موقف المستشرقين من خصيصة العالَمِيَّة

موقف المستشرقين من خصيصة العالَمِيَّة ، تختلف آراء المستشرقين ومواقفهم حول هذه الخصيصة من خصائص تميّز الأُمَّة الإسلاميَّة، فمنهم من أقرَّ بها

موقف المستشرقين من خصيصة العالَمِيَّة

تختلف آراء المستشرقين ومواقفهم حول هذه الخصيصة من خصائص تميّز الأُمَّة الإسلاميَّة، فمنهم من أقرَّ بها، مثل (جولدزيهر) و (سيرتوماس أرنولد) وغيرهما ، ومنهم من أنكرها، ومنهم من أقرَّ بها، ولكنه نفى أن يكون الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- فكر فيها أو عمل لها، وإنَّما أفضت إليها حركة الأمَّة الإسلاميَّة التاريخية، ومنهم من تأرجح بشأنها، قائلًا: لا يُمكن إثباتها أو نفيها، فهناك نصوص تثبتها ودلائل تؤكدها، وهناك نصوص أخرى تدل على عكس ذلك.

ويعرض هذا المطلب بعض آراء منكري هذه الخصيصة واستدلالاتهم سواء الذين أنكروها البتَّة، أو أنكروها كخصيصة تميّز بها الإسلام من حيث المبدأ وطبيعته الذَّاتيَّة، أو تأرجحوا بشأنها.

أمَّا الذين اعترفوا بها فسيجري الاستشهاد بأقوالهم في سياق الردود على المنكرين، وتفصيلُ ذلك وفق الآتي:

أولًا: موقف المنكرين لخصيصة العالَمِيَّة وأدلة إنكارهم مع الرد عليها:

أ- زعم (فنسك): (أن دعوة الإسلام خاصة بالعرب)، وحُجَّتُه في ذلك أنَّ (الرسول عربي، وظهر في جزيرة العرب، والقرآن عربي، وأحكامه عربية، ويجري العمل به في بلاد العرب، والدعوة ظهرت في بلاد العرب) ، ويخلص من هذا إلى نتيجة محدَّدة هي (أنَّ الإسلام خاصٌّ بالعرب) .

واستدل (فنسك) على دعواه بعدّة آيات من القرآن الكريم زعم أنها تؤكد ما ذكر، منها قول اللَّه -جَلَّ وعَلَا-: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} [الشورى: 7]، وقوله تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 193 – 195]، وقوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2].

فهذه الآيات من وجهة نظره تؤكد خصوصية الإسلام لكون القرآن الكريم نزل باللغة العربية موجهًا إلى أم القرى ومن حولها، ويستدل بآيات أخرى يرى أنها تدل من وجهة نظره على أن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- عربي وبعث في أُمَّة عربية، منها قول الحق تبارك وتعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ} [الجمعة: 2]، وقوله جَلَّ وعلا: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا} [البقرة: 151]، وقوله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [آل عمران: 164].

أمَّا الرد على هذا الزعم الذي قرره (فنسك) فمن وجوه عِدَّة من أبرزها الآتي:

1 – هناك آياتٌ أخرى وأحاديث كثيرة تدل على عالمية الإسلام، كقول اللَّه تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سبأ: 28]، وقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، وقوله تعالى: {قُل يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158] ، فهذه الآيات وغيرها ذكر ابن كثير أنها: (خطاب للناس جميعًا الأحمر والأسود، العربي والعجمي، وهذا من شرفه وعظمته -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ لأنه خاتم النبيين، وأنّه مبعوث إلى الناس كافة) .

وقال الألوسي في ذلك: (أمر -صلى اللَّه عليه وسلم- بأن يصدع بما فيه تكبيت لليهود الذين حرموا أتباعه، وتنبيه لسائر الناس على افتراء من زعم منهم أنّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مرسل إلى العرب خاصة. . ببيان عموم رسالته -صلى اللَّه عليه وسلم- وهي عامَّة للثقلين) .

ومن الأحاديث الشريفة قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: “أعطيتُ خمسًا لم يعطهن أحدٌ قبلي” وذكر منها: “وبعثتُ إلى الناس عامَّة”، ومنها قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: “والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمَّة يهودي ولا نصراني، ثمَّ يموت ولم يؤمن بالذي أرسلتُ به إلَّا كان من أصحاب النار” .

يقول الشوكاني في تفسيره لقوله تعالى: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} الآية: (بعث اللَّه محمدًا صلى اللَّه عليه وآله وسلم إلى الأحمر والأسود، فقال: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} والأحاديث الصحيحة الكثيرة في هذا المعنى مشهورة) .

ومن السنَّة -أيضًا- ما رواه البخاري عن عدي بن حاتم قال: (بينا أنا عند النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثُمَّ أتاه آخر فشكا قطع السبيل، فقال: “يا عدي، هل رأيت الحيرة؟ ” قلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها. قال: “فإنْ طالت بك حياة، لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ ترتحلُ من الحيرة، حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحدًا إلَّا اللَّه” -قلتُ فيما بيني وبين نفسي: فأين دُعَّارُ طيءٍ الذين قد سعروا البلاد- “ولئن طالت بك حياة لتفتحنَّ كنوزُ كسرى”. قلتُ: كسرى بن هرمز؟ قال: “كسرى بن هرمز، ولئن طالت بك حياة لَتَرَيَنَّ الرجلَ يخرجُ ملءَ كفه من ذهب أو فضَّة، يطلب من يقبله فلا يجد أحدًا يقبله منه، ولَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ أحدُكم يومَ يلقاه، وليس بينه وبينه ترجمان يترجم له، فيقولنَّ: ألم أبعث إليك رسولًا فيبلغك، فيقول: بلى. . . ” الحديث .

2 – وإلى جانب هذه النصوص من الكتاب والسنّة وغيرها هناك دلائل متنوعة منها ما يتعلق بطبيعة الإسلام من حيث عقيدته وشريعته وأخلاقه وقيمه التي تميّزت بالعالميَّة، ومنها تاريخ الأُمَّة الإسلاميَّة المجيد الذي كانت العالميَّة من الخصائص المميِّزة لهذه الأُمَّة فقد اشتملت على جميع الأجناس ومختلف الفئات وانتشرت في أصقاع المعمورة، واستمرت مع كر الجديدين متألقة متفردة .

فكيف ساغ لـ (فنسك) وأضرابه أن ينسوا كلَّ هذه الحقائق، ويحصروا أنفسهم في دائرة الاجتزاء وإغفال هذا الواقع الذي لا يحتاج إلى دليل.
وليس يصح في الأفهام شيءٌ … إذا احتاج النهار إلى دليل

3 – ومن ناحية أخرى فإنَّ ما استدلَّ به (فنسك) من آيات موجَّهة إلى العرب فيما بدا له من ظاهرها عالميَّة الإسلام؛ وفي هذا يقول العقاد: (وإذا كان عرب الجاهليَّة قومًا لم يأتهم نذير من قبل فالدين الذي جاء به صاحب الدعوة المحمديَّة يعم المتدينين الذين سبقت إليهم الرسل، ويقوم النبي العربي بالدعوة إليه ليظهره على الأمر كله) ، ثُمَّ يستشهد يقول اللَّه تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [الصف: 9].

كذلك مهما كان القول في اللغة التي خاطب بها الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- الناس فإنَّ العبرة بكونه خاطب الناس كافَّة، أم القرى ومن حولها، ولا يُمكن أن تعزل الهداية عن غير أهل أم القرى .

وعن هذا قال العقاد أيضًا: (إذا كان خطاب الناس كافَّة يمنع أن يكون الخطاب مقصورًا على أمِّ القرى ومن حولها، فإنَّ خطاب أم القرى ومن حولها لا يمنع أن يعم الناس أجمعين) .

4 – وثَمَّة ناحيةٌ ثالثة قد لا يسَلِّمُ بها بعض المستشرقين ولكنها حُجَّة عقليَّة دامغة، وهي: (كيف يسيغ العقل أن يكون صاحب الدعوة المحمديَّة خاتم النبيين إذا كانت رسالته مقصورة على قوم لم يأتهم من قبل من نذير) .

5 – وإذا كان بعض المستشرقين يعترف بأن محمدًا -صلى اللَّه عليه وسلم- مرسلٌ إلى العرب فإنَّه (يلزم من تصديقهم بذلك أن يصدقوا ما جاء به من دعوة عامَّة وشاملة للعالمين) .

ب- وبلغ الأمر ببعض المستشرقين بقصد نفي عالميَّة الإسلام أن يعمَدَ إلى التحريف في الآيات القرانية التي وجَّهت الخطاب إلى الناس بعامة، وللمثال على ذلك فإنَّ (جورج سيل) ترجم قول اللَّه تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ} بقوله: (يا أهل مكة) .

ولا شك أن مثل هذا العمل ينم عن مجافاة واضحة للمنهجية والموضوعية والعلميَّة لدى (جورج سيل) وأمثاله من المستشرقين، ويؤكد ما ذكر من أن المنهجيَّة الاستشراقية في دراستها للإسلام تحدد الفكرة ابتداءً ثُمَّ تبحث عن أدلة تؤيدها، فإذا لم تجد لجأت إلى التحريف والتبديل، وليس قول (جورج سيل) هذا إلَّا أحد الشواهد الدّالّة على ذلك .

ج- وعَمَدَ بعض المستشرقين لتقرير دعواهم إنكار عالميَّة الإسلام إلى إنكار رسل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ورسائله إلى الملوك والعظماء في عصره المجاورين لدولة الإسلام من الأكاسرة والأقباط والروم وغيرهم، (ولقد اتكأ بعضهم في إنكاره على ما في الروايات ونصوص الرسائل المرويَّة من ثغرات) .
ولعل مِمَّا أُخِذَ على (توماس أرنولد) -الذي يعترف بعالمية الإسلام-

أنَّه رُبَّمَا تأثر بهذه الثغرات إذ عبَّر في سياق استشهاده بتلك الرسائل على عالميَّة الإسلام بقوله: (لم تكن رسالة الإسلام مقصورة على بلاد العرب، بل إن للعالم أجمع نصيبًا فيها. . . ولكي تكون هذه الدعوة عامة، وتحدث أثرها المنشود في جميع الناس وفي جميع الشعوب، نراها تتخذ صورة عمليَّة في الكتب التي قيل أن محمدًا بعث بها في السنة السادسة من الهجرة) ، فقد عبَّر (توماس أرنولد) بقوله: (قيل) التي تفيد التضعيف أو التشكيك، مع أنّه مقرٌّ بعالمية الإسلام وردَّ ردًّا قويًّا على منكري عالمية الإسلام بما ذكره في سياق كلامه.

أمَّا غالبية المستشرقين فإنهم لتأكيد إنكارهم عالمية الإسلام أنكروا أن يكون الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- قد بعث برسله ورسائله إلى الملوك والأمراء خارج الجزيرة، ومنهم (مرجليوث) الذي (ادعى أن الرسول لم يوجه أي كتاب للملوك والأمراء خارج الجزيرة) ، و (موير) فإنَّه يقول: (لم يوجه الرسول دعوته منذُ بعث إلى أن مات إلَّا للعرب دون غيرهم) .

وأنكر (برنارد لويس) في كتابه: السياسة والحرب في الإسلام: (أن يكون الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- قد أرسل الكتب والرسائل إلى الأمراء والملوك الذين عاصروه بحجة عدم العثور على ما يدل على شيء من ذلك في الوثائق التي خلفها هؤلاء) .

ويرد على هذه الأقوال من وجوه أبرزها:

1 – إن تلك الكتب أو الرسائل والرسل التي بعث بها الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى الملوك والأمراء المجاورين لدولة الإسلام، سواء في داخل الجزيرة أو مخارجها حدث تاريخي (مدون في أقدم كتب السيرة التي وصلت إلينا ولم يكن هناك أيَّة ضرورة دينيّة أو سياسيّة تحمل أحدًا في القرن الأول والثاني على اختراع خبر هذا الحادث وروايته وتدوينه) .

وقد اعترف بها بعض المستشرقين مثل (إميل درمنغم) في قوله: (ثُمَّ بعث النبي السرايا فدانت للإسلام قبائل كثيرة، ثُمَّ أرسل الكتب إلى الملوك والأمراء الأجانب) .

وكتب المستشرق (د، م، دنلوب) إلى محمد حميد اللَّه الحيدرآبادي بأنَّه ظفر بأصل الكتاب الذي بعثه الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى (النجاشي)، وأنَّه سينشر صورته الشمسية في مجلة الجمعية الملكية الآسيائية (GRAS) الإنجليزية .

إنَّ مثل هذه الشواهد والتحقيقات تسقط حجّة (برنارد لويس) التي تنفي العثور على ما يدل على شيء من تلك الرسائل التي بعثها الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى الملوك والأمراء الذين عاصروه، وتكشف دخل تلك المنهجيَّة الاستشراقية التي تنفي حقائق التاريخ ومسلماته بالآراء العارية عن الأدلة الناصعة، والتي لا تعدو كونها مجرد الاحتكام للأهواء والتعصب الأعمى.

2 – ويتصل بما سبق ما جرى من أحداث أخرى مثل توجيه الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- سريَّة (زيد بن حارثة) لقتال بني جذام لما حدث منهم (لدحية الكلبي) وهو في طريق عودته من هرقل .

ومثل تجييش الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- جيش مؤتة بقيادة (زيد بن حارثة) أيضًا لما حدث من (عمرو بن شرحبيل) إذ قتل (الحارث بن عمير) رسول اللَّه رسول -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى ملك (بصرى) .

(ومثل قدوم (مارية القبطية) وأختها من مصر هدية من المقوقس، وقد تسرى النبي بأولاهما وأولدها ابنه إبراهيم، وهذه حقيقة يقينيَّة) .
ومثل (إسلام (باذان) عامل كسرى على اليمن. . .) .

وما ورد حول هذه الأحداث التاريخية ونحوها من قصص تؤكد عالميَّة الإسلام، وكونها من خصائص تميز الأُمَّة الإسلاميَّة (ومهما أحاط بها من زيادة أو نقصان في سياق الروايات وتفاصيلها وتواريخها ونصوصها وأسماء أعلامها، فإنَّ كل ذلك لا ينهض لتكذيب الحادث، بل الثابت أن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- عقب هدنة الحديبية مع قريش وما أعقبه من انتصارات على اليهود، ونزول بعض الآيات التي أمرت الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- بنشر دعوته في الناس) كقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67].

وعلى الرغم مِمَّا أورده المفسرون حول زمن نزول هذه الآية إلَّا أن ابن كثير رجَّحَ أنها مدنية ومن أواخر ما نزل بالمدينة، إذ قال: (والصحيح أنّ هذه الآية مدنية بل هي من أواخر ما نزل بها، واللَّه أعلم) .

فمن الثابت أن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- (بادر إلى إبلاغ دعوته ورسالته إلى من هم خارج بيئته الخاصة) ، والمرجح أن ذلك حدث عقب (صلح الحديبية مع قريش وما أعقبه من انتصارات على اليهود) ، وكان الوقتُ مناسبًا لإبلاغ الناس بعامّة رسالة الإسلام، ولعل في قول اللَّه تعالى في نهاية الآية السابقة {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المائدة: 67] ما يدلّ على صحة ما تقدم ذكره، وقد قال ابن كثير في تفسيرها: (وقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} أي: بلغ أنت واللَّه هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء) .

من هذا كلّه تتضح عالميَّة الأُمَّة الإسلاميَّة من حيث مبادئها ومن حيث تاريخها، وأنَّ خصيصة العالميَّة ملازمة لتميز الأُمَّة الإسلاميَّة في جميع أطوارها.

ثانيًا: موقف من نفى خصيصة العالمية من حيد حونها من المبادئ التي تميزت بها الأُمَّة الإسلاميَّة

على الرغم من الإقرار بها تاريخيًّا بسبب ما أفضى إليها تطور الأمَّة، وتدل على هذا الموقف آراء بعض المستشرقين، كما يتضح مِمَّا يأتي:
أ- ادعى (موير) بأنَّ عالميَّة الإسلام (قد جاءت فيما بعد، وأنَّ هذه الفكرة على الرغم من كثرة الآيات والأحاديث التي تؤيدها، لم يفكر فيها محمد نفسه، وعلى فرض أنَّه فكر فيها، فقد كانت الفكرة غامضة، فإنَّ عالمه الذي كان يفكر فيه إنَّما كان بلاد العرب، كما أن هذا الدين الجديد لم يهيأ إلَّا لها) .
ويواصل مزاعمه قائلًا: (نرى أن نواة عالمية الإسلام قد غرست ولكنها إذا كانت قد اختمرت ونمت بعد ذلك، فإنَّما يرجع هذا إلى الظروف والأحوال أكثر منه إلى الخطط والمناهج) .

أمَّا الرد على (موير) فإنَّه من وجوه كثيرة، من أبرزها النصوص والأدلة التي ذكرتُ سابقًا، ويضاف إليها الآتي:

1 – إن قول (موير) بأنَّ نواة العالمية قد غرست يناقض ما ذهب إليه من قوله بأن محمدًا -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يفكر فيها، وهذا الزعم يناقضه أيضًا اعترافه بالآيات الكثيرة، وكذلك الأحاديث الكثيرة التي تؤيدها، فإذا كان الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- المبلغ عن اللَّه هو الذي نطق بالآيات والأحاديث المؤيدة للعالميَّة فكيف يتسنّى لـ (موير) أو غيره أن ينفي عن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- كونه فكَّرَ في عالمية الإسلام .

إنَّ مثل هذه الآراء لا تقوم بها حُجَّة ولا يقبلها العقل والمنطق.

وإذا كان (موير) يقصد من قوله هذا؛ إنَّ دعوة الإسلام مرت بمراحل لم تظهر العالميَّة في بدايتها، فإنَّ ذلك أمر طبيعي تقتضيه السنن الكونية والاجتماعية، ولكنه فسَّرَ هذا بأنه (يرجع إلى الظروف والأحوال أكثر منه إلى الخطط والبرامج) ، وهنا يلحظ البون الشاسع بين هذا المستشرق

وبين طبيعة الإسلام وخطوات الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- في تبليغه، إذ ينطلق -هذا المستشرق- في تفسيره للإسلام من بيئته هو وكأنه يتحدث عن رئيس حزب أو جمعيَّة أو نحو ذلك، وليس عن نبي مرسل يحكمه الوحي في كل خطوة يخطوها، ويجلّي ذلك ما في الكتاب والسنة في حجة الوداع، فقد نزل فيها قول اللَّه تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، وخطب فيها الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- قائلًا: “يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلَّا بالتقوى، أبلغتُ؟ قالوا: بلغ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. . إلى أن قال: ليبلغ الشاهد الغائب” .

إنَّ من ينظر في هذا يجد أنَّ دعوة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- قد سارت (حسب الطريق الذي رسمه له رب العزّة والجلال، في تبليغ دعوته، حيث إنَّه بدأ بدعوة أقرب الناس إليه، ثُمَّ أخذ يتدرج، فبعد أن دعا قريشًا قام بدعوة من جاورها، وذلك عندما ذهب إلى الطائف لدعوة أهلها، بعد أن أبت قريش الاستجابة له ومناصرته، وبعد عودته من الطائف أخذ (يعرض دعوته) على جميع القبائل التي تحضر الحج، وتجتمع في أسواق مكة، ثمَّ نقل دعوته إلى المدينة بعد أن هيأ اللَّه الأسباب لذلك، وفي المدينة سارت الدعوة في طريقها (إلى العالم أجمع) وراح الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- يزيل العقبات التي تعترض طريقها، ثُمَّ قام بمكاتبة الملوك ودعوتهم إلى الإسلام، وهكذا تدرجت الدعوة حتى بلغت لأهل الأرض) .

والسؤال هنا ألا يجد (موير) في هذا التاريخ وفي هذه السيرة معنى للخطط والبرامج قد يختلف معه المؤمنون في أصل الإيمان بأنَّ هذا كله مكتوب بما يفي بالخطط والبرامج التي يقصدها، ولكن ذلك في اللوح المحفوظ، وأجراه اللَّه في واقع التاريخ على يد سيد الخلق وصفوة الأنبياء والمرسلين وخاتمهم محمد بن عبد اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.

2 – إن هناك دلائل أخرى صاحبت سيرة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- منذُ البعثة وحتى انتقل إلى الرفيق الأعلى تدل على عالميَّة الإسلام، وإذا كان (موير) ينفي تلك العالميَّة استنادًا إلى سيرة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- قبل الهجرة وبعدها إلى حين صلح الحديبيَّة أو ما أعقب ذلك من انتشار الإسلام، فإنَّ من أبرز الدلائل على عالميَّة الإسلام وقبل أن يهاجر الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى المدينة المنورة القصص التاريخية الواردة في كتب السيرة والتاريخ كقصة (ورقة بن نوفل) و (النجاشي) ملك الحبشة، والراهب (بحيرى) و (نسطورا) و (عدَّاس)، فلكل واحدٍ من هؤلاء مع الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- أو مع خبر بعثته قصة تدل على عالمية رسالته -صلى اللَّه عليه وسلم- وكانت كلها قبل أن يهاجر إلى المدينة المنورة .

وبعد أن هاجر حدثت له قصصٌ أخرى مثل إسلام (سلمان الفارسي) وإسلام (عبد اللَّه بن سلام) وقصة (مخيريق) ونحو ذلك مِمَّا هو مبسوط في المصادر الإسلاميَّة ، وفي هذا دلالة صريحة على أن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يعلم بأنَّه مرسل إلى الناس كافَّة بل إلى الثقلين الجن والإنس، وكان عندما يعرض نفسه على القبائل يعلنها صريحة (بأنَّه مرسل إلى الناس كافَّة) ، بل ورد ذلك في خطبته الأولى في الإسلام حينما أمره اللَّه -عز وجل- بالجهر بالدعوة فقال: “واللَّه الذي لا إله إلَّا هو، إني رسول اللَّه إليكم خاصة وإلى الناس كافَّة” .

ب- زعم (يوليوس فلهوزن) بأنَّ الإسلام يرتكز على رابطة قوميَّة تتسم بالعصبية والضيق ولا تتسع في غير حدود رابطة الدم. . إذ قال: (لقد كان في وسع محمد عن طريق عقيدة تتجاوز دائرة معتنقيها الدائرة التي ترسمها رابطة الدم، أن يحطم رابطة الدم هذه لأنها لم تكن بريئة من العصبية وضيقها، ولا كانت ذات صفة خارجية عارضة، هذا هو الذي جعلها لا تتسع لقبول عنصر غريب عنها ولكن محمدًا لم ير ذلك، ومن الجائز أيضًا أنَّه لم يكن يستطيع أن يتصور إمكانية رابطة دينيَّة في غير حدود رابطة الدم) .

ويرد على هذا الزعم من ناحيتين:

الأولى: طبيعة العقيدة الإسلاميَّة وما امتازت به، فهي عقيدة منفكَّة عن رابطة الدم والعنصر، وأي رابطة أخرى غير التقوى، كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13]، وفي الحديث النبوي الشريف جاء قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: “يا أيها الناس، إنَّ اللَّه قد أذهب عنكم عُبْيَة الجاهليَّة وتعاظمها بآبائها، فالناس رجلان: بر تقي كريم على اللَّه -عز وجل-، وفاجر شقي هين على اللَّه -عز وجل-، والناس بنو آدم، وخلق اللَّه آدم من تراب ، قال اللَّه: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى} الآية”.
وفي حديث آخر أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- سئل أيَّ الناس أكرم؟ قال: “أكرمهم عند اللَّه أتقاهم” .

وقد أورد ابن كثير جملة من الروايات التي تبين بجلاء أنَّ رابطة الإسلام هي رابطة التقوى عند تفسيره للآية السالفة وقال: (فجميع الناس في الشرف بالنسبة الطينية إلى آدم وحواء -عليه السلام- سواء، وإنَّما يتفاضلون بالأمور الدينية، وهي طاعة اللَّه تعالى ومتابعة رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-) .

وبهذا يتضح أنَّ رابطة العالميَّة في الإسلام رابطة دينيَّة لا وجود للتفاضل فيها إلَّا بالتقوى والعمل الصالح، ورُبَّمَا دعا (فلهوزن) إلى مقولته هذه بحثه فيما أسماه الدولة العربية من ظهور الإسلام إلى نهاية الدولة الأمويَّة، ولعله استنتج من بحثه هذا قصر الإسلام على العرب، إن لم يكن حدَّدّ النتيجة سلفًا كما يظهر من عنوان مؤلفه ، ولا شك أن هذا استنتاج خاطئ؛ لأن دولة الإسلام عندما كانت بقيادة العرب لا يستلزم من ذلك كون رسالة الإسلام خاصة بهم.

الثانية: إنَّ الناظر في مبادئ الإسلام وتعاليمه من ناحية، وفي الأُمَّة التي حملت تلك المبادئ والتعاليم من ناحية أخرى يجد أجناسًا عدّة، وشعوبًا شتى، قد دخلت الإسلام وحملت دعوته، وتكونت منها جميعًا أُمَّته، ولم يحدّها زمان ولا مكان، ولا اختصت بقوم دون آخر، بل كانت دعوةً عالميَّة شاملة للبشرية أجمع.
وفي بداية الإسلام كانت أُمَّة الإسلام تتكون من بلال الحبشي، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي، إلى جانب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وخالد بن الوليد، يرتصون في الصلاة خلف الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- صفًا واحدًا متحاذي المناكب والأقدام، يتوجهون إلى قبلة واحدة، ويعبدون إلهًا واحدًا مقتدين في ذلك بمحمد -صلى اللَّه عليه وسلم-، وفي هذا المظهر البديع دلالة على تلك الرابطة العقديَّة التي ترتكز عليها العالمية في الإسلام، والتي تتجاوز رابطة الدم والجنس واللون والقوم إلى رابطة التقوى وعقيدة التوحيد، وقد اعترف بتفرد الإسلام في هذا بعض المستشرقين قائلًا: (كان محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- رسول اللَّه إلى الشعوب الأخرى، كما كان رسول اللَّه إلى العرب) ، وقبل ذلك أشاد بما أحدثه الإسلام في المجتمع العربي من تغيير جوهري، جاء على مفهوم القبيلة والأسرة المعروف آنذاك، فمحا عنه النزعة الفردية الشخصية (GENTES)، والموالاة، والجماعات المتحالفة، وأقام بدل ذلك صرحًا اجتماعيًا جديدًا، يرتكز على عقيدة الإيمان باللَّه، وينشئ روابطه كلها، ومنها رابطة القرابة والأسرة على أساس من عقيدة دين الإسلام ووفق مبادئه وقيمه .

ثالثًا: موقف المتشككين في عالمية الإسلام:

إذا كان بعض المستشرقين قد أقر بعالمية الإسلام وبعضهم الآخر أنكرها فإنَّ هناك رأيًا آخر شكك فيها، وممن عبَّر عن هذا الموقف المستشرق النيوزيلاندي (سوندرس) الذي يقول: (إن هناك أدلَّة تفيد أن محمدًا قد أراد بدينه أن ينشر على الناس، كما أن هناك أدلة أخرى تفيد أنَّه لم يفعل ذلك، فهي إذًا مسألة من مسائل الشك لا يقطع فيها بأي القولين) .

وبعد أن يستشهد بآيات ظاهرها التعارض من وجهة نظره بين عالميَّة الإسلام وخاصيَّته بالعرب، يعقب على ذلك بقوله: (إنَّ الأوروبيين المتخصصين بالإسلاميات ينقسمون انقسامًا شديدًا في هذه المسألة، فإنَّ (موير) يرى أنَّ الدعوة من البداية إلى النهاية كانت دعوة للعرب ولم يدع بها أحد غيرهم. . . ولكن (ولدكه) و (جولدزيهر) و (أرنولد) -وكلهم ثقات- يقولون: إنَّ محمدًا أراد بدينه منذُ أوائل الدعوة أن يكون عالميًّا ولم يرد به أن يكون مجرد عقيدة وطنيَّة محليَّة) .

ولم تقنع هذا المستشرق بعالميَّة الإسلام دلائلها من القرآن الكريم والسنّة النبوية والسيرة المطهرة، وهي الدلائل القوية الثابتة القائمة على النصوص الموثقة التي لا يعتريها الشك، بل كان يود أن يرى مصداق ذلك في وقائع تاريخيَّة تخرجه، ومن سار على أثره من دائرة الشك في عالميَّة الإسلام إلى دائرة الاعتراف بهذه العالمية مثل كتب الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- ورسله إلى الملوك والعظماء في عصره، فيقول: (إنَّه لو كان قد ثبت أنَّه كتب إلى هرقل، وملك الفرس وغيرهما من الملوك يدعوهم إلى الإسلام لانتفى الشك بالواقع، ولكن آراء الباحثين -مع الأسف- لا تميل إلى قبول هذه الأخبار، و (مونتغمري وات) يقول: (إنَّ هذه القصَّة لا يُمكن أن تقبل على حسب هذه الروايات) .

أمَّا الرد على هذا وأضرابه ممن يُمكن أن يندرجوا مع المنكرين لأدلة عالميَّة الإسلام النقليَّة والعقليَّة والواقعيَّة، فيوضحه بعض من تصدَّى للرد على (سوندرس) في إنكاره أو شكه في هذه الأدلة وذلك بقوله: (بالنظر إلى القرآن الكريم وحده هناك أكثر من أربعين آية يُذكرُ فيها اللَّه سبحانه وتعالى

باسم رب العالمين، وهذا عدا الآيات التي ذكر فيها بالنص الواضح أنَّه -عليه السلام- قد أرسل إلى الناس كافَّة، وأن القرآن قد تنزل عليه ليقرأ على الناس) .

أمَّا الأدلة العقليَّة فمنها ما أشار إليه العقاد بقوله: (بأنَّ القرآن الكريم جاء خطابًا من اللَّه على لسان المصطفى -صلى اللَّه عليه وسلم- لعباد اللَّه، ويستحيل أن يكون أبناء الجزيرة العربية دون غيرهم من البشر في جميع البلدان هم عباد اللَّه) .

ومِمَّا يذكر في الرد -أيضًا- أنَّ (سوندرس): (كان منساقًا مع إغراء المقارنة في غير موضع للمقارنة. . من حصر الدعوة الإسلاميَّة بين أبناء الجزيرة العربيَّة التماسًا لوجوه الشبه -التي لا وجود لها- بين الدعوة إلى الموسويَّة والدعوة المسيحية والدعوة إلى الإسلام، فإنَّ أتباع موسى -عليه السلام- قد دخلوا أرض الميعاد بعد وفاته، وأتباع عيسى -عليه السلام- هم الذين قاموا بتوجيه الدعوة إلى العالم بعد حصرها في بني إسرائيل، فينبغي على هذا القياس ذهابًا مع شهوة المقارنة بين الأديان في غير موضع للمقارنة أن يكون خلفاء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- هم الذين نشروا الإسلام بين الأمم غير العربيَّة، ولم يكن ذلك من برنامج محمد عليه الصلاة والسلام ولا من أصول رسالته إلى قومه) .

ومِمَّا يكشف حقيقة مقولة (سوندرس) وأبعادها أنَّ رأيه في عالمية الإسلام جاء في سياق حديثه في مقال بعنوان: “الخليفة عمر المستعمر العربي” ، ولكي يجري المقارنة بين انتشار الإسلام وانتشار اليهودية والنصرانية عمَد إلى التشكيك في عالمية الإسلام، بل قاده هواه وغرضه إلى نفيها.

وقد تنبه العقاد إلى هدف آخر يرنو إليه (سوندرس) من خلال مقولته تلك عبَّر عنه بقوله: (أمَّا إذا ساءت النية، وما أكثر الدواعي إلى سوء النية في كتابة تاريخ فلسطين. . فقد يفهم من كلام الكاتب أنَّ دخول الإسلام إلى فلسطين إنَّما كان عملًا من أعمال الاستعمار العربي، ولم يكن هداية دينية خالصة لوجه اللَّه) ، وعزَّز العقاد هذا الاستنتاج بقرينة صاحبت ذلك المقال، إذ قال: (ويرد هذا المخاطر -قسرًا- إذا اطلع القارئ في العدد نفسه على مقال مسهب عن دخول اليهود إلى فلسطين، ليتخذوها مأوى لهم وموطنًا موعودًا من عهد الخليل إبراهيم) . .

هذا إضافة لما سبق ذكره من الأدلة النقلية والعقلية والواقعية التي تثبت عالميَّة الإسلام وعالميَّة الأُمَّة الإسلاميَّة، ولكن هذا المستشرق وأمثاله من الذين وصفهم العقاد بأنَّهُم: (يقرؤون الكتاب المبين ولا يستبينون منه أظهر معانيه، بل أظهر كلماته، التي لا تحتاج إلى مراجعة من أخبار الإسلام أو أخبار التواريخ) ، وصدق القائل: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء: 82]، والقائل جل وعلا: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (45) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا} [الإسراء: 45 – 46]، وقال تعالى: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} [فصلت: 44].
وخلاصة القول في آراء (سوندرس) وغيره من المستشرقين الذين شككوا في عالميَّة الإسلام وفي كونها خصيصة تميَّزت بها الأُمَّة الإسلاميَّة على سائر الأمم؛ أن آراءهم تلك اراء أقرب إلى الجهل والغرض والحقد على الإسلام وأمته منها إلى العلم والمنهج النزيه.
والعالميَّة خصيصة من خصائص تَمَيُّز الأُمَّة الإسلاميَّة ثابتة بالنص والعقل والتاريخ .

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*