نفقة المجاهدين

نفقة المجاهدين

نفقة المجاهدين هو المبحث الأول من الفصل الرابع الذي بعنوان أخذ المال عله الجهاد في بحث أخذ المال على أعمال القربات

نفقة المجاهدين

المبحث الأوَّل نفقة المجاهدين

المطلب الأوّل أخذ المجاهدين من الزَّكاة

لا خلاف بين الفقهاء في أنّه يجوز للمجاهدين الأخذ من الزَّكاة قدر حاجتهم في جهادهم ، على اختلاف بينهم في بعض القيود الّتي يأتي بيأنّها . وقد دل على ذلك الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع.

أوَّلًا: الدّليل من القرآن الكريم:

قال تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60].

وجه الاستدلال:

حيث حدد الله – سبحانة وتعالى – في الآية الكريمة مصارف الزَّكاة الثمانية، ومنها مصرف (في سبيل الله).

قال ابن قدامة: “هذا الصنف السابع من أهل الزَّكاة، ولا خلاف في اسقحقاقهم، وبقاء حكمهم، ولا خلاف في أنّهم الغزاة في سبيل الله؛ لأنّ سبيل الله عند الإطلاق هو الغزو … ” .

ثانيًا: الدّليل من السُّنَّة:

عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -: (لا تحل الصَّدقة لغني إِلَّا لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل كان له جار مسكين، فتصدق على المسكين، فأهداها المسكين للغني) .

وجه الاستدلال:

في هذا الحديث بيان أن للغازي – كان كان غنيًا – أن يأخذ من الصَّدقة، ويستعين بها في غزوة، وهو من سهم (سبيل الله) .

مناقشة الاستدلال:

ناقش الحنفية هذا الاستدلال: بأن المراد بالغني في الحديث هو: الغني بقوة البدن، والقدرة على الكسب، لا الغني بالنصاب الشرعي .

ثالثًا: الإجماع:

قال ابن عبد البر: “أجمع العلماء على أن الصَّدقة تحل لمن عمل عليها، وإن كان غنيًا، وكذلك المشتري لها بماله، والذي تهدى إليه، وإن كانوا أغنياء، وكذلك سائر من ذكر في الحديث ….. .

وقد نقل غير واحد من العلماء الاتفاق على ذلك .

هذا، وقد اختلف العلماء في بعض القيود الّتي بموجبها يجوز للمجاهدين الأخذ من الزَّكاة، ومن هذه القيود:

أ – أن يكون المجاهد فقيرًا:

وهذا القيد ذكره الحنفية ، حيث اشترطوا في المجاهد كي ياخذ من الزَّكاة من سهم (في سبيل الله) أن يكون فقيرًا.

قال السرخسي: “وأمّا قوله تعالى: {وفي سبيل الله} فهم فقراء الغزاة … ولا يصرف إلى الأغنياء عندنا …. ” .

واستدل الحنفية على ذلك بما يأتي:

حديث معاذ بن جبل – رضي الله عنه – حين بعثه النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – إلى اليمن،

حيث جاء فيه قوله – صلّى الله عليه وسلم -: (… فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم ….) .

وجه الاستدلال:

حيث دلّ الحديث بظاهره على أن الزَّكاة لا تكون إِلَّا في الفقراء، ومنهم الغازي في سبيل الله، فلا يأخذ منها إِلَّا بوصف الفقر .

مناقشة الاستدلال:

نوقش الاستدلال بهذا الحديث بعدة مناقشات:

أوَّلًا: أن هذا الحديث الّذي استدلوا به عام، مخصوص بحديث أبي سعيد الخدري السابق،

وهو قوله – صلّى الله عليه وسلم -: (لا تحل الصَّدقة لغني إِلَّا لخمسة: لغاز في سبيل الله ….) الحديث.

حيث استثنى النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – الغازي في سبيل الله، وبقية الخمسة المذكورين في الحديث في جواز الأخذ من الزَّكاة مع الغنى .

ثانيًا: أن الله تعالى جعل الفقراء والمساكين صنفين، وعدّ بعدهما ستة أصناف؛ فلا يلزم وجود صفة المصنفين في بقية الأصناف،

كما لا يلزم وجود صفة الأصناف فيهما .

ثالثًا: أن هذا الغازي، إنّما يأخذ مع الغنى من الزَّكاة لحاجتنا إليه،

فأشبه العامل والمؤلِّف، فأمّا أهل سائر السهمان، فإنّما يعتبر فقر من ياخذ لحاجته إليها، دون من يأخذ لحاجتنا إليه .

رابعًا: -أن ما ذهب إليه الحنفية، إنّما هو زيادة على النص،

والزيادة على النص نسخ عندهم، والنسخ لايكون إِلَّا بقرآن، أو خبر متواتر ، وذلك معدوم هنا .

وبهذا يتبين أن ما ذهب إليه الحنفية عن اشتراط كون المجاهد فقيرًا حتّى يجوز له الأخذ من الزَّكاة، غير صحيح.

وعليه، فإن ما ذهب الجمهور من عدم اشتراط الفقر في المجاهد هو الحق الذي في لاريب فيه؛ وذلك لما يأتي:

1 – قوة ما ذهب إليه الجمهور، حيث جاء حديث أبي سعيد الخدري نصًا في محل النزاع.

2 – أن هذا القيد يجعل مصرف (في سبيل الله) لا وجود له؛ لأنّه بهذا القيد يرجع إلى المصرف الأوّل،

وهم: (الفقراء)، وهذا لا يصح؛ لأنّ الله تعالى ذكر ثمانية مصارف، وغاير بينهما،

فدل على أن مصرف (في سبيل الله) يختلف عن مصرف (الفقراء).

3 – أن ما أجابوا به عن حديث أبي سعيد، من حمل الغنى في الحديث على قوة البدن، تأويل بعيد يرده ظاهر النص، ودلالة السياق.

ب – أن لا يكون الغزاة ممّن لهم سهم في ديوان المرتزقة:

ذهب الشّافعيّة ، والحنابلة ، إلى اشتراط كون الغزاة متطوعين لا حق لهم في ديوان المرتزقة من بيت المال.

وقد عللوا ذلك بما يأتي:

أن من له رزق راتب يكفيه، فهو مستغنٍ به، فلا يعطى من الصدقات .

المطلب الثّاني أخذ المجاهدين من بيت المال

لقد سبق الحديث عن بيت المال من حيث التعريف به، وبيان ما يردّ إليه من أموال، وبيان أقسامه،

ومنها بيت مال الفيء، وهو المعني هنا. أمّا بقية أموال بيت المال، فلها مصارف محددة، ومعروفة سبق الكلام عنها .

وأمّا حكم أخذ المجاهدين من بيت المال، فقد اتفق العلماء على أن كفاية المجاهدين، وكفاية من يعولون، تكون في بيت المال .

وذكر بعضهم الإجماع على ذلك .

وقد بالغ بعض أهل العلم، فذهب إلى اختصاص أهل الجهاد بمال الفيء؛

قال ابن قدامة: “وذكر القاضي، أن أهل الفيء هم أهل الجهاد من المرابطين في الثغور، وجند المسلمين، ومن يقوم بمصالحهم” .

وعلل ذلك:

بأن مال الفيء كان للنبي – صلّى الله عليه وسلم – في حياته؛ لحصول النصرة، والمصلحة به، فلما مات صارت للجند، ومن يحتاج إليه المسلمون، فصار ذلك لهم دون غيرهم .

* ضابط ما يأخده المجاهدون من بيت المال:

إعطاء المجاهد من بيت المال مقدر بالكفاية، له، ولمن يعول، سواء أكان يأخذ عطاءه في كلّ شهر، أم في كلّ سنة، فيعطى ما يكفيه في شهره، أو في سنته، ثمّ تعرض حاله في كلّ مرّة، فإذا زادت حاجته زيد له في عطائه، وإذا نقصت نقص عطاؤه.

قال السرخسي عند كلامه عن مصارف بيت المال: ” … ومنها إعطاء المقاتلة كفايتهم، وكفاية عيالهم …. .

وقال الماوردي: “والمعتبر هو نفقته، ونفقة من يعول لمدة سنة، ثمّ تعرض حاله في كلّ عام، فإذا زادت رواتبه الماسة زيد، كان نقصت نقص” .

* السبب الّذي به يأخذ المجاهدون من بيت المال:

علل العلماء ذلك بعدة تعليلات منها:

أوَّلًا: أن المجاهدين قد فرغوا أنفسهم للجهاد، ودفع شر أعداء الإسلام عن المسلمين، فيعطون الكفاية من أموالهم .

ثانيًا: أن المجاهدين بأخذهم هذا العطاء، يستغنون به عن التماس مادة تقطعهم عن حماية البيضة .

ثالثًا: أن ذلك هو فعل عمر – رضي الله عنه -، حيث دوّن الدواوين، وجعل ديوانًا للمقاتلة ، وقد أقره الصّحابة على ذلك، فكان إجماعًا سار عليه عمر، ومن بعده من الخلفاء، وإلى يومنا هذا.

أخذ المال على أعمال القُرَب

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*