مَاهِيَّة الفقر في الإسلام

مَاهِيَّة الفقر في الإسلام

المَطْلَب الأول: مَاهِيَّة الفقر في الإسلام

الفقيرُ هو: مَن ليس له مالٌ ولا كَسْبٌ لائق به، يقَع مَوْقِعًا مِن كفايته؛

مِن مَطْعَمٍ ومَشْرَبٍ، ومَلْبَسٍ ومَسْكَنٍ، وسائر ما لا بُدَّ منه لنفسه، وما تَلْزَمُه نَفَقَتُه مِن غير إسرافٍ ولا تَقْتيرٍ،

كمَن يحتاج إلى عشرة ريالات كلَّ يوم، ولا يجد إلا أربعةً أو ثلاثةً أو ريالين،

أما المسكينُ فقد اختلف العلماءُ في تعريفه على أقوالٍ، ومِن أشهرها:

أنه الذي يَمْلِك قوت يومه، ولكن لا يَكْفِيه،

وذَكَر بعضُهم أن المسكين والفقير بمعنًى واحدٍ، وهذا له حظٌّ مِنَ النظر لو ورَد لفْظُ المسكين في سياقٍ مُنفردًا عن الفقير،

أما لو اجتمع لفظُ المسكينِ والفقيرِ فلا بد من التفريق بينهما في المعنى،

وقد اختلف العلماءُ حول الفقير والمسكين اختلافًا كثيرًا؛ فذهب أبو يوسف صاحبُ أبي حَنِيفَةَ، وابنُ القاسم مِن أصحاب مالك إلى أنهما صِنْفٌ واحدٌ، وخالَفَهما الجمهورُ ([1]).

تعريف الطبري

وذَكَر الطَّبَرِيُّ في تفسيره أن المراد بالفقير: المحتاج المُتَعَفِّفُ عن المسألة،

والمسكينُ: المحتاجُ السائل ([2])؛ كما قال تعالى في شأن اليهود: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ} ([3]).

تعلايف شيخي زاده

وذكَر “شيخي زَادَهْ” في كتابه مَجْمَع الأَنْهُر أنَّ الفقيرَ والمسكينَ عند الحَنَفِيَّة والشافِعِيَّة هو مَن يَمْلِك شيئًا دون النِّصابِ الشرعيِّ في الزَّكاة ([4]).

والمِسْكين مَنْ قَدَر على مالٍ أو كَسْبٍ حلالٍ لائقٍ (يقَع موقعًا مِن كِفايته)، وكفايةِ مُمَوِّنِه مِن مَطْعَمٍ وغيرِه، (ولا يَكْفِيه)،

كمَنْ يحتاج عشرةً فيجد سبعةً أو ثمانيةً، وإن ملَك نِصابًا أو أنصباء،

ومِن ثَمَّ قال في الإحياء: قد يَمْلِك ألفًا وهو فقيرٌ! وقد لا يَمْلِك إلا فأسًا وحَبْلاً وهو غنيٌّ!

ولا يَمْنَع المسكنةَ المَسْكَنُ، والمُعْتَمَدُ أنَّ المرادَ بالكفاية هنا كفايةُ العُمر الغالب، نظير ما يأتي في الإعطاء،

وإن فَرَّقَ بينهما فلا يقال: يَلْزَم على ذلك أخْذُ أكثر الأغنياء بل الملوك مِن الزَّكاة!

لأنَّا نقول: مَن معه مالٌ يَكْفيه رِبْحُه، أو عقارٌ يكفيه دَخْلُه- غَنِيٌّ،

والأغنياءُ غالِبُهم كذلك فضلاً عن الملوك، فلا يلزم ما ذُكِرَ، وقد عُلِمَ مِن ذلك أن المِسْكينَ أحسنُ حالاً مِن الفقير، خِلافًا لِمَنْ عكَس،

واحتجوا بقوله تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ} ([5]

حيث سَمَّى مالكيها مَساكينَ؛ فدَلَّ على أن المِسْكينَ مَنْ يَمْلِك ما لا يكْفيه ([6]).

ولا يُخْرِجُ الفقيرَ أو المِسْكينَ عن فَقْرِه ومَسْكَنَتِه أن يكونَ له مَسْكَنٌ لائقٌ به، مُحتاجٌ إليه، ولا يُكلَّف بيعه لِيُنفقَ منه،

ومَن له عَقارٌ يَنْقُص دَخْله عن كفايته فهو فقيرٌ أو مِسكينٌ،

نعم لو كان نفيسًا بحيثُ لو باعه استطاع أن يشتريَ به ما يَكْفيه دَخْلَه- لَزِمَهُ بيعُه فيما يظهر،

ومِثْل المسكنِ فإنِ اعتاد السكنَ بالأُجرة ومعه ثمنُ مسكنٍ، أو له مسكنٌ: هل يَخْرُج عن الفقر بما معه؟

أجاب في نهاية المحتاج بالإيجاب، وخالفَهُ غيرُه، وكذلك حُليّ المرأة اللائقِ بها، المحتاجة للتزيُّن به عادةً، لا يُخرجها عن الفقر والمسكنة،

وكذا كُتُب العلم التي يحتاج إليها ولو نادرًا كمرَّةٍ في السنة، سواء أكانتْ كتبَ عِلْمٍ شرعيٍّ؛ كالفقه، والتفسير، والحديث، واللغة، والأدب،

أو علمًا دنيويًّا نافعًا؛ كالطبِّ لِمَنْ كان مِن أهله، ونحو ذلك،

وكذا آلاتُ الحِرْفة، وأدوات الصنعة، التي يحتاج إلى استعمالها في صَنْعتِه،

كما لا يخرجه عن الفقر والمسكنة مالُه الذي لا يَقْدِر على الانتفاع به،

كأن يكونَ في بلدٍ بعيدٍ، لا يتمكَّن مِن الحصول عليه.

أو يكون حاضرًا ولكن حِيلَ بينه وبينه، كالذي تَحْجزه الحكوماتُ المُسْتَبِدَّةُ، أو تَضَعُه تحت الحراسة، وما شابه ذلك.

ومثل ذلك دُيُونُه المُؤَجَّلة، لأنه الآن مُعْسرٌ، إلى أن يحلَّ الأَجَلُ ([7]).

الهامش

[1] حاشية الدُّسُوقي على الشرح الكبير؛ محمد بن أحمد بن عَرَفَة الدُّسُوقي المالكي، دار الفكر، (1/ 492).

[2] جامع البيان في تأويل القرآن؛ محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري،

مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 1420 هـ، (14/ 305).

[3] سورة البقرة: 61.

[4] مجمع الأَنْهُر في شرح مُلْتَقَى الأبْحُر، عبد الرحمن بن محمد بن سليمان المدعو بشيخي زاده،

يعرف بداماد أفندي (المتوفى: 1078 هـ)، دار إحياء التراث العربي، (1/ 220).

[5] الكهف: 79.

[6] نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، شمس الدين محمد بن أبي العباس أحمد بن حمزة شهاب الدين الرملي (المتوفى: 1004 هـ)،

دار الفكر، بيروت، الطبعة 1404 هـ/1984 م، كتاب الصدقات (6/ 155).

[7] المرجع السابق (6/ 152).

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*