موقف المستشرقين من خصيصة الربَّانيَّة

موقف المستشرقين من خصيصة الربَّانيَّة ، من أبرزت ما يوضح موقف المستشرقين من خصيصة الربَّانيَّة موقفهم من القرآن الكريم، والسنة النبوية وسيرة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم

موقف المستشرقين من خصيصة الربَّانيَّة

من أبرزت ما يوضح موقف المستشرقين من خصيصة الربَّانيَّة موقفهم من القرآن الكريم، والسنة النبوية وسيرة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، وتدل نماذج من أقوالهم في ذلك على حقيقة هذا الموقف، وذلك وفق ما يأتي:

أولًا: أقوالهم في مصدر القرآن الكريم مع الرد عليها.

ثانيًا: أقوالهم في السنة النبوية والسيرة النبوية مع الرد عليها.

أولًا: أقوالهم في القرآن الكريم:

تناول كثيرٌ من المستشرقين القرآن الكريم بالطعن والتشكيك من جوانب عدَّة؛ من حيث لفظه ومعناه، وتلاوته وأسلوبه، ونظمه وشكله، وطريق تنزيله وتدوينه، وثبوته، والأحكام المستنبطة منه، وما ورد فيه من أخبار وقصص، وكذا فيما ورد فيه من مغيبات، والأوامر والنواهي، وما يتصل بتاريخ القرآن الكريم وتفسيره، وكأنهم بعملهم هذا يرمون إلى إحداث اللغو فيه كما فعل المشركون من قبل: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُون} [فصلت: 26].

ولعل من أبرز أقوالهم في القرآن الكريم التي تبين موقفهم من خصيصة الربانية ما يتعلق بمصدر القرآن الكريم، إذ يحاول معظمهم -بشكل مباشر وغير مباشر- أن ينسبه إلى محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- وينفي كونه وحيًا من اللَّه؛ ويبثون محاولاتهم تلك في مؤلفاتهم عن القرآن الكريم ، وفيما صنعوه من

ترجمات لمعانيه بمختلف اللغات الغربية ، وكذلك في الموسوعات ودوائر المعارف، ونحو ذلك من الأعمال التي أصدروها تحت مسمى البحث العلمي .

وإذا كانت تراجم معاني القرآن الكريم إلى اللاتينية، أو الإنجليزية، أو الفرنسية، أو غيرها تعدُّ -في الغرب- السبيل إلى معرفة مصدر القرآن الكريم؛ فقد حرص المستشرقون الذين تخصصوا في هذا المجال على ترسيخ الاعتقاد لدى كل من يطلع على تلك التراجم من الغربيين بأن مؤلف القرآن الكريم هو محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- لنفي كونه رباني المصدر؛ ومن أمثلة ذلك ما ورد في مقدمة ترجمة (جورج سيل) لمعاني القرآن الكريم بالإنجليزية الصادرة في عام 1149 هـ – 1736 م: (أمَّا إنَّ محمدًا كان في الحقيقة مؤلف القرآن والمخترع الرئيس له فأمر لا يقبل الجدل، وإنْ كان من المرجح -مع ذلك- أن المعاونة التي حصل عليها في خطته هذه لم تكن معاونة يسيرة، وهذا واضح في أنَّ مواطنيه لم يتركوا الاعتراض عليه بذلك) .

وقد أصبحت فرية تأليف محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- للقرآن الكريم من المسلمات لدى غالبية المستشرقين حتى العصر الراهن، وإذا كان بعضهم يورد ذلك بطريقة غير مباشرة، وبأسلوب أقل حِدَّة فإنَّهم -بالجملة- يحرصون على أن يبدو هذا الأمر في سياق ما يطلقون عليه الاستنتاجات العلمية .

ولَمَّا كان القرآن الكريم قد اشتمل على كثير من القصص والتاريخ والعلوم والمعارف والنظم والمغيبات، وغير ذلك مِمَّا تميز به من معالم الرؤية الشاملة الدقيقة للإنسان والكون والحياة، وهذه الأمور لا يتصور معرفتها والإحاطة من محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- ولا من قومه، فقد زعم أكثر المستشرقين -على أساس من إنكارهم المصدر الرباني، ودعواهم أن القرآن من تأليف محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- قد اعتمد في تأليفه للقران الكريم على مصادر عِدَّة من أهمها:

1 – الكتاب المقدس، وفي ذلك يقول (ريتشارد بل) في كتابه: مقدمة القرآن: (إن الجانب الأكبر من المادة التي استعملها محمد ليفسر تعاليمه ويدعمها قد استمده من مصادر يهودية ونصرانية) .

وقال آخر: (إن النصارى العرب سائرون في معتقداتهم في الاتجاه غير الصحيح؛ ولهذا كان هناك مجال لظهور الآراء البدعيَّة المنحرفة، ولولا ذلك لما كان محمد على علم بأمثال تلك الآراء التي تنكر صلب المسيح) ، والذي يعنيه هذا المستشرق أن مصدر القرآن الكريم ليس ربانيًّا، وإنَّما جاء به محمد من لدنه متأثرًا بنصارى العرب؛ لأنهم ينكرون صلب المسيح ووافقهم القرآن الكريم في ذلك، وهذا يؤكد -من وجهة نظر ذلك المستشرق- أنَّ محمدًا -صلى اللَّه عليه وسلم- هو مؤلف القرآن الكريم .

2 – الاعتماد على اليهود، وهذا مبنى من وجهة النظر الاستشراقية على أمور عِدَّة، منها:

أ- التشابه بين القرآن الكريم مع كتب اليهود في القصص كقصة ابني آدم وقصة هاروت وماروت وقصة موسى -عليه السلام-، ونحو ذلك .

ب- التشابه بين القرآن والتوراة في بعض القضايا العقدية والتشريعية.

ج- التأثر والاقتباس في فواتح السور، وكذلك تقسيمه إلى سور وآيات .

وعن ذلك قال (لوت): (إنَّ محمدًا مدين بفكرة فواتح السور من مثل: الم، حم. . . إلخ لتأثير أجنبي) ، ويرجح أنه تأثير يهودي .

3 – الاعتماد على الراهب (بحيرى)، وهذه المقولة تشكل لدى كثير

من المستشرقين مصدر إلهام لمحمد -صلى اللَّه عليه وسلم- ويزعمون (أنَّ محمَّدًا قد تمثل في نفسه ما سمعه من الراهب (بحيرى) في رحلته التجارية إلى الشام، وخرج على الناس يعلن دينه الجديد الذي لفقه من الدينين الكبيرين) .

4 – الاعتماد على الوسط الوثني الذي عاش فيه، واستدلوا على ذلك بالآتي:

أ- التشابه بين بعض آيات القرآن وبعض أشعار الجاهليين من أمثال (امرؤ القيس) في قوله:

دنت الساعة وانشق القمر … عن غزال صاد قلبي ونفر

إلى قوله:

بسهام من لحاظِ فاتك … تركتني كهشيم المحتضر و (أُميَّة بن أبي الصلت): الذي وصف طوفان نوح -عليه السلام- وغرق فرعون، وذكر الساعة وأهوالها، من مثل قوله -على حد زعمهم-:

ويومٌ موعدهم أن يحشروا زمرًا … يوم التغابن إذ لا ينفع الحذر

مستوثقين مع الداعي … كأنهم رجل الجرادرمته الريح فانتشر

وأبرزوا بصعيد. . جرز … وأنزل العرش والميزان والزبر

يقول خزانها ما كان عندكم … ألم يكن جاءكم من ربكم نذر

قالوا بلى فتبعنا فتية. . . بطروا … وغرَّنا طول هذا العيش والعمر

ب- التشابه بين عقائد الإسلام وشعائره وبين عادات الجاهليَّة وتقاليدها، وعلى هذا فالقرآن الكريم امتداد للحركة الدينية التي كانت سائدة في الوسط الوثني مثل: مناسك الحج، وتقديس الكعبة، ونحو ذلك) .

5 – ذات الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- وأنَّه مصدر القرآن الكريم مع تأثره بالمؤثرات السابقة مجتمعة أو متفرقة، ولكنَّه المصدر الأساس في القرآن الكريم، ثُمَّ يتفرع عن هذه المقولة اتجاهان:

الأول: يرى أن محمدًا -صلى اللَّه عليه وسلم- كان مصابًا بالصرع والهلوسة أو الجنون، ومنهم من زعم أنَّه ساحر وأنَّ ما جاء به السحر .

الثاني: ينفي عن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- كل هذه الاتهامات، ويصفه بالصدق والإخلاص، ولكنه مع ذلك يتفق وبقية المستشرقين في كون القرآن الكريم صدر عن محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- وأنه في مصدره وليس من عند اللَّه، كما ينفي الوحي ونبوة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، أمَّا تفسيره للقران الكريم وما جاء به الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- وما حققه من قيام أُمَّة وتأسيس دولة وإنشاء حضارة؛ فإنه يعزو ذلك إلى (الخيال الخلَّاق).
يقول (مونتغمري وات): (من وجهة نظري هناك خيال خلَّاق متدفق

لدى محمد، وإنَّ معظم الأفكار الناجمة عن هذا الخيال صحيحة وعادلة، ولكن ليست كل الأفكار القرآنية صحيحة وعادلة، بل توجد على الأقل نقطة واحدة غير صحيحة، ألا وهي أن الوحي أو الخيال الخلَّاق أسمى من تصرفات الإنسان العادية باعتبارها مصدرًا لوقائع تاريخيَّة مجملة) .

هذه بعض النماذج من مزاعم المستشرقين حول مصدر القرآن الكريم، والحقيقة أنَّ (أكثرهم يكادون يتفقون على أنَّه ليس من عند اللَّه، وعلى أن محمدًا استقى مادته من الأحبار والرهبان. . . وكان يتلقى عنهم المعلومات الدينيَّة من كتب العهدين) ، وحتى أولئك المستشرقين الذين أثنوا على محمدٍ -صلى اللَّه عليه وسلم- ووصفوه بالعظمة والعبقرية والخيال الخلَّاق يلتقون مع غيرهم من المستشرقين الذين زعموا بأن محمدًا -صلى اللَّه عليه وسلم- اعتمد في تأليفه القرآن الكريم على الكتاب المقدس في عهديه القديم والجديد، فالكلُّ ينفي ربانية المصدر بصفتها خصيصة من خصائص تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة، ولا يُسْتَثْنَى منهم إلَّا أفراد قلائل انفكوا عن المنهج الاستشراقي الموجَّه، واعترفوا بنبوة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- ورسالته وبأن الإسلام صادر عن اللَّه عز وجل وبأن ربانية المصدر من خصائص تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة، وسيتضح ذلك من خلال الردود على مزاعم المستشرقين.

وقبل الرد على تلك المزاعم ألمح إلى أبرز ما ترتَّب على نفي ربانيَّة مصدر الإسلام، وكون محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- هو الذي لفق القرآن الكريم، إذ كرس المستشرقون مجهوداتهم حهول تأليف محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- القرآن الكريم ليترسخ

الاعتقاد من خلال الدراسات الاستشراقية بأنَّ الإسلام دين بشري وضعه محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- ، وبالتالي جاء وصف المسلمين (بالمحمدية) أو (المحمديون) إزاء وصف النصرانية بـ (المسيحية)، ومِمَّا يترتب على ذلك أنَّه ما دام الإسلام دين محمد ومحمد بشر؛ فإنَّ الإسلام لا يستحق الانتشار ولا السيادة، ويلزم أنْ لا ينتشر لأنه وضعي ومصدره بشري، أمَّا المسيحية فهي على حد زعمهم منسوبة إلى المسيح، وهو جزء من الإله في عقيدتهم وعلى ذلك فالنصرانية دين سماوي لا بُدَّ أن يعلو وينتشر .

إنَّ مثل هذه المحاور التي تدور عليها دراسات المستشرقين تدلنا بما فيه الكفاية على أن تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة أحد أهدافها البارزة، ومن يدري فلعل تلك الحروب الصليبية الطاحنة التي تحاول استئصال المسلمين في بقاع شتى من العالم بكل قسوة وتعسف تنطلق من هذه العقيدة التي رسختها الدراسات الاستشراقية في أذهان صانعي القرار في الغرب، ولا سيما بعد عودة العالم عامة إلى العقيدة الدينيَّة، وارتكاز النظام العالمي الجديد عليها فيما يظهر، واللَّه أعلم.

أمَّا الردود على تلك المزاعم حول مصدر القرآن الكريم فيأتي أبرزها في النقاط الآتية:

1 – يردُّ على المستشرقين بالردود القرآنية على المشركين؛ لأنَّ المستشرقين حذوا في موقفهم المعادي للقرآن حذو مشركي مكة، فقد زعموا بأنَّ الذي يعلم الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- عبدٌ رومي ، كان يصنع السيوف في

مكة فردَّ عليهم المولى -عز وجل- زعمهم بقوله: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النحل: 103].

وفي سورة (الفرقان) إجمال لادعاءاتهم ودحضها، قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (10) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا} [الفرقان: 4 – 11].

وفي سورة (الحاقة) نفي لدعواهم، وذكرٌ لما يلزم منها لو كانت صحيحة، قال تعالى: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (42) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (43) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (48) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (49) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (50) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ} [الحاقة: 41 – 51].
وفي سورة (الشعراء) وصف لطريق نزوله ومصدره والمراد منه، قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 192 – 195] إلى قوله تعالى: {وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ

عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199) كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [الشعراء: 198 – 201].

وبعد بضع آيات ينفي -جَلَّ وعلا- أن تتنزل به الشياطين أو تسمعه قبل نزوله على الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال تعالى: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ} [الشعراء: 210 – 212].

كذلك بيَّن اللَّه -جَلَّ وعلا- أنَّ ما حدث لمحمد -صلى اللَّه عليه وسلم- من هذه التهم سنَّة جرت عليها الكفارُ مع أنبيائهم، قال تعالى: {مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ} [فصلت: 2 – 43] .

2 – وفيما يتعلق بالقصص القرآني؛ سواءً قصص العرب، أو اليهود، أو النصارى، وما حدث في تاريخ الجميع من انحراف وفساد وضلال وتحريف وتعطيل في مجال العقيدة أو الشريعة أو المنهج والسلوك، فكل ما ورد في القرآن الكريم لم يكن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- ولا قومه على علم بحقيقته ولا يدري به، قال تعالى: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} [هود: 49]، وقال تعالى: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ} [يوسف: 102].

وإذا كان بعض ما ورد في القرآن الكريم من قصص أهل الكتاب يتوافق مع بعض ما لديهم من بقايا الحقائق والوقائع التاريخية؛ فإنَّ القرآن الكريم قد أورد وجوهًا أخرى لذلك القصص، وعلى نحو يجهله أهل الكتاب مثل قصة مريم -عليه السلام-، قال تعالى: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 44].

وبالجملة فإنَّ القصص في القرآن الكريم قد جاء بما هو أوسع مِمَّا يعرفه اليهود والنصارى في شتَّى بقاع العالم وما يعرفه العرب وما يعرفه الراهب (بحيرى)، وجاء في سورة أكمل وأعلى مِمَّا يعرفه جميع البشر.

يقول جواد علي: (. . . التفاصيل المذكورة في القرآن وفي الحديث عن العرش والكرسي وعن اللَّه وملائكته وعن القيامة والجنّة والنار والحساب والثواب والعقاب، ونحو ذلك. . . لم ترد تفاصيله عند اليهود ولا النصارى) .

والسؤال الذي يفرض نفسه عندئذٍ من أين أخذ محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- كل ذلك؟! إنها النبوَّة والوحي والرسالة، إنَّه الإعجاز الذي يُعَدُّ من دلائل نبوّة المصطفى -صلى اللَّه عليه وسلم- ، قال تعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} [النجم: 4 – 5] إنَّه وحي اللَّه الذي اصطفى له صفوة من الخلق هم أنبياء اللَّه ورسله، قال تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (163) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (164) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165) لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} [النساء: 163 – 166].

إذًا فالقرآن الكريم من الكتب السماوية التي يؤمن بها المسلمون أُنْزِلَ

مصدقًا لها، ومهيمنًا عليها: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة: 48]، صدر عن اللَّه وحده لا شريك له، وأوحى به إلى نبينا محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- كما أوحى إلى الأنبياء من قبله، وإذا كان المستشرقون -كما قال أحد الباحثين-: (يعترفون بالوحي والأنبياء فلماذا ينكرون على محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- ما يجيزونه لليهود والنصارى، ولماذا لا يكون الإسلام حلقة أخيرة في حلقات الأديان ولبنة متممة لذلك الصرح الشامخ. . .، أمَّا إذا كانوا ينكرون الوحي، ويجعلون الأديان على صعيد واحد مع الاتجاهات الفكرية البشرية؛ فإنَّ منهجهم هذا مرفوض وقاصر عن فهم طبيعة الأديان، وعندها تكون الأديان جميعًا مهدَّدَة بموجة إلحادية تعصف بكل القوى الروحية في العالم) .

ولكن الغريب في أمر أولئك المستشرقين أنهم جعلوا ربانية المصدر للإسلام مجالًا للنقد والجدل النظري والمنهج التجريبي، ونأوا بالديانة النصرانية عن ذلك أو بعبارة أدق، (لم يحاولوا التشكيك في وحي عيسى -عليه السلام- باسم المنهج العلمي نفسه بل صانوه، وأقاموا الدعوى على أنَّه بديهي التسليم وبعيد عن مجال الجدل العقلي النظري أو العلمي التجريبي) .

ويتساءل أحد المفكرين عن هذا التناقض والنظرة المتعصبة إزاء الوحي، إذ يسلمون به لعيسى -عليه السلام- وينكرونه في حق رسولنا محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- فيقول: (إذا كان الوحي -كأمر غير اعتيادي- يخضع للطريقة العلميَّة الحديثة، أفلا يقضي المنهج السليم أن يكون أنواع الوحي في ذلك سواء، فلِمَ يناقش نوع واحد من الوحي (الوحي المحمدي) باسم العلم ويتشكك

فيه، ويصان الآخر، ويقال فيه: إنه بديهي التسليم وبعيد عن مجال الجدل العقلي النظري، أو العلمي التجريبي. . والهجوم على الإسلام. . في فكرة (بشرية القرآن)، يقابله رفق ورقة في التعبير عن “المسيحية” أو عن الكنيسة) .

3 – ويرد على المستشرقين بردود علماء الإسلام على النصارى وغيرهم ممن أثار شبهة بشرية القرآن الكريم (لأن المستشرقين يجترون افتراءات من سبقهم من المشركين واليهود والنصارى، وإذا كان علماء المسلمين، والذين هداهم اللَّه للإسلام من علماء أهل الكتاب بأقوالهم وكتاباتهم الصريحة قد زلزلوا تلك الشبهات من جذورها حتى غدت هشيمًا تذروه الرياح؛ فإنَّ ردودهم الشَّافية ومنهجهم العلمي ومجادلتهم الشرعيَّة من أنجع الردود على شبهات المستشرقين حول مصدر القرآن الكريم) .

4 – أمَّا قول (جورج سيل): (وهذا واضح في أنَّ مواطنيه -يعني محمدًا -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يتركوا الاعتراض عليه بذلك) مستدلًا بمجرد اعتراضهم على تأليف الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- للقرآن الكريم -حسب زعمه- فإنَّ المنهج العلمي يلزم (سيل) باستقصاء هذا الاعتراض ليوضح لقارئيه نهاية الدعوى التي أشار إليها، وبنى عليها استنتاجاته الضَّالَّة بيد أنَّه، ومن سلك منهجه من المستشرقين -كما قال أحد الباحثين-: (يضعون الفكرة أولًا، ثُمَّ يبحثون عن أدلة تؤيدها مهما كانت واهية، ويلجؤون إلى الاعتماد على أسلوب المغالطات والأكاذيب واقتطاع النصوص والحوادث التاريخية وفقًا لأهوائهم ونزعاتهم، وهذا عكس المنهج العلمي في الاستدلال) .

ولو التزم (سيل) بالمنهج العلمي لذكر ردّ القرآن الكريم على مشركي مكة ولكنه يعرف بعمق كيف يؤثر القرآن الكريم بقوة حجته وبيانه ويجلو الحق، فترك هذا الجانب مجافاة للمنهج العلمي الصحيح، وافْتِئاتًا على الحقيقة التاريخية في هذه الدعوى التي أثارها، وكانت نهايتها التاريخية ظهور الحق وعلو كلمة اللَّه، ودخول الناس في دين اللَّه أفواجًا، ونزول قول اللَّه تعالى: {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، فقد نزلت هذه الآية بعد أن نصر اللَّه عبده وأعزَّ جنده، وهزم الأحزاب وحده، وثبت للدنيا بأسرها بأنَّ القرآن الكريم كلام اللَّه أوحاه إلى نبي الرحمة والهدى. . . وبأنَّ اعتراضات مشركي مكة ودعواهم قد تهافتت، فنَّدَها القرآن الكريم، وكذبتها الوقائع التاريخية ولكن (سيل) وزمرته في غمرتهم لاهون.

5 – أمَّا مقولة (لوت) عن التأثير الأجنبي في القرآن الكريم وترجيحه أن يكون التأثير يهوديًا، وأن محمدًا -كما يزعم- مدان لهذا التأثير في فواتح السور؛ من مثل (آلم. .) ونحوها فإنَّ هذا المستشرق نسي أو تناسى أن عدد السور التي افتتحت بهذه الحروف تسع وعشرون سورة، نزل منها سبع وعشرون سورة على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بمكة المكرمة قبل مجاورته لليهود في المدينة، ونزلت سورتان فقط، هما (البقرة، وآل عمران) بعد هجرته -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى المدينة المنورة .

ثُمَّ إنَّ هذا المستشرق نسي أو تناسى أن علاقة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- باليهود في المدينة كانت علاقة دعوة وجهاد، ولم تكن علاقة تأثرٍ وتلمذةٍ واقتباس .

6 – أمَّا تأثير الراهب (بحيرى) على الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- بسبب ملاقاته إيَّاه في رحلته التجارية إلى الشام ، فإنَّ ذلك مردود من الناحيتين العقليَّة والتاريخية:

فمن الناحية العقليَّة كيف يُمكن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يحصل قدرًا من المعارف والعلوم والمغيبات والقصص في لقاءٍ عابر لا يُمكن لعقل سليم أن يتصور مثل ذلك، ولئن كانت بعض مزاعم المستشرقين في هذا الصدد تقتصر على مجرد أنَّه بثَّ في روع الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه النبي المنتظر ، فإنَّ

مجرد هذا البثّ أو الإيهام لا يكفي تفسيرًا لما جاء به الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- من العلم والحكمة والنبوة.

ومن الناحية التاريخية؛ لم يثبت في كتب التاريخ والسيرة أنَّ أحدًا من قوم الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- أثار هذا الاحتجاج مع قوته لو وقع بالفعل، وإذ لم يحتج به المشركون مع شدّة عدائهم للرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- وحاجتهم لمثل هذه الحجة كان ذلك دليلًا على إسقاط هذه الحجّة .

ومن ناحية أخرى فإنَّ حادثة ملاقاة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- للراهب (بحيرى)، قد أثير حولها كثيرٌ من التساؤلات والتشكيك في سندها التاريخي ، مِمَّا دعا المستشرق (هوارت) إلى القول: (لا تسمح النصوص العربية التي عشر عليها، ونشرت وبحثت منذ ذلك الوقت بأن نرى في الدور المسند إلى هذا الراهب السوري إلَّا مجرد قصة من نسج الخيال) .

ولو صحت قصة الراهب (بحيرى) كما وردت في المصادر الإسلاميَّة فإنها حجة لنبوة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- ورسالته وليست ضدها كما فسرها بعض المستشرقين؛ لأن ما تفوه به الراهب (بحيرى) مجرد بشارة بنبوة الرسول

-صلى اللَّه عليه وسلم- جرت على لسان غيره في كثير من المواقف التي ذكرت في بعض المصادر التاريخية .

7 – أمَّا دعوى المستشرقين بأنَّ (الوسط الوثني) أو البيئة التي عاش فيها الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- كانت مصدرًا من مصادر القرآن الكريم باعتباره تشابه مع شعر بعض الشعراء الجاهليين مثل (امرئ القيس) و (أميَّة بن أبي الصلت)، فإنَّ الرد على هذه المزاعم من وجوه كثيرة ، من أبرزها:

أ- كيف يسمح المنهج العلمي للمستشرقين بقبول الأخبار والروايات التي ذكرت تلك الأشعار المشابهة لبعض آيات القرآن الكريم على لسان (امرئ القيس) و (أميَّة بن أبي الصلت)، وهم يشككون -بل يتجاوز أكثرهم

الشك إلى الجحود- فيما يتعلق بالأخبار والروايات الواردة في السيرة النبوية والسنة المطهرة مع أنَّ تلك الأخبار والروايات الواردة في أشعار (امرئ القيس) و (أميَّة بن أبي الصلت) أدنى إلى الشك، وأقل صحة وصدقًا.

وقد تساءل بعض الباحثين عن هذا المنهج الزائغ ونقد ذلك الموقف الاستشراقي نقدًا لاذعًا إذ قال: (والغريب في أمر المستشرقين في هذا الموضوع وأمثاله، أنَّهم يشكون في صحة (السيرة) نفسها، ويتجاوز بعضهم الشك إلى الجحود، فلا يرون في السيرة مصدرًا تاريخيًا صحيحًا، وإنَّما هي عندهم كما ينبغي أن تكون عند العلماء جميعًا طائفة من الأخبار والأحاديث تحتاج إلى التحقيق والبحث العلمي الدقيق ليَمْتَاز صحيحها من منحولها: هم يقفون هذا الموقف العلمي من السيرة ويعلون في هذا الموقف؛ ولكنهم يقفون من أميَّة بن أبي الصلت وشعره موقف المستيقن المطمئن، مع أن أخبار أميَّة ليست أدنى إلى الصدق، ولا أبلغ في الصحة من أخبار السيرة. فما سرّ هذا الاطمئنان الغريب إلى نحوه من الأخبار دون النحو الآخر؟، أيمكن أن يكون المستشرقون أنفسهم لم يبرؤوا من هذا التعصب الذي يرمون به الباحثين من أصحاب الديانات) .

ب- وهذه الأشعار التي رويت عن (امرئ القيس)، و (أميَّة بن أبي الصلت) أثبت بعض الناقدين بأنها منحولة ومتكلِّفة، ونظمت في العصر الإسلامي، يقول العقاد: (وأيسر ما يبدو من جهل هؤلاء الخابطين في أمر العربية قبل الإسلام وعلاقتها بلغة القرآن الكريم، أنَّهم يحسبون أن العلماء المسلمين يجدون في بحث تلك الأبيات وصبًا واصبًا لينكروا نسبتها إلى

الجاهليَّة، ولا يلهمهم الذوق الأدبي أن نظرة واحدة كافية لليقين بإدحاض نسبتها إلى امرئ القيس أو غيره من شعراء الجاهلية) .

وانتقد أحد المستشرقين القول بأنَّ محمدًا -صلى اللَّه عليه وسلم- تأثر بشعر (أُمَيَّة بن الصلت) وأنَّ ذلك الشعر من مصادر القرآن الكريم بقوله: (أمَّا القول بأن محمدًا قد اقتبس شيئًا من قصائد أُمَيَّة فهو زعم بعيد الاحتمال) .

إلَّا أنَّه سقط هو أيضًا في الدعوى الاستشراقية الدراجة في أوساط المستشرقين، وهي الزعم بأنَّ اليهودية والنصرانية هما مصدرا القرآن الكريم، وأدرج الرسول محمدًا -صلى اللَّه عليه وسلم- في زمرة المتأثرين بأهل الكتاب؛ إذ يقول: (ومحمد وأُمَيَّة وغيرهما من رجال الدين. . اقتبسوا جميعًا من مصادر واحدة) .

وقد عُلِّق على أقواله بردودٍ من أبرزها:

إنَّ المشركين لم يعدوا شعر أميّة بن أبي الصلت من مصادر القرآن مع شدّة عدائهم للرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- وحاجتهم والحالة هذه لمثل هذا القادح، وإذ لم يجعلوه مصدرًا من مصادر القرآن الكريم تبين من ذلك أنَّه (لم تكن مشابهة بين شعر أُميَّة والقرآن المجيد) .

(إنَّ الأشعار المنسوبة إلى أُمَيَّة في أخبار القرون الأولى وما شابه ذلك ليست له، بل نحله الرواة إيَّاها. . فيها الصنعة. . وفيها ضعف المولدين. . وليس فيها قوة الجاهليين) .

هذه أبرز الردود على مقولة المستشرقين في هذا الصدد، أمَّا ما يتعلق بمزاعمهم عن التشابه بين القرآن الكريم وبعض عادات الجاهليَّة وتقاليدها ونظمها فقد سبق الرد عليها .

8 – تناول محمد عبد اللَّه دراز جميع الافتراضات المتعلقة باحتمال وجود مصدر بشري للقرآن الكريم، وناقشها مناقشة علميَّة أظهر من خلالها زيف تلك الافتراءات وبطلانها، وقال إنَّ: (جميع سبل البحث التي وقعت تحت أيدينا وناقشناها ثبت ضعفها، وعدم قدرتها على تقديم أيِّ احتمال لطريق طبيعي أتاح له -يقصد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فرصة الاتصال بالحقائق المقدسة، [وعلى الرغم من] الجهد الذهني الذي نبذ له لتضخيم معلوماته السمعية، ومعارف بيئته، فإنَّه يتعذر علينا اعتبارها تفسيرًا كافيًا لهذا البناء الشامخ من العلوم الواسعة والمفصلة التي يقدمها لنا القرآن الكريم في مجال الدين والتاريخ والأخلاق والقانون والكون. . .) .

9 – اعترف بعض الغربيين بإعجاز القرآن الكريم، وأنَّ مصدره إلهي، وقال: (لو كان محمد مؤلف القرآن فكيف استطاع في القرن السابع من

العصر المسيحي أن يكتب ما اتضح أنه يتفق اليوم مع العلوم الحديثة. . .) .

ثُمَّ يستشهد بعلم الأجنَّة، وتطور الجنين، وأنَّ القرآن الكريم وصفها بصورة تطابق معطيات علم الأجنَّة الحديث .

ومع التقدير لهذا الباحث وما توصل إليه إلَّا أنَّه ينبغي ألا يَنْسَاق المسلمون وراء بريق التفسير العلمي للقران الكريم؛ لأنَّه هو الحجّة. . . وهو المهيمن على غيره من الكتب والعلوم فما وافقه من معطيات العلم ونظرياته وحقائقه فهو شاهد لها، وليست هي الفيصل في ذلك، وإنَّما تؤخذ العبرة، ويلزم الخصم بمنطقة من باب الدعوة والجدل.

10 – وقد اعترض بعض المستشرقين ومنهم المستشرق السويدي (توراندريه) على تلك الطريقة التي سلكها عامَّة المستشرقين في البحث ومحاولتهم أن يثبتوا بشرية القرآن الكريم، وأعلن أن جوهر النبوة لا يُمكن تحليله إلى مجموعة من آلاف العناصر الجزئية، وأن الإسلام لا ينكر صلاته بالديانة اليهودية والنصرانية وعقيدة الحنيفية وتقاليد العرب، ولكن لا يعني ذلك أنَّه مجرد مجموعة من هذه العناصر .

وعلى الرغم من كون (توراندريه) لم يرقَ في كلامه إلى الاعتراف التام بنبوة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- إلَّا أنَّه يقترب من بيان عقيدة الإسلام في الكتب السماوية والرسل؛ قال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ

وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285].

وخلاصة القول: أن كل ما طرحه المستشرقون من شبهات حول مصدر القرآن الكريم لا يعدو كونه مزاعم واهية لا حظَّ لها من العلم، ولا تقوم بها أدنى حُجَّة، وليس لها سند تاريخي موثوق، وإنَّما هي تخمينات وافتراضات أساءت إلى المنهج الاستشراقي في دراسته للإسلام، وأثبتت فساده ومجانبته لحقائق الأمور ووقائع التاريخ مِمَّا جعل بعض الباحثين، يقول: (نحن نرفض -ومعنا الحق- منهج المستشرقين في دراسة الإسلام؛ لأنَّه منهج مصطنع جاء وليد اللاهوت الأوروبي؛ ولأنَّه منهج يقصر عن طبيعة الأديان السماويَّة، ويحاول أن يضعها في صعيد واحد مع الاتجاهات الفكرية الإنسانية) .

لذلك فإنَّ معظم المستشرقين يحاول أن ينفي عن تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة خصيصة الربانية من خلال نفيهم الوحي والنبوة والرسالة، وزعمهم أنَّ القرآن الكريم من تأليف محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-.

ثانيًا: أقوالهم في السنة النبوية والسيرة النبوية:

مِمَّا ترتب على أقوالهم في القرآن الكريم، ونسبته إلى محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- إنكار السُّنَّة النبوية، والتشكيك في السيرة، والتحامل عليهما لأسباب عدّة من أبرزها:

1 – ذلك الفارق الواضح بين أسلوب القرآن الكريم في الفصاحة والبيان والإعجاز وبين أسلوب الحديث النبوي الشريف، إذ يدلُّ دلالة واضحة على أن القرآن كلام اللَّه -عز وجل- والحديث النبوي كلام الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-

وكلاهما وحيٌ من عند اللَّه كما بين الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- بقوله: “ألا إنني أوتيتُ الكتابَ ومثله معه. . . ” .

أمَا وقد ساغ للمستشرقين أن ينسبوا القرآن الكريم إلى الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- فلا غرابة أن ينسبوا حديثه إلى غيره من المسلمين، وأن يعملوا ما وسعهم العمل في التشكيك في سنته وسيرته -صلى اللَّه عليه وسلم- لزعزعة مصادر الإسلام والطعن في تميز الأُمَّة الإسلاميَّة.

2 – إنَّ السنّة النبوية تمثل أكبر عائق (لأعداء الإسلام عن تفسير القرآن بالهوى والشهوات فهي التي تحدد تفسيره وتبينه) ، قال تعالى: {بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44]، فكانت سنته -صلى اللَّه عليه وسلم- المتمثلة في أقواله وأفعاله وتقريراته للقرآن الكريم بمثابة (تفصيل مجمله، وبيان مشكله، وبسط مختصره) .

والسنّة شديدة الارتباط بالقرآن الكريم، يقول الشاطبي: (فالقرآن على اختصاره جامع. . وأنت تعلم أنَّ الصلاة، والزكاة، والجهاد، وأشباه ذلك لم يتبين جميع أحكامها في القرآن، إنَّما بينتها السنّة وكذلك العاديات من الأنكحة والعقود والقصاص والحدود وغيرها) ، لذلك فإنَّ الذين يحاولون إنكار السنة يريدون إزالة عرقلة السنة بينهم وبين القرآن، وإذا فعلوا ذلك تيسر لهم تأويل القرآن حسب أهوائهم وميولهم .

3 – إنَّ السنة النبوية اشتملت على نظام شامل للحياة، وحدَّدَت الطريق

السوي للأُمَّة الإسلاميَّة، وقدمت الحلول الجذرية لمشكلات الحياة ، وقد وصف بعض المستشرقين السنّة بأنها: (إطار من الفولاذ حول ذلك البناء الاجتماعي العظيم) ، وهدم هذا الإطار الفولاذي لايتأتى إلَّا بإنكار صحة السنّة بأيِّ أسلوب كان، ليسهل عليهم جعل الإسلام موافقًا للأفكار الغربية، وخاضعًا لها .

4 – إنَّ مِمَّا حملهم على ركوب متن الشطط في دعواهم ضد السنة ما رأوه في الحديث النبوي (من ثروة فكرية وتشريعية مدهشة وهم لا يعتقدون بنبوة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- فادعوا أن هذا لا يعقل أن يصدر كله عن محمد الأمي بل هو من عمل المسلمين خلال القرون الثلاثة الأولى) من تاريخ الإسلام، ولكن محاولاتهم كلها ستبوءُ بالإخفاق، وسيكونون كما قال الشاعر:

كناطح صخرة يومًا ليوهنها … فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل

لأنَّ السنة محفوظة بحفظ القرآن الكريم، ولأنَّها وحي اللَّه -عز وجل- أمَّا الأقوال الاستشراقية في الحديث النبوي الشريف التي تبين موقفهم

المتشكك في صحة نسبته إلى الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- فتأتي دراسات (جولدزيهر) معبّرة عن ذلك باعتبار دراساته في موضوع الحديث النبوي تحتل الصدارة عند المستشرقين وأنَّه (حدّدَ تحديدًا حاسمًا اتجاه وتطور البحث في هذه الدراسات) من وجهة نظرهم، حتى بلغ الأمر أن تعتمد دائرة المعارف الإسلاميَّة على دراساته، وتتخذ منها مصدرًا أساسًا للكتابة عن مادة (حديث) ومِمَّا وصفته به بأنَّ (العلم مدين دينًا كبيرًا لما كتبه (GoldZiher) في هذا الموضوع) ، وفيما يأتي خلاصة مركزة لأبرز مزاعمه في الحديث في النقاط الآتية:

1 – (إنَّ القسم الأعظم من الحديث كان بمثابة نتيجة لتطور الإسلام الديني والاجتماعي والتاريخي في القرن الأول والثاني من تاريخ الإسلام.

2 – وضع أصحاب المذاهب النظرية والعملية في الإسلام أحاديث لتأييد مذاهبهم، ونسبوها إلى الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه.

3 – إنَّ الأتقياء وضعوا أحاديث تؤيد معارضتهم للحكام.

4 – قام الحكام بوضع الحديث كرد فعل على عمل العلماء الأتقياء لتأييد أفكارهم السياسية، ولإسكات الأتقياء) .

من هذه المزاعم يتبين القصد من دراسات (جولدزيهر) وزمرته من المستشرقين في الحديث الشريف، وهو نفي نسبته إلى الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- لزعزعة

الدين الإسلامي فإذا كان القرآن الكريم من تأليف محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- كما يزعم المستشرقون -والحديث انعكاس لتطور المسلمين، وأن نسبته إلى محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- كذب وافتراء فكيف يكون صرح الإسلام!.

وهذه النوايا مكشوفة جدًّا، أمَّا ذلك المنهج فهو عار عن العلمية، ويرد على مزاعم (جولدزيهر) في الآتي:

1 – إنَّ ما زعمه من أنَّ (القسم الأعظم من الحديث ليس إلَّا بمثابة نتيجة للتطور الديني والتاريخي والاجتماعي. . .) ؛ ليس صحيحًا، وفيه خلط الحق بالباطل ومنهجه في ذلك هو المنهج المذموم الذي وصف اللَّه به أهل الكتاب بعامة واليهود بخاصة، قال تعالى: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 42]، فمقولته خلطت الحق بالباطل، وكتم (جولدزيهر) الحق وهو عالمٌ به؛ فقد تحدث عن جهود علماء الحديث في جمعه وحفظه وغربلته، والتحقق من نسبته إلى الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، وليس بخافٍ عليه ما بذله علماء الحديث في هذا المضمار (فإنَّ علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم كانوا يتلقون أحاديث الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- بعضهم عن بعض في أمانة وضبط، وكانوا يذبون عنها أكاذيب الشيعة والخوارج والزنادقة، ومن كان على شاكلتهم في الكيد للإسلام عن طريق الحديث.
وما زالوا يجاهدون صادقين في سبيل السُّنَّة حتى أسلموها إلى علماء القرن الثالث كاملة غير منقوصة، وصحيحة غير مكذوبة، عن طريق

الأسانيد التي تطمئن لها القلوب، ثُمَّ قام علماء القرن الثالث بدورهم في رواية السنة وحفظها وكتابتها وتدوينها حتى وصلت إلينا طاهرة نقية) .

أمَّا الوضع مهما كان كثيرًا وهائلًا؛ فإنه كان معزولًا عن حديث المصطفى -صلى اللَّه عليه وسلم- بفضل اللَّه ثُمَّ بسبب جهود علماء الحديث، ونحن لا ننكر أنَّ هناك الكثير من الموضوعات التي نسبت إلى الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- ولم يكن ذلك خافيًا في عصر من العصور على علماء المسلمين ، فقد طبق علماء الحديث منهجًا نقديًّا شرعيًّا أفاد منه النقد التاريخي، واعترف المنصفون بأن منهج علماء الحديث في نقد الرواة، وبيان حالهم؛ يعد تاجًا على رأس الأُمَّة الإسلاميَّة .

(ولعلماء الحديث باع طويل في نقد الرواة) . . قيل ليحيى بن سعيد القطان: (أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءك عند اللَّه -عز وجل-؟

قال: لأن يكون هؤلاء خصمائي أحب إليَّ من أن يكون النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- خصمي، يقول لي: لِمَ لَمْ تذب الكذب عن حديثي. . .) ، وكان ابن المبارك يقول: (بيننا وبين القوم القوائم) ؛ يعني الإسناد، ويقول:

(الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال مَنْ شاء ما شاء) .

والسؤال الآن: هل يجهل (جولدزيهر) هذه الصفحات البيضاء، بل: هل بذل أتباع اليهودية أو النصرانية عشر معشار ما بذله علماء الحديث المسلمون في توثيق العهدين؛ القديم والجديد .

إنَّ الجواب على ذلك يأتي من خلال مقولة (وليم باركلي) فيما شاب الكتابات النصرانية من اضطراب، بسبب الحذف والإضافة ونحو ذلك، فهو يؤكد: (أن المتشابهات التي أثارتها التعاليم والإلحاقات التي أدخلت على الكتابات المسيحية بعد عيسى -عليه السلام- والتي حولت عيسى من شخصية بشرية إلى شخصية إلهية، ظلت كتابات وإلحاقات وتعاليم قابلة للتعديل بالحذف والزيادة حتى سنة (400) ميلادية، وهو تاريخ أول طبعة رسمية للعهد الجديد بالطبعة السريانية، المعروفة باسم (البيشيتو)، وظلت قانونية العهد الجديد مجال أخذ ورد، وحذف وإضافة، ولم تستقر على حالتها الراهنة إلَّا بعد قرار مجمع (ترنت) سنة 1546 م، فجاء هؤلاء العلماء ليجدوا أمامهم تراثًا هشًّا غير متناسق، ضعيفًا في إسناده التاريخي، وقابلًا بذاته للشك والتفنيد) .

2 – أمَّا ما قيل من أنَّ أصحاب المذاهب النظرية والعملية قد وضعوا أحاديث لتأييد مذاهبهم ونسبوها إلى الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه، فالواقع أنَّه (ظهرت حركة الوضع في الحديث، وهدّدت هذا الأصل الكبير من أصول

الإسلام بالتحريف) ، إذ سعت الفرق الضَّالَّة للوضع ونسبته إلى الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- وإلى أصحابه لمآرب سياسية وشخصية (ولكن العلماء بذلوا جهودًا جبارة في تمحيص الحديث ونقده، وتمييز الصحيح من الموضوع، فكما كان الوضع في الحديث لم يوجد له مثيل في عالم العلم والأدب، كذلك الجهود التي بذلت لتنقية الصحيح، وتمييزه من الموضوع والعلوم التي اخترعت للوصول إلى هذه الغاية والوسائل التي أُخذت لم يوجد لها نظير في الدنيا، ولم يحظ تاريخ قوم ولا أُمَّة بمثل هذه العناية، فالحركة التي كادت أن تهدم السنّة قد أدت إلى نتائج إيجابيّة أثرت في إشادة صرح السنة وبناء علوم الحديث) .

3 – وأمَّا مقولة (جولدزيهر) عن الأتقياء، وأنهم وضعوا أحاديث عارضوا بها سياسة الحكام، فإنها مقولة خاطئة وموهمة، فإنَّ المستشرقين وفي مقدمتهم (جولدزيهر) يطلقون على الشيعة (العلماء الأتقياء) مع أنَّ منهم (من كانوا أداة فساد وإفساد يتظاهرون بحب آل علي -رضي اللَّه عنه- ويغالون في ذلك حتى ألهوه ووضعوا الأحاديث في تأليهه، ويضمرون في أنفسهم كيد الإسلام والمسلمين) ، في حين أنَّ العلماء الأتقياء الذين خدموا السنة وحملوها هم غير أولئك؛ إنهم الذين عملوا على حفظ الأحاديث الصحيحة ونشرها، والاحتياط لها وبيان الأحاديث التى نسبت كذبًا وزورًا إلى الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأفتوا بعدم جواز روايتها أو نشرها من غير أن يخافوا

في اللَّه لومة لائم ولا سطوة ظالم، ومنهم الأئمة (الزهري، وسعيد بن المسيب “سيد التابعين”، وعامر الشعبي، وقد [عدّه] يحيى بن سعيد القطان “أول من فتش عن الإسناد”، وإبراهيم النخعي، وهو “صيرفي الحديث” والأعمش، وشعبة بن الحجاج، وحماد، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، ومالك بن أنس، -رضي اللَّه عنهم- أجمعين) ، هؤلاء هم حملة الحديث الأتقياء.

4 – أمَّا وضع الحكام للحديث كرد فعل على أولئك (الأتقياء) المزعومين؛ فإنَّه اتهام لحكام بني أُميَّة يدحضه التاريخ من ناحيتين:
الأولى: لم يكن بين علماء الحديث وبني أميَّة خصومة، ولا أيُّ نوع من العداء، وإذا كان هناك عداء بين الحكام وبين الشيعة والخوارج فإنَّ علماء الحديث غير هؤلاء وهؤلاء .

الثانية: لم يثبت أيُّ دليل يدين حكام بني أُميَّة بوضع الحديث، ولو بُحث في دواوين السنة لما وجد من بين الأحاديث الموضوعة حديث واحد رُوي عن طريق أيِّ حاكم من حكام بني أميَّة .

وخلاصة القول:

إنَّ مزاعم (جولدزيهر) ومن سار على نهجه من المستشرقين تأتي مؤكدة المنهج الاستشراقي المعادي للإسلام الذي انتهج أسلوب المغالطات والتلبيس، وكتمان الحق، وتحكيم الهوى، والحسد، ودس الزيف والشبهات، وهو بذلك ينتظم في تلك الحركة الباطنية التي تضرب

في أعماق التاريخ الإسلامي منذُ عبد اللَّه بن سبأ، وما تشعب عنه من شيعة وخوارج، ثُمَّ معتزلة وزنادقة. . . ثُمَّ تطفل على هذه المزاعم بعض أبناء المسلمين الذين قال عنهم أحد المفكرين المسلمين: (إنَّهم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا بيد أنهم خطر على كياننا) ، وقال عنهم قبل ذلك: (وولدوا في بلادنا ولكن عقولهم وقلوبهم تربت في الغرب، ونمت أعوادهم مائلة إليه فهم أبدًا تبع لما جاء به) .

أمَّا السيرة النبوية فقد تناولتها دراسات المستشرقين بالبحث والتقصي حول كل جزئية من جزئياتها، فقد تكلموا عن بيئة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- ولغته، وعن اسمه ونشأته، وتكلموا عن تحنثه في غار حراء، وخاضوا في سيرته قبل البعثة وبعدها، في الفترة المكية، ثُمَّ ازداد اهتمامهم بهجرته إلى المدينة وسيرته فيها، وعلاقاته بمن حوله من يهود ومنافقين ومشركين، ولم يتورعوا عن الخوض في أخص خصوصيات البيت النبوي، بل تناولوا أمهات المؤمنين، وعللوا زواج الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- بهن، وتكلموا عن أيام الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- الأخيرة .

وهم في ذلك كله يتذبذبون ما بين مقذع فاحش متفحش في تناوله لسيرة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- كلها أو بعض جوانبها، وما بين متناقض ينصف في جانب ويتحامل في جانب آخر.

ومهما يكن فإنَّ معظمهم يصدر من منطلق تجريد الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- من نزول

الوحي الإلهي عليه؛ لذلك فإنَّ الإطار الذي يدورون فيه هو الإنكار والجحود والتدليل على ذلك بألوان شتى من الأوهام والأباطيل، وقد يشيد بعضهم بعظمة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- ويصفه بالعبقرية، بل يضفي عليه ملامح العبقرية وصفات العظمة ليجرده من النبوة، ويسلبه نعمة الرسالة، وليتسنى له أن ينسب الإعجاز في سيرته والتميُّز في تاريخ أمته إلى عبقريته، وليس إلى كونه نبي اللَّه ورسوله .

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*