًا وتعاليم ثابتة في القرآن والسنة الصحيحة وبين الوضع المتردي في العالم الإسلامي) ، ويحرص على إسقاط عمل المسلمين المخالف لتعاليم الإسلام على الإسلام نفسه، ويعد ذلك حجة على الإسلام، في حين أن الإسلام حجة على المسلمين وليس العكس .

– (يستثمر الاستشراق الفرقة بين المسليين، ويظهر تاريخ الفرق الضالّة، ويمجد المنشقين عن الإسلام وأمته من فرق قديمة وحديثة، ويعرضهم وكأنهم أصحاب فكر متحرر، ويهتم بإظهار كل شاذ وغريب) .

ومِمَّا يلحظ على كثيبر من دراسات المستشرقين فيما يخص تَمَيُّز الأُمَّة الإسلاميَّة بصفة خاصَّة ما يأتي:

– إهمال جوانب المخالفة إذا كانت دليلًا على التميُّز في إطار العقيدة والشريعة والقيم الأخلاقية والنظم، أو في إطار الأُمَّة الإسلاميَّة وحضارتها.

– اصطياد جوانب المشابهة والموافقة بهدف نفي التميُّز عن الأُمَّة الإسلاميَّة، وإهمال ما تدل عليه تلك المشابهة أو الموافقة من وحدة الفطرة أو المسلمات العقليَّة والمنطقية، ونحو ذلك مِمَّا يعد في الحقيقة قدرًا مشتركًا بين الشعوب والأمم، وإنَّما تنظر معظم الدراسات الاستشراقية لجوانب المشابهة والموافقة بين الأُمَّة الإسلاميَّة وغيرها من الأمم الأخرى نظرةً ذات نزعة عاطفيَّة معادية.

– إهمال أسباب المشابهة والموافقة بين الأُمَّة الإسلاميَّة وغيرها من الأمم الأخرى، وإغفالها إذا كان ذلك لا يخدم الفكرة التي تسعى الدراسات الاستشراقية لتقريرها .

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*