موقف المستشرقين من قضية استخلاف الأُمَّة الإسلاميَّة

موقف المستشرقين من قضية استخلاف الأُمَّة الإسلاميَّة ، اصطبغت دراساتهم -في الأعم الأغلب- بدوافعها الدينيَّة، والاستعماريَّة، والسياسيَّة، وغيرها، بالصبغة الدينيَّة ، الاستعمارية، السياسيَّة

موقف المستشرقين من قضية استخلاف الأُمَّة الإسلاميَّة

إنَّ قضية استخلاف الأُمَّة الإسلاميَّة في الأرض بعد الأمتين اليهودية والنصرانية، ورسالتها في الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقيادة الناس كافَّة تحت راية لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه، وفي منهج اللَّه القويم وصراطه المستقيم، ومكافحتها للشر والباطل والفتنة، واضطلاعها بالنهي عن المنكر، تحقيقًا لقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سبأ: 28]، وما يترتب على ذلك من سيادة الأُمَّة الإسلاميَّة واستخلافها، يتعارض ذلك كله مع ما يطمح الكفار إليه من السعي للسيطرة على العالم وقيادته والتحكم في مصيره.
وقد درج المستشرقون -في مسارهم العام- على الطعن في رسالة الأمَّة الإسلاميَّة، وتفسير هذا الهدف من أهداف تميُّزها بتفسيرات مختلفة كدعواهم أن هذا الهدف مضاد للحريات على صعيد الأفراد والجماعات، أو أنَّه يقضي على الإبداع والابتكار، ويعيق التطور والتقدم، وينطلقون في هذه القضية من منطلقات العداء للإسلام، والحسد لأمَّته، والتعصب المقيت للعقائد اليهودية والنصرانية.

وقد اصطبغت دراساتهم -في الأعم الأغلب- بدوافعها الدينيَّة، والاستعماريَّة، والسياسيَّة، وغيرها، ويتضح ذلك في النقاط الآتية:

الأولى: الصبغة الدينيَّة.

الثانية: الصبغة الاستعمارية.

الثالثة: الصبغة السياسيَّة.

أمَّا الصبغة الدينيَّة، فقد ذهب نفرٌ من المستشرقين منهم (تنمان،

وفكتور كوزان، والكونت جوبينو، وكرستيان لاش، وكوتيه) ، إلى القول: بأنَّ الإسلام وكتابه المقدس (كانا بطبيعتهما سجنًا لحريَّة العقل وعقبة كأداء في سبيل نهوض فكر مبدع مبتكر وخلاق، إضافة لموقف حزب أهل السنة المحافظ الذي منع اتباعه عن البحث العقلي المجرد، وحال دون ظهور الآراء الحرَّة والمذاهب الفلسفية المستقلة) .

ويأتي قول (كوزان) عن النصرانية على نحو آخر، إذ يقول: (المسيحيَّة هي آخر ما ظهر على الأرض من الأديان، وهي أيضًا أكملها، والمسيحية تمام كل دين سابق، وغاية الثمرات التي تمخضت عنها الحركات الدينيَّة في العالم، وبها (خُتِمَ) الدين، الدين المسيحي ناسخ لجميع الأديان كذلك كان الدين المسيحي إنسانيًّا واجتماعيًّا إلى أقصى الغايات، ومن أراد دليلًا فلينظر ماذا أخرجت المسيحية وجماعة المسيحيين للناس: أخرجت الحريَّة الحديثة والحكومات النيابيَّة، ثُمَّ ينظر من دون المسيحيَّة منذُ عشرين قرنًا سائر الأديان. ماذا أنتج الدين البرهمي والدين الإسلامي، وسائر الأديان التي لا تزال قائمة فوق الأرض؟ أنتج بعضها انحلالًا موغلًا، وبعضها أثمر استبدادًا ليس له مدى) .

ويقول (كودتيه): (الدين الإسلامي دين سامي بحت، مفرق وموحد بأضيق المعاني غير عقلي، لا يتفق والتفكير الحر. . . وقليل الميل إلى التصوف. . ومن المحال أن نتصور دينًا أكثر منه تعارضًا مع الفلسفة الإغريقيَّة الآريَّة بأعمق المعاني، وبناءً على هذا فالعقل العربي عاجز عن استخلاص القوانين والقضايا، ووضع الفروض والنظريات، ومن ثُمَّ فإنَّه يمتنع على العقليَّة الإسلاميَّة أن تنتج آراء علميَّة ومذاهب فلسفية) .

وممَّا استخلصه المفكر الإسلامي محمد البهي من دراسات المستشرقين أنَّ (الذي يسير عليه علماء الاستشراق في تقييم المبادئ الإسلاميَّة. . . إذا خالف الإسلام مثلًا في عرض مبادئه في القرآن ما تتضمنه النصرانية واليهوديَّة من مبادئ فاختلافه مع أيٍّ منهما دليل على أنَّه غير صحيح في نسبته إلى اللَّه) .

ويذكر أيضًا (أنَّ الفيصل في هذا وذاك (في نظرهم مبادئ اليهودية والنصرانية)، وما يقوم عليه منهج الاستشراق على هذا النحو هو على العكس تمامًا مِمَّا جاء في القرآن الكريم من جعل القرآن نفسه هو الفيصل، والحُجَّة في أنَّ ما طابقه هو دين اللَّه بينما ما خالفه ليس من دين اللَّه بل هو دخيل عليه) ، ولعله يشير بهذا إلى قول اللَّه تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا} [المائدة: 48].

وبالرجوع إلى جذور الاستشراق وتطوراته التاريخيَّة يتضح أن الدافع الديني والأهداف المرتبطة به ولَّدت حركة فكريَّة مضادة للإسلام، جاءت استجابة لنداءات أمثال (روجر بيكون) و (ريموند لل) اللذين طالبا بنقل المعركة والمواجهة مع الإسلام والأُمَّة الإسلاميَّة والغرب النصراني من ساحة الحرب إلى ميدان الغزو الثقافي المضاد ، وهو ما أطلق عليه (رينان): (محاولات (لل) الراميَّة إلى استبدال الصليبية العسكريَّة بالصليبية الثقافيَّة) ، وقال عنه: (من المعلوم أن هدم الإسلام كان حلم جميع حياته، وقد قدم سنة (1311 م)؛ وذلك في مجمع (فيينا) الديني، ثلاث عرائض إلى كليمانس الخامس (بابا روما) حول إيجاد منظمة حربية جديدة لهدم الإسلام، وإنشاء كليات لدراسة العربية) .

(أمَّا روجر بيكون فقد شدد على وجوب نقل الصراع ضد الإسلام إلى دائرة المواجهة العقائدية السلميَّة، حيث إن الصراع العسكري المسلح قد أثبت فشله) ، ويرى (أنّ الحكمة في العمل تقتضي استبدال الحرب بالدعوة السلميَّة التي حالت دون القيام بها على الوجه الأكمل والأمثل عدّة اعتبارات، منها: الجهل باللغة العربية، لغة الإسلام وأهله، ومنها: أن العقائد الإسلاميَّة لم تدرس بدقة ومن وجهة نظر نقديَّة تحليليَّة وتاريخيَّة حتى يسهل أمر تفنيدها، والاحتجاج على بطلانها) .

ويعلل (وليم روبروك) الرأي الذي يدعو إلى الاحتجاج الفكري المضاد للإسلام بقوله: (لأن الإسلام دين يقوم أصالة على عقيدة الفتح والجهاد، ومن ثمَّ فإنَّ عملية النقض العقدي للإسلام وأصوله تستوجب ابتداء معرفة اللغة العربية، وضرورة إقامة المراكز العلميَّة المتخصصة للاهتمام بها وتعليمها) .

ويكشف في ختام قوله هذا؛ الذي جاء في تقرير شارك به في المؤتمر الدولي للأديان الذي عقد في 30 مارس 1254 م في (قره قروم) ؛ عن توظيف الاستشراق لغرض عرقلة المد الإسلامي، وإعاقة استخلاف الأُمَّة الإسلاميَّة في الأرض، يقول (وليم روبروك): (إذا أمكن الوفاق والمصالحة مع النساطرة المنشقين البسطاء في مداركهم، وأعيدوا إلى حظيرة الكنيسة العالميَّة، وبذل الجهود من أجل هداية التتار إلى نور المسيحيَّة، أو حيل بينهم وبين اعتناق الإسلام، فإنَّ من الممكن إيقاف المد الإسلامي واحتجازه ومنع خطره عن الغرب) .

يقول عرفان عبد الحميد: (ومع تصاعد هذه الدعوة إلى نقل الصراع من دائرة الحرب والاستغراق في حملات الافتراء والتضليل إلى ميدان الدعوة السلميَّة، والاحتجاج العقدي على بطلان الإسلام؛ فإنَّ سيل الدراسات العاطفية التي تنم عن مزيج من الخوف والحقد على أهل العربية وعقيدة الإسلام بقي موصولًا ومستمرًّا، لا يعرف المهادنة والتعقل) .

وبعد أن يورد نماذج عديدة لمفترياتهم على الإسلام ونبيه وأمته؛ يقول: (هذه بعض مفردات الصورة التي تولَّدت في التصور الغربي عن الإسلام كدين، وعن العرب كفاتحين، وعن القرآن الكريم. . وهي الصورة التي لم تزدها القرون والدراسات إلَّا رسوخًا وتأكيدًا في مجالات ثلاثة لها خطورتها في مجمل الحياة الفكريَّة العامَّة للغرب أعني: دائرة المباحث الخاصة بتاريخ العهدين القديم والجديد. . وحقل التصورات والقصص والمسرحيات الأسطوريَّة، ثُمَّ الموروثات المتراكمة في الخيال الشعبي. ومع تغير المواقف الغربية الممجوجة هذه تحت تأثير التطورات الداخلية للفكر الغربي، طرأت تغييرات هامشية عرضية على هذه الصورة المخزية المعراة عن الحقيقة ، أمَّا جوهر هذا الموقف ودلالاته التاريخية فقد بقيت موصولة ومستمرة لا تكاد تعرف التحول عن المنطلقات الأولى التي بدأت حركتها منها) .

إن الدوافع الدينيَّة للدراسات الاستشراقية فيما يتعلق بالأُمَّة الإسلاميَّة جاءت لتحقق ما يتلخص في الآتي :

1 – بث الدعوة الدينيَّة النصرانية في الشعوب الإسلاميَّة وغيرها من أمم الأرض الأخرى، وخدمة أهداف التنصير بصفة عامَّة.

2 – الحد من انتشار الإسلام في العالم بعامَّة، وتحصين الشعوب التابعة للكنيسة ونفوذها بخاصَّة.

3 – تشكيك المسلمين في صحة الإسلام، وصدق النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وزعزعة ثقتهم في قيم الإسلام الحضارية والثقافية عن طريق إشاعة الشكوك والشبهات والمزاعم والآراء المتضاربة حول الإسلام من حيث عقيدته وشريعته وآدابه، وحول تاريخ الأُمَّة الإسلاميَّة وما سطرت من أمجاد .

وكل ذلك عن طريق دراسات توصف بالعلميَّة والمنهجية والموضوعيَّة، وتدخل عالم الفكر والتاريخ تحت مسمى البحث العلمي، وبالتالي تتشكل خلفيَّة فكريَّة صارمة تحكم على الإسلام وعلى الأُمَّة الإسلاميَّة بما لا يتفق مع جوهر الإسلام وحقيقة الأُمَّة الإسلاميَّة.

وعلى ذلك فإنَّ هذه الدراسات في مختلف أطوارها التاريخيَّة وأهدافها المتنوعة تمت لتعويق الأُمّة الإسلاميَّة عن تحقيق هذا الهدف العميق من أهداف تميُّزها، أعني قضية استخلافها في الأرض.

أمَّا النقطة الثانية وهي: الصبغة الاستعماريَّة: فإنَّ دراسات فئة من المستشرقين خضعت للباعث أو الدافع الاستعماري، وفيما يأتي أورد نماذج تبين ذلك، ثمَّ أعقب على ذلك بالرابط بين تلك الدراسات وقضية استخلاف الأُمَّة الإسلاميَّة باعتبارها هاجس الخوف من الأُمَّة الإسلاميَّة، وسبب الحقد عليها من قبل أولئك المستشرقين والقوى المعادية للإسلام من ورائهم.

(كتب كاتب اسمه (أشعيا بومان) في مجلة (العالم الإسلامي) مقالًا عنوانه: الجغرافية السياسية للعالم الإسلامي؛ ذكر فيه أن شيئًا من الخوف يجب أن يسيطر على العالم الغربي، لهذا الخوف أسباب، منها: أن الإسلام منذ ظهر في مكة لم يضعف عدديًّا، بل هو دائمًا في ازدياد واتساع، ثُمَّ إن الإسلام ليس دينًا فحسب، بل إن من أركانه الجهاد، ولم يتفق قط أن شعبًا دخل في الإسلام ثُمَّ عاد نصرانيًّا. . وكذلك يرى هذا الكاتب أن الصحراء كانت للمسلمين حصنًا منيعًا، ذلك لأن (البدو) نسبة مئوية كبيرة في المسلمين، وأنَّه ما من دولة حاولت التغلب على المسلمين، واتفق أن ظفرت إلَّا خسرت أضعاف ما خسر المسلمون في ذلك الكفاح. . . من أجل ذلك يقترح هذا الكاتب أن تتفق بريطانيا وفرنسا، ما دامتا أكثر الدول سيطرة على العالم الإسلامي على سياسة السيطرة على الشواطئ) .

فهذا الكاتب يطرح فكرته -في ذلك الحين- في خدمة الاستعمار، ويؤكد الواقع بأنَّ هذه الفكرة قد وجدت طريقها للتنفيذ بشكل أو آخر على أيدي الدول المستعمرة .

ويرى أحد الباحثين أن المستشرقين فيما قبل حملة نابليون على مصر كانوا لا يعتمدون على تخطيط دقيق وكافٍ ، أمَّا حمله نابليون فإنَّها (كانت منذُ البداية -وقبل أن تتحرك الحملة فعلًا- تهدف إلى احتواء مصر تمامًا، وقد وضعت الخطَّة على هذا الأساس، وهي خطَّة كان لها جانبها العسكري والاستعماري، ولكن كان لها جانبها العلمي والثقافي، وكانت مصر تعتبر الحلقة الأولى فقط ضمن سلسلة طويلة لاحتواء الشرق، ولقد تمخضت الحملة من الناحية العلميَّة، وبخاصة من ناحية الاستشراق عن إنشاء (المعهد المصري) بكل ما فيه من علماء ومفكرين في مختلف فروع التخصص، وهم الذين توفروا على دراسة مصر من مختلف الجوانب) .

ومِمَّا ذكر (إدوارد سعيد) أن كتاب (وصف مصر) الذي أنجزه هؤلاء المستشرقون تحت أنظار (نابليون) كان فيه متأثرًا بكتاب (كونستانتان دو فولني): (رحلة في مصر وسوريا) الذي ظهر في مجلدين عام 1787 م.

ومِمَّا يجدر ذكره أن (كونستانتان) وصف الإسلام بأنَّه نسق من النظم السياسية التي كانت تتسم بالعدوان والتحامل .

وفي هذا من الدلالات ما يؤكد أثر الاستشراق في التمكين للاستعمار، وأنَّه خدم الاستعمار -كما سبق بيان ذلك- قبل دخوله العالم الإسلامي، وأثناء سيطرته عليه وبعد خروجه منه ، وقد تمثل ذلك في توفير المعلومات عن الأُمَّة الإسلاميَّة وعالمها أرضًا وسكانًا، وما يتعلق بذلك من جغرافية وعادات وتقاليد، ثُمَّ دعم الاستعمار بالمعلومات التي يستخدمها لإحكام سيطرته على الشعوب الإسلاميَّة (ولقد ازداد الدور الذي لعبه المستشرقون في القرنين التاسع عشر والعشرين نتيجة لازدياد قوة العلاقة بين أوروبا والشرق؛ إذ أصبح الشرق مجالًا للتنافس السياسي والاقتصادي الغربي، حيث كان الغربيون يبحثون عن أسواق جديدة، ومستعمرات جديدة، وموارد اقتصادية جديدة. . . وكان المستشرقون أثناء هذا كله يؤمنون بأنَّ (الشرق شرق) وأنَّه لا يتغير، وهذا أساس قوي لظهور النزعة العنصرية لدى عدد كبير منهم، وإن لم يكونوا جميعًا قد عبروا عن ذلك (بالصراحة نفسها) التي نجدها عند (رينان) الذي ينسب كثيرًا جدًّا من الأوصاف والنعوت غير الكريمة للساميين وغيرهم من الشرقيين المنحطين -حسب تعبيره- وقد شاعت هذه الآراء بسرعة في الثقافة الأوروبية) .

وخلاصة القول: إن المستشرقين أو فئة منهم قد اصطبغت في دراساتهم عن الأُمَّة الإسلاميَّة بالصبغة الاستعمارية، وعن ذلك قال أحد الباحثين:

(لعب هؤلاء المستشرقون دور (العميل) لحكوماتهم، وحاولوا (وصف) الشرق (وبيان ما فيه) لتلك الحكومات بطريقة تشبع (رغباتها وتتفق مع أغراضها) وكان لابُدَّ لهذا التحول في الموقف من أن ينعكس على شخصية المستشرق ذاته، وبنظرته إلى نفسه، فلم يعد المستشرق في الأغلب يعتبر نفسه عالمًا ينتمي إلى طائفة أو فئة من العلماء لهم قيمهم وطقوسهم العلميَّة وتقاليدهم وأخلاقياتهم ومبادئهم التي تتحكم في عملهم، وتوجه هذا العمل، كما ترسم لهم سلوكهم داخل نطاق هذه الطائفة، وإنَّما أصبح يعتبر نفسه ممثلًا لثقافته الغربية ضد ثقافة الشرق) .

وهذه الصبغة الاستعمارية التي اصطبغت بها الدراسات الاستشراقية تعدُّ من وجهة نظر كثير من الباحثين: (عمليَّة تسليم الشرق للغرب) أو كما وصفها

(إدوارد سعيد) بأنَّها (المعرفة الاستعمارية) .

لذلك فإنَّ هذه الدراسات قد أظهرت (الشرق عامَّة والعالم العربي والإسلامي على وجه الخصوص في صورة العالم (العاجز فطريًّا) عن التقدم المادي والثقافي، وأنَّ خيره يكمن في إلغاء وجوده الحضاري المستقل، وهويته الثقافية المميزة له؛ والارتباط بالغرب: لغة وثقافة باعتباره (عالم التفوق والسيادة)، وكان هذا الشعور الأوروبي بالتفوق يزداد رسوخًا كلما تقدم الزمن بأوروبا في العصور الحديثة. وكان على الاستشراق الضالع مع الاستعمار، والقائم على خدمة أهدافه ومقاصده وغاياته أن يُهَيِّئ الأسباب النفسية والثقافية التي من شأنها أن تولد عند الشرقيين عامة ميلًا للخضوع والخنوع، والاستسلام للغرب، وتفوقه الحضاري وسموّه المادي) .

وعلى هذا فإنَّ قضية استخلاف الأُمَّة الإسلاميَّة تغيب في هذا الزخم الاستعماري المضاد الذي عاد بالحروب الصليبية متذرعة بالفكر وسلاح العلم والمعرفة الموجهة ضد تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة، وما يهدف إليه هذا التميُّز من سيادة وريادة وقيادة.

أمَّا النقطة الثالثة وهي: الصبغة السياسية: فإنه إذا كان الاستعمار قد رحل عن معظم بلدان الشرق وعن العالم العربي والإسلامي لظروف تاريخيَّة وسياسية وتطورات فكريَّة لا يتسع المجال لذكرها، فإنَّ الصراع الفكري والغزو الثقافي استمر في صور جديدة يموج بها العالم الإسلامي للنيل من عقيدة الأُمَّة الإسلاميَّة، والقضاء على شخصيتها المتميِّزة (لقد تطورت الوسائل، وتعددت طرق المواجهة الثقافية الحديث، ويكفي أنَّ مراكز البحوث والدراسات، سواء كانت مستقلة أو أقسامًا للدراسات الشرقية، في الجامعات العلميَّة في الغرب وما يوضع تحت تصرفها من الإمكانات الماديَّة، والمبتكرات العلمية والاختصاصات الدراسية، تمثل الصورة الحديثة التي تطور إليها الاستشراق، حيث تمكن أصحاب القرار السياسي من الاطلاع والرصد لما يجري في العالم يوميًّا) .

وقد ذكرت بعض الإحصائيات ما قيل قبل عقد من الزمان بأن (في القارة الأمريكية وحدها، حوالي تسعة آلاف مركز للبحوث والدراسات، منها حوالي خمسين مركزًا متخصصًا بالعالم الإسلامي، ووظيفة هذه المراكز تتبع ورصد كل ما يجري في العالم، ثُمَّ دراسته وتحليله، مقارنًا مع أصوله التاريخية ومنابعه العقائدية، ثُمَّ مناقشة ذلك مع صانعي القرار السياسي، لتبنى على أساس ذلك الخطط، (والاستراتيجيات)، وتحدد وسائل التنفيذ) .

وعلى الرغم مِمَّا اتسمت به بعض الدراسات الاستشراقية الحديثة من اتزان وموضوعية؛ إلَّا إنَّ تلك الدراسات المرتبطة بدوائر العداء للإسلام والصراع الحضاري مع الأُمَّة الإسلاميَّة بخاصة والشرق بعامَّة تحاول -بصفة مباشرة وغير مباشرة- (إلغاء النسق الفكري الإسلامي، وتحاول تشكيل العقل المسلم، وفق النسق الغربي) ، وقد انتهجت في ذلك الوسائل والأساليب الآتية:

1 – إنجاز دراسات تظهر تفوق الغرب وخطره و (أنَّ أوروبا مركز الكون كله، وأن الثقافات والحضارات والآداب العالمية ليس لها قيمة إلَّا إذا اتفقت تمامًا مع الثقافات والحضارات والآداب الأوروبية) .

2 – التحذير من الإسلام، وقد وصل الأمر ببعض المستشرقين إلى أن يقول: (إنَّ الإسلام حكاية متقلبة وخطرة، وحركة سياسيَّة تتدخل في شؤون الغرب وتقلق راحته، وتحرض على العصيان والتعصب في كل أرجاء العالم) ، ويذهب بعض الباحثين إلى القول بأن المستشرقين كانوا (يعتبرون الإسلام أكبر عائق في سبيل التقدم والرقي) .

3 – أسهمت الدراسات الاستشراقية المغرضة في تحفيز الدول الغربية على العمل ضد الإسلام، وقد تمثل ذلك في أساليب عدَّة منها :

أ- العمل على إضعاف صلة المسلمين بالإسلام.

ب- نشر الإلحاد العلمي في الأوساط الإسلاميَّة.

ج- الحد من اليقظة الإسلاميَّة.

4 – ومن الأساليب التي انتهجها بعض المستشرقين، وكانت ذات صبغة سياسيَّة مرحليَّة الدعوة إلى (فكرة أن الإسلام نفسه يتجدد، ويخضع لعامل الزمن في تطوره، ومن ثَمَّ فلا داعي للتقيد بتعاليم الماضي جملة في تكييف الحاضر) .

ولعل من أبرز المستشرقين في هذا المضمار المستشرق الإنجليزي (جيب)، وتتجلَّى فكرته هذه في الكتاب: (إلى أين يتجه الإسلام whither Islam) الذي كتب مقدمته، وتولى إعداده مجموعة من الباحثين، فظهر عبارة عن مجلة للدراسات الإسلاميَّة كان هو أكثر المسهمين فيها عطاءً، وكان يعمل مستشارًا لوزارة الخارجية البريطانية .

ولعل هذا الكتاب وما تضمن من أفكار جديدة نحو الأُمَّة الإسلاميَّة كان أساسًا للتقرير الذي يذكر أنَّ بريطانيا أعدَّته بعد الحرب العالميَّة الثانية ، ويدعى (Scarbrough Repcrt) ، ويقول أحد الباحثين: (إنَّ هذا التقرير يستحق أن يعتبر ميثاق الاستشراق الجديد ” charrter of Modern orientalism” ، وذلك لما تضمنه من إشارات إلى الاتجاهات الحديثة في احتواء الأُمَّة الإسلاميَّة، وإعاقتها عن أداء رسالتها، وذلك عن طريق تطوير الإسلام نفسه، وتطبيعها على الحياة الغربية وأنماطها في الفكر والسلوك، وبالتالي فإنَّه لن يتحقق لها الاستخلاف في الأرض، وإنَّما تفرض عليها التبعيَّة بعد إذابة تميُّزها.

والذي يظهر من أطروحات (جيب) هو إدراكه العميق لذلك الهدف الملازم لتميّز الأمَّة الإسلاميَّة، وقد عبَّرَ عنه بقوله: التعاليم الدين الإسلامي من السيطرة على المسلمين في كل تصرفاتهم ما يجعل لها مكانًا بارزًا في أيِّ تخطيط لاتجاهات العالم الإسلامي، فالإسلام ليس مجرد مجموعة من القوانين الدينيَّة، ولكنه حضارة كاملة) ؛ لذلك يرى (جيب) أنَّه يُمكن زحزحة المسلمين تدريجيًّا عن مواقفهم ومواقعهم التي يوجبها عليهم الإسلام من خلال الإسلام ذاته، وذلك بمحاولة تطوير الإسلام عن طريق تطويع المسلمين وتطبيعهم شيئًا فشيئًا على مفاهيم الغرب، وليكن ذلك عن طريق التجديد في الأمور الشكلية والمظاهر الخارجيَّة من خلال التأثر بالأساليب الغربية في وسائل الحضارة وأنماط الثقافة والفكر والمعرفة والعلوم الحديثة، ومن ثمَّ تتمكن الموازين المسيحيَّة من الهيمنة على ذاتية المسلمين حتى تبلغ بهم حالة الذوبان الكامل، ويأخذون بصورتها وملامحها .

وعن هذه الفكرة قال (جيب): (قد يبدو للنظرة الأولى أن الجمهرة العظمى من المسلمين لم تتأثر بمؤثرات دينيَّة أوروبية، وأنّ التفكير الديني الإسلامى قد ظلَّ وثيق الصلة بأصوله الدينيَّة التقليديَّة، ولكن ذلك ليس هو الحقيقة كلها، فالواقع أن التعاليم الدينيَّة ومظاهرها عند أشد المسلمين محافظة على الدين وتمسكًا به قد أخذت في التحول ببطء خلال القرن الماضي) .

وتأتي فكرة تطوير الإسلام ليواكب الحضارة الغربيَّة وقيمها ومبادئها ومفاهيمها كأفضل بديل يطرحه المستشرقون -المرتبطون بدوائر الصراع الفكري- لإعاقة الأُمَّة الإسلاميَّة عن تميُّزها الكفيل بإعادة دورها في التاريخ حتى تسترد مكانتها في القيادة والسيادة، وهي متمسكة بمقومات ذلك التميُّز وخصائصه وأهدافه.

إنَّ ما يهدف إليه هذا المشروع الاستشراقي الحديث في حقيقته، وفي نهاية تحليله هو إذابة تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة عن طريق تطوير الإسلام ذاته، وإيجاد صيغ جديدة لهذا التطوير انطلاقًا من ضغط ظروفها الداخلية، وبما يتلاءم مع معطيات الثقافة الغربية ومفاهيم الغرب وقيمه ، وليس ارتقاءً بحاضر الأُمَّة، وإنَّما هو كما قال أحد الباحثين: (قتل الشعور بالذات. . . في صورة فكر تلفيقي انتخابي مشوه ليس فيه ما يعكس عبقرية أهله. وليس فيه من التدفق الذاتي الذي يعين على انبعاث حضاري ويقظة فكرية، وإذا سلمنا بحقيقة: أن وجود الأُمَّة واستمرارها التاريخي مرهون بشعورها القوي والمتجدد بذاتها الممتدَّة في الزمان، أدركنا خبث هذه الدعوة من حيث إنَّها أرادت خلق حالة من الغربة والانفصام بيننا وبين تاريخنا الفكري والحضاري، لننتهي إلى خواء روحي وعقلي مدمر، وينتهي الأمر بنا إلى الانتحار الحضاري) .

ويبدو أن هذا المشروع الاستشراقي هو الخيار الأخير للأُمَّة الإسلاميَّة -من وجهة النظر الاستشراقية- فها هو المستشرق (ك. كراج) رئيس تحرير مجلة العالم الإسلامي يعبر عن ذلك فيقول: (إن على الإسلام إمَّا أن يعتمد تغييرًا جذريًّا فيه، أو يتخلى عن مسايرة الحياة الحديثة) .

وخلاصة القول: إنَّ الدراسات الاستشراقية -في جملتها- قد اصطبغت بالصبغة السياسيَّة إلى جانب الصبغة الدينيَّة والاستعمارية مستجيبة في ذلك للتطورات الفكرية والتاريخية في الغرب وفي العالم الإسلامي على السواء؛ للحيلولة دون قيام الأُمَّة الإسلاميَّة بما أوجبه اللَّه عليها من الشهادة على الناس وقيادتهم في صراط اللَّه المستقيم، وكان يسهام الاستشراق في ذلك كما قال إدوارد سعيد: (النظر إلى الأُمَّة الإسلامية كمشكلة تتطلب الحل أو الحصر ضمن حدود، أو الاحتلال. . .) .

وإذا كان الاستشراق المعادي للإسلام يقدم هذه النظرة من خلال دراساته إلى القوى المعادية للأُمة الإسلامية؛ فإنَّ ما تضمنته هذه الدراسات لا يعدو أن يكون: (شن غزو فكري عام على الإسلام وعقيدته وشريعته وحضارته، واتهامه بالقصور عن مسايرة الحياة الحديثة ومحاولة تغييره بما ينسجم مع الحياة الغربية الحديثة) ، بهدف إعاقة رسالة الأُمة الإسلامية، ومحاولة صد الناس عن الاستجابة لها وتفاعلهم معها، فهذه المحاولة التي تبنَّاها المستشرقون؛ تنطلق من مبدأ أن لا يسمح للشرق أبدًا بأن يتجه وجهته الخاصة أو ينفلت من السيطرة، إذ أن وجهة النظر في ذلك كله هي (أن الشرقيين لا يمتلكون تراثًا من الحريَّة) .

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*