موقف المستشرقين من خصيصة الوسطية

موقف المستشرقين من خصيصة الوسطية . المستشرقين -المتحاملين على الإسلام- يصدرون في هذا الموضوع عن زعم باطل وحكم ظالم جائر فقاموس الاستشراق حافل بمسميات وألقاب عدائية

موقف المستشرقين من خصيصة الوسطية

إنَّ الوسطية هي إحدى خصائص تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة كما تدل على ذلك النصوص الثابتة من الكتاب والسنة، والشواهد التاريخية، ولكن المستشرقين -المتحاملين على الإسلام- يصدرون في هذا الموضوع عن زعم باطل وحكم ظالم جائر؛ فقاموس الاستشراق حافل بمسميات وألقاب من مثل البربريَّة والهمجيَّة والرجعيَّة، وأخيرًا الأصوليَّة والتطرف.

وعلى هذا فإنَّ مفهوم وسطية الأُمَّة الإسلاميَّة كان أبعد من أن يدركه الغرب بعامة وينكره المستشرقون في الأعم الأغلب على الرغم من معرفتهم لأدلته وشواهده، ويتضح هذا الموقف في إنتاجهم الفكري في مجال الإسلام والدراسات العربية الإسلاميَّة، وللتدليل على ذلك أورد ملامح من الصورة التي تشكلت عن الإسلام والأُمَّة الإسلاميَّة في الفكر الغربي في العصور الوسطى وما تلا ذلك حتى العصر الحديث:

1 – يكاد يجمع المستشرقون وغيرهم ممن كتب عن الإسلام والغرب بأنَّ مفهوم الإسلام في العصور الوسطى قد تشكل على نحو عدائي، وأنَّ صورة الأُمَّة الإسلاميَّة قد رسخت في الفكر الغربي مشوهةً كريهة؛ يقول (مونتغمري وات): (والنقاط الأربع الرئيسية التي تختلف بصددها صورة الإسلام في العصور الوسطى عنها في الدراسات الموضوعية الحديثة، هي:

أ- أنَّ الدين الإسلامي أكذوبة وتشويه متعمد للحقيقة.

ب- أنَّه دين العنف والسيف.

ج- أنه دين يطلق لشهوات المرء العنان.

د- أنَّ محمدًا هو المسيح الدجال) .

ثُمَّ يورد (مونتغمري وات) تحت هذه النقاط الأربع جملة من الأقوال لمشاهير مفكري القرون الوسطى من أمثال (توما الأكويني) الذي وصفه بأنَّه كان من بين أكثر مفكري القرن الثالث عشر اعتدالًا، ومع ذلك فإنَّه كان يتحدث عن الإسلام تحت ما أسماه بالفِرَق، وأنَّه (أي: الإسلام) كان يبيح المتع الجسديَّة التي تجذب الناس إليه، وأنَّ الأدلة والحجج التي جاء بها محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- ساذجة، وأنَّه خلط الحق بالباطل في القصص التي جاء بها، وليس لها سند من التاريخ، وأنَّ تعاليم الإسلام زائغة، ويفتقر إلى المعجزات التي تؤيد مزاعمه، ثُمَّ يصف الأُمَّة الإسلاميَّة بأنها تعيش في الصحراء حياة أقرب إلى حياة الحيوانات، وكانوا من الكثرة بحيث تمكنوا من إجبار الآخرين بالقوة العسكرية على اعتناق الإسلام، وأن النظرة المدققة توضح أن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- كما يزعم (توما الأكويني) – (حرَّف كل شواهد العهدين القديم والجديد) .

ومِمَّا ذكره (مونتغمري وات) في النقطة الثانية: (أنَّه بلغ الأمر بأحد المتحمسين المدافعين عن الحروب الصليبية وهو (humbert of romans) إلى حد قوله: (إن المسلمين شديدو الحماسة لدينهم لدرجة أنَّهُم يقطعون دون رحمة رأس أي مخلوق يهاجم هذا الدين في أيِّ إقليم يسيطرون عليه) .
وقد نفى (مونتغمري وات) هذا الزعم بقوله: (والواقع أن الصورة الأوروبية للإسلام هي أبعد ما تكون عن الحقيقة) ، ويقول: (إنَّ اليهود والنصارى وأتباع الديانات الأُخرى التي يعترف بها الإسلام لم يخيَّروا بين الإسلام والسيف، وأن الذين خيروا بينهما هم عبدة الأوثان وحدهم) .

ويواصل قائلًا: (ولم نسمع الكثير عن حدوث هذا خارج شبه جزيرة العرب، أمَّا النشاط الحربي للمسلمين، وهو الذي يملأ خبرُه كتب التاريخ، فإنَّما أدى إلى توسع سياسي، وجاء اعتناق الإسلام نتيجة للدعوة إليه، أو نتيجة الضغط الاجتماعي) .

وبعد نفيه لتلك المقولة أشار إلى الهدف منها بقوله: (وفي تلك الصور للإسلام باعتباره دين عنف ما يُراد به الإيحاء بأنَّه مخالفٌ تمامًا لصورة المسيحية باعتبارها دين سلام انتشر عن طريق الإقناع) ، ويلفت (مونتغمري وات) النظر إلى التناقض الشديد بين دعوى الصليبيين بأنهم أصحاب ديانة تدعو إلى السلم والمثالية وبين واقعهم التاريخي المخزي فيقول: (وقد أدرك بعض الكتاب أن مفهوم دين السلام مثالي لا علاقة كبيرة بينه وبين الواقع، وذهبوا إلى أنَّ عدم مراعاة المسيحيين السيئين لهذا المثل الأعلى لا يشكل اعتراضًا مقبولًا على المسيحية، ويبدو أنَّهم فسروا هذا التناقض بذكرهم أنَّ الغرض من الحروب الصليبية لم يكن إجبار العدو على اعتناق المسيحية بالقوة، وإنَّما كان -على حد تعبير (توما الأكويني) فيما بعد- منع الكفار من الوقوف حجر عثرة في سبيل العقيدة المسيحية، ورُبَّما كانوا يعنون أيضًا استرداد أراضٍ يرون أنَّها من حق المسيحيين) .

وتحت النقطة الثالثة تحدث (مونتغمري وات) عن نظرة الغرب إلى الإسلام بالادعاء أنَّه دين يطلق لشهوات المرء العنان، من خلال مزاعم عدَّة، منها:

حديثهم عن الزواج في الإسلام، وتعدد الزوجات، وأنَّه بلغ بهم الأمر أن يفسروا بعض آيات القرآن الكريم بما يبيح الزنى، إلى أن يقول: (وقيل: إن أشكالًا حيوانية وغير طبيعية للاتصال الجنسي بين الأزواج يمارسها المسلمون بكثرة، ويحثون عليها، بل ذهبوا إلى أنَّ القرآن يبيح الشذوذ الجنسي، ورأى بعضهم أن ذروة الإباحية الجنسية الإسلاميَّة في التصوير القرآني للجنة، وتحدثوا طويلًا عن الحور العين اللواتي سيكنَّ من نصيب المؤمنين فيها، ووجدوا في ذلك فضيحة أيّما فضيحة، كذلك انتقدوا بشدة حياة محمد الزوجية، وإنْ كانوا كثيرًا ما بنوا انتقاداتهم على مبالغات أو مزاعم كاذبة) .

ومنها قوله: (وزعموا أن القرآن يعلم الناس أن ينقضوا عهودهم متى كان في نقضها مصلحة لهم) .

أمَّا في النقطة الرابعة وهي قولهم: (إنَّ محمدًا هو المسيح الدجال) يقول (مونتغمري وات): (وكان جوهر التفكير المسيحي في هذا الصدد هو أنَّه حيث إنَّ محمدًا ليس بنبي، وحيث إنَّه أسس مع ذلك دينًا جديدًا فلا بُدَّ أنَّه ساهم إيجابيًّا في مساندة قوى الشر، ولا بُدَّ أنَّه كان إمَّا أداة للشيطان أو عميلًا له، وبهذا جعلوا الإسلام والمسيحية على طرفي نقيض) .

وقبل ذلك أشار إلى ما عرضه (بطرس المكرم) من أفكار علماء اللاهوت اليونانيين الذين زعموا أن الإسلام (هرطقة مسيحية، وذهبوا إلى أن الإسلام أسوأ من هذا، وأنَّه من الواجب اعتبار المسلمين كفرة، وأنَّ القرآن يحتوي الكثير من الكذب، وأنَّ محمدًا ليس بنبي) .

وإلى جانب ما ذكره (مونتغمري وات) يجد الباحث الحشد الهائل من مثل تلك المزاعم التي صدرت عن: (الكتاب والشعراء والمرتزقة في الغرب في قرونهم الوسطى ليهاجموا بها الإسلام، وتضافرت جهودهم مع جهود اللاهوتيين في ترسيخ تلك الصورة المشوهة للإسلام ونبيه وحملته، وهي التي يظهر الإسلام من خلالها على أنَّه عقيدة وثنيَّة، وأنَّ المسلمين يعبدون ثلاثة آلهة أو أكثر، أوصلها بعضهم إلى ثلاثين إلهًا) ، وأظهر الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- على أنَّه المسيح الدجال، وأنَّه الأمارة لليوم الآخر، وأنَّ حملة الإسلام إرهابيون وحشيون، وأُمَّته مجموعة من (الوحوش وأبناء الشياطين، وأهل لواط، ومشركون يعبدون مجمعًا من الأصنام الذي يضم الآلهة: جوبيتر، آبولو، دايانا، أفلاطون، والمسيح الدجال) .

وقد استمرت هذه الصور البشعة التي اختلقها اللاهوتيون وقتًا طويلًا تسيطر على الشعوب الأوربية ولا زالت تتأكد في العصر الراهن بجهود الصهيونية وتأثيراتها على الدراسات الاستشراقية، وهيمنتها على الدوائر السياسية ووسائل الإعلام الغربية، وإذا كانت أصوات بعض المستشرقين وتلاميذهم تحاول نفي هذه الصورة عن الإسلام والأُمَّة الإسلاميَّة في الدراسات الاستشراقية الحديثة فإنَّ الاختلاف بين تلك الصورة المشار إليها وبين الدراسات الاستشراقية الحديثة وقع في أساليب العرض وطرق التناول فحسب، أمَّا المنطلق والغاية بين هذه وتلك فإنَّه لا يكاد يتغيَّر، ولم يحدث بصددها إلَّا تعديل طفيف لا يمس جوهر القضية .

ومِمَّا لا شك فيه أنَّ هناك آراء اتسمت بالنزاهة والإنصاف وأظهرت بطريقة ضمنية أو مباشرة وسطية الأُمَّة الإسلاميَّة، وقد وردت هذه الآراء في كتابات بعض المستشرقين، وسيجري بحثها لاحقًا.

2 – على الرغم مِمَّا حدث في التاريخ الغربي عقب القرون الوسطى؛ من حركات دينيَّة، وتطورات سياسيَّة، وما صاحب ذلك من التحولات الفكرية، وما كان لها من آثار على العلم والمعرفة، إلَّا أنَّ موقف الغرب بعامة والمستشرقين بخاصة -في مسار الحركة الاستشراقية العام- من وسطية الأُمَّة الإسلاميَّة كان موقفًا أقرب إلى الإنكار والجحود منه إلى فهم هذه الخصيصة من خصائص تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة.

يقول: (إدوارد روز): (إنَّ المعرفة بالمحمديَّة (يعني الإسلام والأُمَّة الإسلاميَّة) التي تملكها أوروبا منذ قُرون قائمة على أساس التقارير المشوهة والمغلوطة كليًّا، التي أعدها المسيحيون، وهذا هو الأمر الذي أدَّى إلى نشر الأكاذيب والافتراءات المتنوعة حول المحمديَّة فكل خير وجدوه في المحمديَّة أخفوه تمامًا، وكلَّ شيء لم يكن محمودًا في عين أوروبا كبروه وبالغوا في بيانه أو شوهوا صورته في التعبير عنه) .

ويقول باحث آخر: (إنَّ الحضارة الأوروبية المعاصرة تستند في تكوينها العقلي إلى حدٍّ كبير على حركات فكريَّة تتابعت في تاريخها الحديث مثل (النهضة الأوروبية) و (الإصلاح الديني) و (حركة التنوير)، وقد زادت هذه الحركات من رسوخ ملامح الصورة المشوهة التي كونتها أوروبا عن الإسلام في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، وذلك كنتيجة لترديد التهم الباطلة التي ألصقت بالإسلام ونبيه وكتابه المقدس) .

ويستشهد على ذلك بعدّة أعمال أنجزها رواد الفكر والمعرفة في الغرب عن الإسلام والأُمَّة الإسلاميَّة، وكانت متأثرة بتلك الثقافة اللَّاهوتية المشوهة الشائنة، منها:

أ- ما قام به (دانتي) الذي قال عنه: (فدانتي الشاعر الإيطالي المشهور، وأحد أعمدة حركة النهضة، صور الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد أُلقِيَ في الدرك الثامن والعشرين من جهنَّم، وقد شطر إلى نصفين من رأسه إلى منتصفه، وصوره وهو ينهش بيديه في جسمه، عقابًا له على ما اقترف من فظائع وآثام، وسبب من شقاق؛ ولأنَّه في رأيه تجسيد كامل للروح الشريرة، وصور الإسلام كمن سبقوه زندقة أنتجت ظلًّا مخيفًا خيَّم على العالم كلِّه) .

ب- ويورد مثالًا آخر فيقول: (وأكد “بوليدور فيرجيل” -الذي يعتبر هو الآخر واحدًا من أكبر أركان النهضة- ما ذكره سابقوه من تهم وزاد عليها؛ فزعم أنَّ الإسلام نسيجٌ مشوه مستقى من مصادر مسيحية، وأن الرسول كان مصابًا بالصرع، وأن الإسلام انتشر بحد السيف، وشيوعية المرأة) .

ج- كذلك قال: (أمَّا “فولتير 1694 – 1778 م” الذي يعتبر من أبرز رواد حركة التنوير فقد وصف الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- بأنه مثير فتن ودجَّال، يدعي كذبًا المناجاة مع روح القدس، ويزعم أنَّه صاحب رسالة كلُّ سطر فيها ينم عن السخف الذي يناقض مبادئ العقل الأولي) .

د- ويذكر هنا أيضًا ما ورد في الموسوعة الفرنسية عن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- (فقد وصف (ديدرد) -وهو الآخر من رجال التنوير الفرنسي، ومن كتّاب الموسوعة الفرنسية- الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- بأنَّه: (قاتل رجال، وخاطف نساء، وأكبر عدو للعقل الحر) .
من هذا يتبين أن الصورة المشوهة للإسلام وأُمَّته في الفكر الغربي، قد ازدادت مع مرور الزمن سعة ورسوخًا.

3 – رُبَّمَا أوحت عبارة (مونتغمري وات) المشار إليها فيما سبق بأنَّ

تلك الصورة المشوهة للأُمَّة الإسلاميَّة لم تكن من عمل المستشرقين المحدثين، وذلك إذ يقول: (والنقاط الأربع الرئيسة التي تختلف بصددها صورة الإسلام في العصور الوسطى عنها في الدراسات الموضوعية الحديثة. . .) .

لكن هذا القول وإن كان يصح على النزر اليسير من الدراسات الاستشراقية التي قام بها أفراد قلائل وفي فترات تاريخية متباعدة، فإنَّه لا ينطبق بحال على معظم المستشرقين الذين وصفهم أحد المفكرين بقوله: (إنَّ المستشرقين جميعًا فيهم قدر مشترك من هذا الخصام المتجني، والتفاوت -إنْ وجد بينهم- إنَّما هو في الدرجة فقط، فبعضهم أكثر تعصبًا ضد الإسلام، وعداوته له من البعض الآخر، ولكن يصدق عليهم جميعًا أنَّهم أعداء. وإذا كان الاستشراق قد قام على أكتاف الرهبان والمبشرين في أول الأمر، ثُمَّ اتصل من بعد ذلك بالمستعمرين- فإنَّه ما زال حتى اليوم يعتمد على هؤلاء وأولئك، ولو أنَّ أكثرهم يكرهون أن تنكشف حقيقتهم، ويؤثرون أن يختفوا وراء مختلف العناوين والأسماء) .

والحقيقة أنَّ هذا ينطبق على أكثرهم حتى (مونتغمري وأت) على الرغم مِمَّا اتسمت به بعض دراساته من الموضوعية والإنصاف، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك عند الكلام عن خصيصة الربانية، وما أظهره (مونتغمري وات) من نفي لها في تناوله سيرة المصطفى -صلى اللَّه عليه وسلم- .

وإذا كانت الأبحاث الاستشراقية، ودراسات المستشرقين المتنوعة قد انتشرت في القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين، وتناولت الإسلام وتاريخ الأُمَّة الإسلاميَّة وادعى أصحابها أو معظمهم بأنَّها دراسات متجردة، وتتسم بالنزاهة والبحث العلمي المجرد عن التعصب الديني، وما يمليه من الهوى، والمحاباة العاطفية (إلَّا أنَّ نظرة تحليلية في هذه الدراسات تثبت نقيض ما يدعي أصحابها، فالصورة المشوهة القاتمة للإسلام لا زالت كذلك في كلياتها، وإن طرأ تغير جزئي على بعض تفاصيلها، والدراسة التي تنتكب الموضوعية والنزاهة لا زالت هي السائدة الغالبة على هذا الحقل، وإن كان ثمة تغير فذلك مِمَّا تحتمه القاعدة المشهورة (اختلاف الأحكام باختلاف المصالح والأزمان) .

إنَّ النظرة التحليلية الشاملة تدرك بأن دراسات المستشرقين لا تزال تدور في فلك تلك (الأفكار الجامحة التي كونتها أوروبا في فجر ولادتها الفكرية) ، ومن الأمثلة على ذلك؛ ما قاله عدد من المستشرقين في الإسلام والقرآن والرسول وبخاصة فيما يتعلق بالنظرة الاستشراقية إلى وسطية الأُمَّة الإسلاميَّة:

أ- يقول (بروكلمان) عن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- وعن القرآن الكريم: (أعلن ما ظنَّ أنَّه سمعه كوحي من عند اللَّه) .

ب- ويقول (توراندريه): (إن أفكار محمد غير متجانسة، وغير

منسجمة، ومضطربة أشد الاضطراب) ، ويقول أيضًا: (يبدو محمد في القرآن بصورة حالم ضال ينشد الحقيقة، فيشكل آراءَه ومثله استنادًا إلى ما تلقاه من تعليمات تصله اتفاقًا من غير أن يقيمها على حقائق ثابتة وحيَّة) .

ج- ويقول (جولدزيهر): (من العسير أن نستخلص من القرآن نفسه مذهبًا عقيديًّا موحدًا متجانسًا وخاليًا من التناقضات، ولم يصلنا من المعارف الدينية الأكثر أهمية وخطرًا إلَّا آثارٌ عامّة نجد فيها إذا بحثنا في تفاصيلها أحيانًا تعاليم متناقضة) .

ويقول أيضًا: (كان وحي النبي حتى في حياته معرضًا لحكم النقاد الذين كانوا يحاولون البحث عما فيه من نقص، وكان عدم الاستقرار والطابع المتناقض البادي في تعاليمه موقع ملاحظات ساخرة) .

د- ولعل موقف المستشرقين من وسطية الأُمَّة الإسلاميَّة يتضح بصورة جلية في قول (يوليوس فلهوزن): (يبرز في القرآن شأن القدرة الإلهيَّة تارة وشأن العدل الإلهي تارة أخرى، وذلك بحسب ما كان يحس به النبي دون مراعاة للتوازن بين الطرفين، ولا يشعر محمد بما في ذلك “من تناقض؛ لأنَّه لم يكن فيلسوفًا ولا واضعًا لمذهب نظري في العقائد” .

ويبرز كذلك في قول (دي بوير): (قبل الرعيل الأول من المؤمنين ما في القرآن من تناقض، وهو الذي نعلله نحن بتقلب الظروف التي عاش فيها النبي وباختلاف أحواله النفسية) .

ولكلٍّ من (نيكلسون) و (مكدونالد) و (سنوك هورغرونيه) و (شاخت)، وغيرهم من أعلام الاستشراق أقوالٌ مشابهة لما قاله (جولدزيهر) و (بروكلمان) و (توراندريه) و (فلهوزن) و (دي بوير)، المشار إليها فيما تقدم .

وعلى ذلك فإنَّ خصيصة وسطية الأُمَّة الإسلاميَّة محجوبة خلف تلك الأقوال، ولا يُمكن الباحث أن يجد في كتابات معظم المستشرقين إلَّا النزر اليسير مِمَّا يشير إلى تلك الوسطية. . . سيتطرق البحث إليه فيما بعد.

4 – وفي العصر الراهن تهز حمَّى الصهيونية أوصال الشعوب الغربية من خلال وسائل الإعلام المختلفة بهذه المزاعم والافتراءات، مضيفة إليها بريق الدعاية وفنون الخداع، وطرائق المكر السيئ بما تملك تلك الوسائل (من قدرة على الانتشار، وقوة الجذب والتأثير، من أن تجعل الصورة المشوهة عن الإسلام وأمته ضمن اهتمامات الفرد الغربي حتى أصبحت حديث المجالس والمنتديات الشعبية) ، وتجاوزت ذلك إلى أنحاء واسعة من أصقاع المعمورة في ظل تطور الإعلام الغربي وهيمنته الدوليَّة .

وفيما يأتي بعض النماذج على ذلك:

أ- تقول (جانيس تيري): (إنَّ صورًا للمجتمع العربي والعالم

الإسلامي تبدو متشابهة تمامًا في الروايات المعاصرة، وسواء وصف العرب والمسلمون بالتخلف أو الجشع، أو الشهوانية، أو الشيطان وعدم الإنسانية، فإنَّه كبش الفداء في جميع الروايات المعاصرة التي تتناول موضوعات عن الشرق الأوسط تقريبًا) .

ومِمَّا لحظته أيضًا أن هناك حشدًا هائلًا من الروايات تدور أحداثها حول فكرة أن المسلمين إرهابيون يهددون حياة البرآء من الناس، وأنَّ هذه الروايات تبرز تعاون المخابرات والحكومات الغربية مع (الأبطال الإسرائيليين) في مقاومتهم للإرهاب العربي) .

وتخلص (تيري) إلى القول: (بأنَّ صورة العالم العربي في الروايات المعاصرة مشحونة بكراهية ما هو عربي وإسلامي، ويُصوّر العرب بشكل مستمر في الروايات بأحقر أنواع القذف العنصري، فهم يصورون على أنهم لا إنسانيون، جبناء، معادون للمرأة والأطفال، ويصور الإسلام في صورة سلبيَّة للغاية، ولا تجد في تلك الروايات ولو إشارة إلى الجوانب والإسهامات الإيجابية للعرب وللحضارة الإسلاميَّة) .

ب- أمَّا المؤلفات العلمية فإنَّها تطفح بالتجني على الأُمَّة الإسلاميَّة وحقائق الإسلام بما يكشف البون الشاسع بين ما يكتبه عامَّة المستشرقين وبين وسطية الإسلام، وكون هذه الوسطية من خصائص الأُمَّة الإسلاميَّة.

وإذا كانت المعاجم والموسوعات من أبرز مظاهر العناية بالعلم والمعرفة، وألصقها بالمنهجيَّة والعلمية والتجرد، فإنَّ معظم المعاجم والموسوعات الحديثة في أوروبا وأمريكا وروسيا درجت على تناول الإسلام من خلال وجهة النظر الصهيونية وبأيدي مستشرقين إن لم يكونوا يهودًا فهم في خدمة اليهود والصهيونيَّة العالميَّة، وبناءً على ذلك فإنَّ ما كتب عن الإسلام والأُمَّة الإسلاميَّة جاء في الغالب موجهًا في هذا السياق، وتحت هذا التأثير .

وقد أجرى بعض الباحثين دراسة نقدية للموسوعة البريطانية، والفرنسية، والسوفيتية، واليهودية ، وخرج بنتيجة مفادها أنَّ هذه الموسوعات (تغافلت عن تتبع الجانب التاريخي المُشَكِّل للوجود والهويَّة العربية الإسلاميَّة) ، وأنَّ دائرة المعارف البريطانية في سياق تشويهها للإسلام والعرب عمدت إلى القول: (أنَّ محمدًا زعم أنَّه نبي مرسل من اللَّه وأنَّه أعظم الأنبياء وخاتمهم وأن المسلمين يعبدون محمدًا، ويعتقدون أن الكون خلق من نور محمد) .

أمَّا دائرة المعارف الفرنسية فتقول كما سبق الإشارة إلى ذلك: أنَّ الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- (قاتل دجَّال، وخاطف نساء، وأكبر عدو للعقل الحر) .
وزعمت دائرة المعارف السوفيتية أن الإسلام (يؤدي دورًا رجعيًّا، إذ أصبح أداة في أيدي الطبقات المستغلة لكبح الطبقة العاملة روحيًّا) ، وزعمت أن القرآن (مجموعة من المواد المذهبية والأسطورية والقانونية) .

ويذهب قاموس التاريخ العالمي البريطاني إلى القول بأنَّ (عصابة المافيا الإجرامية العالمية تمتد جذورها إلى أصول عربية، ويؤكد القاموس أن طبيعة العرب الإجرامية التي لا تقف عن السطو والقتل تؤكد هذه المقولة) .

ج- تؤكد الدراسات التي أجريت على المناهج الدراسيَّة في الغرب بأنَّ تلك المناهج قد صيغت على نحوٍ لم تظهر من خلاله وسطية الأُمَّة الإسلاميَّة بل أظهرتها بأوصاف من أهمها؛ (أن الإسلام ولد بين بدو الجزيرة العربية الذين هم (أميون) كليًّا، والذين يتخذون من غزو القوافل تسلية يعتزون بها) ، وأن المسلمين نشروا دينهم عن طريق العنف، وتركز تلك المنهج على مسألة الرق في الإسلام، وتعدد الزوجات، ووضع النساء في المجتمع الإسلامي وأنهنَّ في منزلة دونيَّة بالنسبة للرجال والأبناء ، وتذكر بعض كتب التاريخ التي تُدرَّس في المدارس الفرنسية بأنَّ العرب (لم يكونوا إلَّا غزاة غلاظًا متزمتين ومتعصبين، فرضوا دينهم بحد السيف، وأن الدول أو الشعوب التي قبلت باعتناق الإسلام إنَّما فعلت ذلك كي لا تدفع الجزية الباهضة التي فرضها المسلمون على الذين لا يدخلون في دينهم) .

ويتناول (مارسيل بوازار) دراسة علميَّة حديثة العهد وهي رسالة ماجستير نوقشت عام 1980 م في جامعة (تولون) بفرنسا. . عن الكتب المدرسية من 1945 م إلى 1971 م، ويقول (بوازار): (إنَّ النتائج التي توصلت إليها هذه الدراسة بالغة الدلالة؛ فمن جهة لم تحظ الحضارة الإسلاميَّة إلَّا بنصيب ضئيل من الكتب المدرسية لا يتجاوز 4% من مضمون هذه الكتب، ومن جهة أخرى اتسم وصفها للإسلام بجمود كبير بالرغم من اكتشافات الدراسات التاريخية المعاصرة) .

ومن النماذج التي عرضها (بوازار) الزعم المبثوث في هذه المناهج بأن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- منذُ (أُخْرِجَ من مكة ظلَّ مشغولًا باسترجاعها، ومنذُ البداية التجأ للعنف، ومكنه فنه في قيادة الجموع من توحيد أنصاره الذين زرع فيهم روح التعصب، ووعدهم بالجنة إذا ماتوا في سبيل الحرب المقدسة .

يلحظ (بوازار) من خلال تلك الدراسات جملة ملحوظات في مقدمتها ملحوظتان في غاية الأهمية:

أولاهما: (أنَّ الملامح الجوهرية للدين الإسلامي ونبيه تؤكد على (الحرب المقدسة) التبشيرية لإجبار العالم على اعتناق الإسلام، وعلى هذه الصورة التي هي أثر من آثار القرون الوسطى يقدم الإسلام على أنَّه ثقافة عدوانية من خلال نصوص حكمها وقدمها فكر عدواني في أساسه، تحرص على عرض العلاقات بين الإسلام والغرب بعبارات العنف والعداء، حتى يصبح التشويه هو معالم الإسلام الأساسية) .

وأخراهما: المشكلة الفلسطينيَّة إذ (إنَّ المشكلة الفلسطينية ليست درسًا من التاريخ المعاصر، وإنَّما هي خطاب سياسي ومذهبي لئيم وشرير، تعرض باللون الأبيض والأسود وبصورة تبسيطية، كأبطال رواية في العصر الحاضر) .

على أنَّ هناك تطورًا بطيئًا يتخذ طريقة لتصحيح تلك المناهج في أوروبا وأمريكا (ولن تكون النتائج مرئية إلَّا خلال بضعة عقود؛ لأنَّ الإعلام المبتور والقوالب المضحكة حول الإسلام ما تزال هي الرائجة) .

5 – على الرغم مِمَّا اتسمت به الدراسات الاستشراقية وسار عليه معظم المستشرقين من نفي لوسطية الأُمَّة الإسلاميَّة بصفة مباشرة أو غير مباشرة، فإنَّ هناك من المستشرقين من اعترف بتلك الوسطية وأظهرها بطريقة مباشرة أو ضمنية. . وتفصيل ذلك في النماذج الآتية:

أ- يقول المستشرق (جورج سارطون): (وكان الإيمان في الإسلام بسيطًا، كريمًا، معتدلًا، ومع ذلك فقد كان بالإمكان أن تشيع فيه الحماسة حين البأس إلى حد بعيد فينقلب المجاهدون حيئنذٍ ذوي حميَّة إمَّا أن يبلغوا بها الظفر وأن يسقطوا دونه شهداء) .

ففي قول (جورج سارطون) ما يبين وسطية الإسلام واعتداله، وأنه يتسم بالتسامح والكرم والبساطة، وقد تبلغ الحماسة فيه حين البأس إلى حد الاستشهاد أو الظفر، وقد علَّق عمر فروخ على مقولة (سارطون) هذه بمقارنة بينها وبين ما ذهب إليه (توماس أرنولد) من مبالغة في وصفه للتسامح في الإسلام إلى درجة قد تؤثر على مشروعية الجهاد وقال: (وهكذا يستطيع الإنسان فيما يتعلق بالتسامح أن يظهر المسلمين في صورة وضاءة (كما فعل أرنولد) أو في صورة حالكة شديدة (الظلمة) ، ولا شك أن الأُمَّة الإسلاميَّة وسط بين طرفين).

ب- ما قاله أحد المستشرقين من (أنَّ القرآن الذي أمر بالجهاد متسامح نحو أتباع الأديان الأُخرى، وقد أعفى البطاركة والرهبان وخدمهم من الضرائب، وحرَّم محمدٌ قتل الرهبان لعكوفهم على العبادات، ولم يمس عمر بن الخطاب النصارى بسوء حين فتح القدس) ، ويشير مستشرق آخر إلى ما فعله الصليبيون حينما دخلوا القدس قائلًا: (بعد أن سقطت المدينة، وقعت المذبحة، إذ ذبح كل المسلمين رجالًا ونساءً وأطفالًا. . . وفي معبد سليمان وحوله؛ خاضت الجياد في الدم حتى الركب بل وحتى اللجام. . أمَّا بالنسبة ليهود القدس فحين اجتمعوا في معبدهم الرئيسي أضرمت فيه النيران وحرقوا جميعًا أحياء) .

وإذا كانت هذه الأقوال تنصب على جانب واحد من جوانب الوسطيَّة كخصيصة من خصائص الأُمَّة الإسلاميَّة، صاحبت انتشار الإسلام، واتسمت بها علاقاتها مع الأمم الأخرى، فإنَّ هناك أقوالًا أخرى بينت الوسطية كخصيصة من خصائص الأُمَّة الإسلاميَّة في جانب العقائد وجانب العبادات، ولكنَّها تأتي ضمنًا في تلك الأقوال إذا أُخذَ في الاعتبار ما عليه الأمم الأخرى في تلك الجوانب.

ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره بعض المستشرقين عن هذه الوسطية:

أ- يقول (فرانز روزنثال): (وعندما ظهر الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- كانت اليهودية والنصرانية منتشرتين في الجزيرة، ولهما آراء متشابهة في التفسير التاريخي للحياة الإنسانية، غير أن الدين الإسلامي الذي بشر به الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يتميز بالوضوح والقدرة على تفهم أسس الوجود بصورة واضحة جدًّا ومن غير تعسف، والواقع أنَّ مفاهيم الإسلام أوضح وأقل جمودًا من ناحية العقيدة، من مفاهيم اليهود والنصارى الدينية) .

ب- ويقول (جاك ريسلر): (أمَّا الإسلام المسكون بهاجس وحدانية اللَّه وتوحيده، فقد رفض في سياق بحثه عن المطلق عقيدة الأقانيم الثلاثة، وابتعد بذلك عن المسيحية التي كان يتهمها بنوع من الشرك في تصورها لأُلوهيةٍ ذات ثلاثة أشخاص، ولكن الإسلام كان يعترف، بوفاءٍ نادرٍ جدًّا في تاريخ الأديان بأنَّ الكتب العبرانية أو المسيحية كانت منزلة (قبل أن يمسها التحريف)، وكان يتقبل قصص التوراة اليهوديَّة – المسيحية. وكبرهان على رسالته الإلهية، يعترف النبي ويحتج حتى بالتوافق القائم بين القرآن والتوراة،. . . ويدعو اليهود بتسامح وبتعقل في آن إلى طاعة شريعتهم، ويدعو المسيحيين إلى احترام أناجيلهم، ولكن من المؤكد أنَّ عليهم التسليم بالقرآن بصفته آخر كلام اللَّه، ودينه المنزل المميَّز) .

ج- ويتحدث (آرثركين) الفيلسوف الأمريكي المسلم، عن سبب إسلامه؛ قائلًا: (لقد بحثت طويلًا في سر الوجود وتعمقت في أبحاثي بحكم دراستي للفلسفة وعلم النفس، ورأيتُ أن الإسلام هو أقرب الأديان إلى السماء وإلى النفس الإنسانية، فتأكد يقيني بأنَّه الدين الكريم الذي أرتضيه وأؤمن به. . .) .

د- وعن العبادات في الإسلام قال (أميل درمنغم): إن الإسلام (يرى كمال العبادة في نيل الجسم حقه الشرعي) ، وقال بعد ذلك: (كان الكثير من المسلمين يكثرون من التوبة والاستغفار والصلاة والصوم، فرأى محمد أن القصد أولى من الإفراط. . . وأشار بالاعتدال في التقشف، وبترك كلِّ ما يميتُ النفس) .

ولعل (أميل درمنغم) يشير بقوله هذا إلى النفر الثلاثة الذين جاؤوا إلى الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال أحدهم: أصوم ولا أفطر، وقال الآخر: وأنا أصلي ولا أنام، وقال الثالث: وأمَّا أنا فلا أتزوج النساء. فنهاهم الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ذلك، وقال: “أما واللَّه إني لأخشاكم للَّه وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني” .

وعلى أيِّ حال فقد تحدث (أميل درمنغم) عن خصيصة الوسطية في جانب العبادات، وله -أيضًا- أقوالٌ أخرى عن وسطية المجتمع الإسلامي فيما يتعلق بمبادئ العقيدة والتشريع والنظرة إلى الدنيا والآخرة، إذ قال: (على ما تراه في دعوة النبي من المبادئ الأخروية لم يأل النبي جهدًا في تنظيم المجتمع الإسلامي تنظيمًا عمليًّا، فكان القرآن كتاب شريعة كما كان مثل كتاب التنبيه والزبور) .

وله بعد ذلك أقوال في مشروعية الأذان ومقاصد العبادات في الإسلام تأتي في مكان آخر إن شاء اللَّه.

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*